الاستماع إلى المقال
كنا نتبادل الحديث عبر مجموعة «واتساب» خاصة بالعائلة، حين راح أبي بلا مقدمات يرسل صوراً من طفولتنا.
علقت أمي «مدري شو صايرلو، راح جاب ألبوم الصور وعم يتفرج ع صوركم».
صدمة أبي كانت كبيرة وهو يقلب الصور، إذ اكتشف حقيقة أننا لم نلتقط صورة جماعية عائلية في حياتنا كلها.
«لسنا بحاجة هذا النوع من الصور»، هذا ما كنا نظنه.
فتحنا نقاشاً نبحث فيه عن إجابة لسؤال «ليش ما عنا صورة جماعية؟». تقاطعت إجاباتنا على سبب مشترك: «كلما اجتمعنا وقررنا أن نتصور، أفسد أحدنا الصورة لسبب ما، كأن يهرع للرد على الهاتف، أو يذهب مسرعاً إلى الحمام»، وغالباً ما ترافق ذلك مع تهكم من قبيل «لوين بدنا نطير يعني، لاحقين نتصور صورة جماعية».
لم نكن نتخيل أننا فعلياً «مو لاحقين».
أتذكر الساعات الأخيرة قبل مغادرتي سوريا. وقتها، طلب أبي أن نأخذ صورة جماعية قبل سفري، وننشرها على مواقع التواصل. إنهم يحبون فكرة الأسرة!
لم يلحظ أبي كيف تبادلنا النظرات أنا وأخي، وكيف انتظر أحدنا من الآخر أن يقدم حجة مقنعة للتهرب من التقاط الصورة.
أخي - الذي أحبه ويحبني - متطوع في أحد الفروع الأمنية، وأنا كنت أنوي المغادرة عبر خط تهريب، لأنني مطلوب من قبل الأمن.
يبدو أن أبي - الذي تقدم في العمر - أراد أن يقول للعالم إن أولاده صاروا رجالاً، وما زالت أسرته متماسكة. ربما كان يعرف الحقيقة، ولكنه أراد أن يكسر جليداً ما بين الأخوين، قبل لحظة الوداع. لكنّ صورة واحدة تجمعني مع أخي كانت لتفتح علينا أبواب الجحيم!
الذين لم يهتموا لفكرة الصور العائلية في سوريا قبل 2011، صار من الصعب عليهم تحصيل واحدة بعدها! فأبناء تلك البلاد، ماتوا، وتشردوا، واختلفوا
لا، نحن لا نستطيع التقاط صورة جماعية للعائلة، هذا ما جعلني أتصل بأخي الواقف قبالتي. رنّ هاتفه، نظر إلى الشاشة، فهم ما أحاول فعله، وتجاوب مع الفكرة، فتح الخط ورشّ كلمات مقتضبة: «حاضر.. فوراً.. فوراً». ثم قال لنا: «لازم روح، بس أرجع مناخذ الصورة».
غادر، وغادرت.
يقال إن الصور الجماعية تحظى بجاذبية خاصة، وتُخلد لحظة اجتماع عبر حبسها في لقطة. حسناً، إنني أحسد الآن العائلات السورية التي تستطيع التقاط صور جماعية، لكن ما عدد تلك العائلات؟ لا أعتقد أنه من السهل اكتمال نصاب صورة في تلك البلاد. (تلك؟ أم هذه؟ تبدو علاقة الجغرافيا مع الوطن مريبة، أنا الذي أقول إن بلادي سافرت معي، ما زلت أسميها «تلك»، وكأنها بعيدة وغريبة!)
أظن أن الذين لم يهتموا لفكرة الصور العائلية الجماعية في سوريا قبل 2011، صار من الصعب عليهم تحصيل واحدة بعدها! فأبناء تلك البلاد، ماتوا، وتشردوا، واختلفوا.
مرة جديدة أقول تلك البلاد! هل أفعل ذلك لأنني لا أعرف مدى جواز أن أقول عنها «هذه» وكأنها لا تزال قبالتي ولم تتغير؟
إنها - أعني البلاد - تشبهنا، لقد نسيت أن تلتقط صورة جماعية.
هل سبق وفكرت ببلاد التقطت صورة جماعية؟ هل تكون أسرنا التي حُكم عليها بالتفكك انعكاساً شديد المرارة لجغرافيا تلك البلاد؟ أتخيل أنه صار من المنطقي والمحق أن أستخدم عبارة «صورة جماعية لسوريا» إذا ما رأيتُ خريطتها مكتملة، غير مجزأة ولا مقضومة!
لربما كانت رغبة أبي في التقاط صورة جماعية للعائلة، وفشله في ذلك، تشبه رغبة الضمير الحي بأن يرى ما أسميته لتوي «صورة جماعية لسوريا». لا أعرف إن كان لهذا أثر حقيقي في قلوب الجميع، ولكنني فعلاً أتصور أنّ لتلك الجغرافيات أيدٍ وأكتاف، لو كان هذا، هل كان بعضها ليستند على بعضها الآخر أثناء تصوير الخريطة؟ أم أن إحدى الجغرافيات سترد مسرعة على هاتف طارئ وتهرب من الصورة؟ هل ستهاجر قطعة ما من سوريا كما فعلت أنا؟ وهل ستبقى قطعة أخرى خلف قضبان حكامها أو مستعمريها، فتموت تحت تعذيب الفراق؟
ثم، وأهم من كل ما سبق، هل فات الأوان حقاً لالتقاط الصورة الجماعية هذه؟؟
لكن حقّاً، مانفع التقاط الصور الجماعية إلا تخليد لحظة كي نبكي عليها؟ ما نفع الخرائط إن صارت محرضاً للنواح لا أكثر؟ لربما كان خلاصاً ألا نلتقط صورة جماعية للعائلة، لأنها كانت لتحيي الذاكرة وتجعل أبي يبكي كثيراً وهو يقول «كنا، ما أجمل ما كنا!».
لو كان يعرف أن عدم وجود الصور، يخفف عبء النظر إليها، والحسرة على زمان التقاطها، لما طلب أن نتصور صورة يعلقها على جدار كي تهدمه قذيفة!
احمد الله أننا لم نتصور يا أبي، وادعُ لنا ألا نتذكر!
أما صورة البلاد، فالخرائط الممزقة لا تشي بصورة جماعية محتملة، افتخر اذاً لأنك تشبه سوريا التي تحبها، تنتهيان إلى ندمٍ على صورة!
هامش
«الصور العفوية دائماً أجمل»، هكذا كانت تقول. كلما ابتسمت التقط لها صورة، حتى صارت كل الذاكرة أزمنة متوقفة عند ابتسامة.
بعد أن افترقا، صار يقلب الصور طوال الوقت، ظل يقلب الصور يومياً، مع كل صورة كان يسرد حدثاً كاملاً. تقسمت الأحداث، إلى قبل صورة ما، وبعد صورة ما! ظل يعيش في الذاكرة ولم ينجُ إلا حين كسر هاتفه في لحظة غضب من ابتسامة، وقال «ملعون أبو الصور».
نظر إلى الروزنامة المعلقة على الحائط، فوجد أنه لم يقلب أوراقها منذ آخر لقاء. مزق الأيام التي مرت أمام الصور وهو يقول: يبدو أن الصور هي وسيلتنا للالتفاف على الأزمنة، بينما تسير الأزمنة ملأى بالحقائق التي لا تنفع لتغييرها ضحكة أمام كاميرا...