× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

المقابر الجماعية التي كُشف عنها في الرقة تُعد من أكثر الملفات تعقيداً © هيئة العدالة الانتقالية/فايسبوك

تعدّدت السيطرات.. ودم الضحايا واحد: هل تظل جراح الرقة مفتوحة؟

حكاياتنا - خبز 21-10-2026

بين ألم الاختفاء القسري وفقدان الأحبة تحت سيطرة تنظيم «داعش» المتطرف، وتبعات الاعتقال والإصابات الدائمة في مرحلة ما بعد (قسد)، يعيش أهالي الرقة واقعاً مريراً تُطارد فيه العائلات خيوط الأمل لمعرفة مصير ذويهم. وأمام مقابر جماعية تضم رفاتاً مجهولة الهوية ومبادرات أهلية محاصرة بقلة الإمكانات

منذ نحو عقد، تحتفظ صباح خليل بصور لابنها حين كان في السادسة عشرة من عمره، وهي الذكرى الوحيدة التي بقيت لها بعد أن اختطفه أفراد من تنظيم «داعش» المتطرف في العام 2016. تقول السيدة الخمسينية إنها، رغم عمليات البحث التي أجرتها حينها، وحتى بعد خروج التنظيم المتطرف من الرقة في العام 2017، لم تجد أي أثر له، ولا تزال تنتظر أي خبر لتتأكد مما إذا كان ابنها قد توفي أم لا.

تؤكد السيدة أن غياب المعلومات يجعلها غير قادرة على معرفة ما إذا كان عليها أن تبحث عن ابنها أم أن تتعامل مع فقدانه بوصفه أمراً واقعاً، شأنها شأن آخرين في الرقة عانوا المصير نفسه.

قصة صباح ليست فريدة ولا معزولة في الرقة، إذ خسرت المحافظة، التي خضعت لسيطرة تنظيم «داعش» المتطرف نحو أربع سنوات، آلاف الضحايا. ومع مرور الوقت، لم تعد آمال ذويهم تقتصر على معرفة مصائرهم، بل أصبح الوصول إلى حقيقة ما جرى لهم وتوثيق ققضيتهم جزءاً من الغايات الأساسية. 

سيطرات متعاقبة.. ومعاناة مستمرّة

مع تغير القوى المسيطرة على المحافظة، تبدلت أيضاً طبيعة الانتهاكات التي تعرض لها السكان، ووجدت عائلات أخرى نفسها أمام اعتقالات واتهامات وقيود استمرت حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبرى.

في تشرين الأول/أكتوبر 2017، دخلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى الرقة بعد معارك استمرت نحو خمسة أشهر، نتج عنها دمار هائل، فضلاً عن سقوط آلاف الضحايا المدنيين ممن بقوا في الرقة ولم يتمكنوا من مغادرتها. لكن فقدان شخص أو عدم معرفة مصيره ليس الشكل الوحيد لمعاناة سكان الرقة خلال سنوات الحرب، إذ خرج معتقلون من السجون وهم يحملون آثاراً نفسية واجتماعية، فيما أصيب مدنيون خلال المعارك، وفقد بعضهم القدرة على ممارسة حياتهم كما كانوا قبل الحرب. ومع اختلاف هذه الحالات، يجمع أصحابها رابط مشترك يتمثل في استمرار تبعات ما تعرضوا له، فيما لا تزال مسألة الاعتراف بهذه الأضرار وجبرها موضع تساؤل.

من بين هذه الحالات عبد الرؤوف العلي. يروي أن قوات «قسد» اعتقلته مطلع العام 2018 من حي الدرعية، في الأطراف الغربية لمدينة الرقة، بعد اتهامه بالانضمام إلى تنظيم «داعش» المتطرف.

يقول العلي إن التهمة لم تثبت عليه لاحقاً، لكنه أمضى نحو عامين بعيداً عن أسرته، وهي فترة يقول إنها تركت آثاراً نفسية كبيرة عليه. وبعد خروجه، لم يجد العلي حياته كما تركها، إذ عانى اضطرابات نفسية، فيما كانت زوجته قد انفصلت عنه بالطلاق خلال فترة غيابه، بعد انقطاع الاتصال به. ويشير إلى أن أهلها أجبروها على الطلاق لاعتقادهم أن غيابه سيطول أو أنه لن يخرج حياً، ليجد نفسه بعد خروجه أمام واقع أسري جديد، إلى جانب الآثار التي خلّفها الاعتقال على حالته النفسية وحياته الاجتماعية.

غياب التقنيات الحديثة والفحوص اللازمة للتعرف إلى الرفات جعل كثيراً من العائلات تنتظر من دون إجابة حاسمة عن مصير أقاربها

كذلك، خلّفت المعارك التي شهدتها الرقة مدنيين أصيبوا بإعاقات دائمة، أو فقدوا القدرة على العمل والحركة، ومن بينهم خضر العلي، الذي تعرض منزله للقصف خلال المعارك التي رافقت السيطرة على المدينة في 2017، ما أدى إلى إصابته في قدميه.

يقول خضر إن الإصابة غيّرت تفاصيل حياته اليومية، إذ فقد بعدها القدرة على المشي، وأصبح يعتمد على الآخرين في كثير من احتياجاته.

مساعٍ أهليّة وروابط

في محاولة للوصول إلى مصير المفقودين وتوثيق ما تعرض له السكان، شكّل علي الظاهر، مع عدد من الضحايا وذوي المفقودين، رابطة لمتابعة ملفات ضحايا تنظيم «داعش» المتطرف. وبدأ أعضاء الرابطة جمع المعلومات المتوافرة لدى العائلات، والاستماع إلى شهادات أشخاص عايشوا عمليات الاعتقال والاختفاء، ومحاولة مطابقة هذه المعلومات مع ما ظهر لاحقاً من وثائق أو أدلة يمكن أن تساعد في معرفة مصير المفقودين.

لم تقتصر جهود الرابطة على جمع الشهادات، إذ تعاون أعضاؤها مع ناشطين في الرقة لمحاولة توثيق الحالات وحفظ المعلومات المتعلقة بالضحايا، وسط صعوبة الوصول إلى كثير من الأدلة ومواقع الاحتجاز السابقة. وشملت عمليات التوثيق أسماء أشخاص فقدوا خلال فترة سيطرة التنظيم، ومعلومات عن أماكن وجودهم قبل اختفائهم، وما توفر لدى عائلاتهم من وثائق أو شهادات يمكن أن تساعد في متابعة مصيرهم.

يقول القائمون على الرابطة إن هدفهم لم يكن فقط معرفة مصير المفقودين، وإنما أيضاً الحفاظ على ملفات الضحايا حتى لا تضيع مع مرور السنوات، وإيصال المعلومات إلى الجهات التي يمكن أن تستخدمها مستقبلاً في عمليات البحث والتحقيق والمساءلة. إلا أن محدودية الإمكانات وغياب جهة متخصصة تجمع هذه الملفات وتدققها جعلا عملية التوثيق تعتمد بدرجة كبيرة على جهود الأهالي والناشطين.

وظهرت بعد انتهاء سيطرة التنظيم مواقع تضم مقابر جماعية في مناطق مختلفة من الرقة. وعملت فرق محلية على توثيق هذه المواقع ومحاولة معرفة هويات الأشخاص المدفونين فيها، إلا أن المهمة واجهت صعوبات كبيرة بسبب طبيعة المقابر وانعدام الإمكانات الفنية اللازمة للتعامل مع الرفات.

يقول إسماعيل بدر، أحد القائمين على عمليات التوثيق، إن فرقاً في الرقة وثّقت عشرات المقابر الجماعية التي يُعتقد أن بعضها يضم رفات ضحايا أعدمهم تنظيم «داعش» المتطرف. وتمكنت الفرق في بعض الحالات من تحديد هويات أشخاص من خلال الوثائق التي عُثر عليها مع الرفات، أو الملابس والمقتنيات الشخصية، إضافة إلى مطابقة مكان الدفن مع معلومات عن أشخاص فُقدوا من مناطق قريبة.

لكن هذه الوسائل لم تكن كافية لتحديد هويات معظم المدفونين، بحسب بدر، الذي يشير إلى أن غياب التقنيات الحديثة والفحوص اللازمة للتعرف إلى الرفات جعل كثيراً من العائلات تنتظر من دون إجابة حاسمة عن مصير أقاربها.

من يوثق الانتهاكات ومن يحولها إلى قضايا؟

لم يحسم جمعُ الشهادات وتحديد مواقع المقابر ومحاولات التعرف إلى أصحاب الرفات مصير معظم الملفات، كما بقيت كثير من المعلومات لدى مبادرات أهلية وناشطين، من دون أن تتحول بالضرورة إلى ملفات قضائية يمكن البناء عليها لمحاسبة المسؤولين أو إنصاف الضحايا.


لا يقتصر إنصاف الضحايا على توثيق الانتهاك، بل يتطلب تحديد هوية الضحية والجهة المسؤولة، وجمع الأدلة والوثائق، وحفظها بما يضمن الاستفادة منها أمام الجهات القضائية المختصة

يرى الحقوقي حسين شاهين أن تعدد جهات السيطرة على الرقة خلال سنوات الحرب يعقّد ملف الانتهاكات، خصوصاً أن كل مرحلة خلّفت ضحايا وملفات تختلف في طبيعتها والجهة المسؤولة عنها. ويشير إلى أن كثيراً من ذوي الضحايا لم يتقدموا بشكاوى بحق الأشخاص أو الجهات التي يعتقدون أنها ارتكبت الانتهاكات، ما يجعل توثيق بعض القضايا ومتابعتها قانونياً أكثر صعوبة.

يضيف شاهين أن الخوف، وعدم معرفة الجهة التي يمكن التوجه إليها، إلى جانب مرور سنوات على وقوع الانتهاكات، عوامل ساهمت في بقاء عدد من الملفات من دون متابعة قانونية، بينما تحتاج قضايا المفقودين والمعتقلين والضحايا إلى جمع الأدلة والشهادات وتوثيقها بطريقة يمكن الاعتماد عليها في أي إجراءات قضائية مستقبلية.

ومن الناحية القانونية، لا يقتصر مسار إنصاف الضحايا على توثيق الانتهاك، بل يتطلب تحديد هوية الضحية والجهة المسؤولة، وجمع الأدلة والشهادات والوثائق المتعلقة بالواقعة، وحفظها وفق إجراءات تضمن إمكانية الاستفادة منها أمام الجهات القضائية المختصة، وفق ما يؤكده شاهين. ويشير إلى أن تحديد مصير المفقودين والتعرف إلى ضحايا المقابر الجماعية يمثلان جزءاً أساسياً من الوصول إلى الحقيقة، قبل الانتقال إلى بحث المسؤولية والمحاسبة وجبر الضرر.

على طاولة العدالة الانتقالية

وبينما بقيت كثير من ملفات الضحايا في الرقة لسنوات خارج أي مسار واضح للمحاسبة أو جبر الضرر، بدأت قضاياهم تظهر في النقاشات المرتبطة بالعدالة الانتقالية في سوريا. وفي لقاء حواري عقدته الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في الرقة نهاية آب/ أغسطس الماضي، استمعت الهيئة إلى شهادات الضحايا وذويهم والناجين وذوي المعتقلين والمفقودين قسرياً، وناقشت معهم آليات العدالة الانتقالية. وشمل اللقاء ذوي ضحايا تعرضوا لانتهاكات خلال مراحل مختلفة من الحرب.

وبحسب ما طُرح خلال اللقاء، فإن ملفات الانتهاكات التي تعرض لها سكان الرقة خلال فترات سيطرة تنظيم «داعش» المتطرف و«قسد» قد تكون ضمن الملفات التي يبحثها مسار العدالة الانتقالية مستقبلاً، ما يفتح الباب أمام عائلات بقيت خارج أي مسار رسمي لتوثيق قضاياها أو المطالبة بحقوقها. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى عائلات المفقودين، إذ لا يرتبط مطلبها بالمحاسبة فقط، بل يبدأ بمعرفة مصير أقاربها وتحديد أماكن دفن من توفوا، والحصول على اعتراف رسمي بما تعرضوا له.

يقول شاهين إن المقابر الجماعية التي كُشف عنها في الرقة تُعد من أكثر الملفات تعقيداً، نظراً إلى صعوبة تحديد هوية كثير من الضحايا وغياب الإمكانات الفنية الكافية للتعرف إلى الرفات. ويضيف أن طرح هذه الملفات ضمن مسار العدالة الانتقالية لا يعني أن قضايا الضحايا دخلت بالفعل مرحلة المحاسبة القضائية، إذ لا تزال هناك خطوات تتعلق بجمع الأدلة وتوثيق الشهادات وتحديد المسؤوليات وحفظ الملفات. وبالنسبة إلى ضحايا الرقة، يبقى التحدي في تحويل ما جمعته العائلات والناشطون والمنظمات خلال السنوات الماضية من شهادات ووثائق ومعلومات عن المفقودين والمعتقلين والمقابر الجماعية إلى ملفات يمكن إدراجها ضمن الآليات الرسمية للعدالة الانتقالية.

أما صباح خليل ومعها أهالي عشرات أو مئات المفقودين الآخرين، فلا تزال الخطوة الأولى بالنسبة إليهم هي معرفة الحقيقة قبل الوصول إلى أي شكل آخر من أشكال الإنصاف.

المقابر_الجماعية_في_سوريا داعش المفقودون_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0