× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

أهالي اللاذقية وفواتير الكهرباء: خدمات متقطعة وديونٌ دائمة

حكاياتنا - خبز 23-10-2026

في اللاذقية، كما في سائر المدن السورية، لم يعد انقطاع الكهرباء هو الهمّ الأكبر للأهالي، بل الفواتير التي تلتهم الرواتب المتهالكة. فواتير تسجل أرقاماً قياسية قد تصل إلى ضعف دخل أسرة متوسطة، لتتحول الطاقة من خدمة متقطعة إلى عبء مالي يهدد العائلات في معيشيتها اليومية

كان مهند في عمله صباحاً عندما اتصلت زوجته لتخبره بوصول موظفين من شركة الكهرباء لفك عدّاد المنزل الذي يسكنانه، في بسنادا، باللاذقية، بسبب عدم دفع الفواتير الثلاث الأخيرة.

ترك الرجل عمله وعاد مسرعاً إلى البيت، ليحاول إقناع الموظفين بعدم نزع العداد. كانت قيمة الفواتير الثلاث المتراكمة تبلغ نحو مليونين ونصف المليون ليرة سورية بالعملة القديمة، أي 25 ألف ليرة بالعملة الجديدة، وهو مبلغ يعادل، بحسب مهند، راتبه عن شهرين متتاليين.

تعهّد مهند بدفع إحدى الفواتير الثلاث، واستعان ببعض أصدقائه لتأمين قيمتها البالغة 700 ألف ليرة قديمة، أي سبعة آلاف ليرة جديدة. وبعد التحقق من تسديده الفاتورة، غادر الموظفون من دون فك العداد، لكن ذلك لم يُنهِ المشكلة، فما زال عليه دفع فاتورتين، تبلغ قيمتهما الإجمالية مليوناً و800 ألف ليرة قديمة.

يعمل الرجل مهندساً في شركة اتصالات حكومية، ويتساءل إن كان سيضطر في كل دورة إلى تخصيص نسبة كبيرة من راتبه للكهرباء، رغم انقطاعها ساعات طويلة يومياً. يقول: «نتصارع كل يوم في البيت على الحمام وعلى المروحة وعلى الإضاءة. الأولاد يستخدمون الكهرباء بحذر، البنات يحاولن عدم استخدام السيشوار إلا مرة في الأسبوع. ماذا أفعل أكثر من ذلك؟».

عائلات تحاصرها الديون

لا تقتصر الشكاوى على منزل مهند. ففي حي الرمل الجنوبي، تقول أم خالد (45 عاماً): «فاتورتنا بلغت هذه الدورة 900 ألف ليرة (قديمة)، مع أننا لا نملك مكيفاً، فقط ثلاجة قديمة ومروحة واحدة. قبل عام كانت لا تتجاوز 40 ألفاً». وتضيف: «اضطررنا لشراء مياه الشرب لأن ماء الصنبور أصبح مالحاً، وهذه كلفة إضافية، فكيف لنا أن ندفع فواتير الكهرباء والمياه والطعام براتب واحد؟».

أما في مدينة جبلة، فيقول علي الأحمد، (52 عاماً)، وهو صاحب محل بقالة، إن فاتورة محله التجاري تجاوزت مليونين ومئتي ألف ليرة قديمة. ويضيف: «هذا يعني أن أرباح اليوم كله تذهب للكهرباء. اضطررت إلى رفع أسعار بعض السلع، والمواطن بات يشعر بذلك».

لا تخضع المحال التجارية للتعرفة المنزلية نفسها، إذ حدّد قرار وزارة الطاقة سعر الكهرباء للأغراض التجارية بنحو 1400 ليرة قديمة لكل كيلوواط ساعي، عن كامل الكمية المستهلكة. ويعني ذلك أن ارتفاع كلفة الكهرباء لا يقتصر أثره على الأسرة، بل قد ينتقل إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك.

وبحسب الفواتير التي اطلع عليها معد التقرير في مناطق متفرقة من محافظة اللاذقية، تراوحت قيمة فواتير الدورة الثانية من العام 2026، التي تغطي شهري آذار/ مارس، ونيسان/ أبريل، بين 500 ألف، ومليوناً و100 ألف ليرة قديمة. ويعادل ذلك، وفق سعر صرف يبلغ 14 ألف ليرة قديمة للدولار وقت إعداد التقرير، ما بين 36 - 79 دولاراً. 

أين يكمن الخلل؟

بدأت وزارة الطاقة تطبيق التعرفة الحالية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. ووفق القرار رقم 687، تُحتسب أول 300 كيلوواط ساعي من الاستهلاك المنزلي خلال دورة مدتها شهران بسعر 600 ليرة قديمة للكيلوواط الساعي، فيما تُحتسب الكمية التي تتجاوز هذا الحد بسعر 1400 ليرة. ويقدّر مهندس كهرباء سابق، فضّل عدم الكشف عن هويته، استهلاك منزل فيه ثلاجة وغسالة وسخان مياه وإنارة وشواحن بنحو 250 إلى 300 كيلوواط ساعي شهرياً. إلا أن كل فاتورة تشمل شهرين، ما يرفع الاستهلاك المفترض إلى 500 - 600 كيلوواط ساعي للدورة.

وباحتساب التعرفة الرسمية، تراوح التكلفة بين 460 – 600 ألف ليرة قديمة، قبل إضافة الرسوم. ولا تكفي مقارنة الفاتورة بتقدير شهري للاستهلاك للقول إن قيمتها خاطئة، بل يجب فحص كل فاتورة وقراءة عدادها على حدة. ومع ذلك، يرى المهندس السابق أن تفاوت الفواتير بين منازل متشابهة في الأجهزة وساعات الاستخدام يستدعي التدقيق. ويقول إن بعض الفروقات قد تنتج عن قراءات غير دقيقة، أو إدراج استهلاك متراكم من دورات سابقة، أو اعتماد كمية تقديرية عند تعذّر الوصول إلى العداد، إضافة إلى اختلاف حالة الأجهزة الكهربائية وكفاءتها.

تقول وزارة الطاقة إن تعديل التعرفة جاء بهدف تأمين موارد لإعادة تأهيل المحطات والشبكات  وتحسين التغذية، لكن ارتفاع الفواتير يضع هذه الخطة في مواجهة مباشرة مع محدودية الدخول

وتقر المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء بإمكانية ظهور فروقات عندما لا تتوافر قراءة فعلية للعداد، أو تتراكم كميات استهلاك من دورات سابقة. ووفق توضيح رسمي، يمكن للمشترك الاعتراض عند وجود فرق بين القراءة المسجلة على العداد والقراءة المدونة في الفاتورة، أو عند الاشتباه في وجود تراكمات أو خطأ في كمية الاستهلاك.

يقول مواطنون تحدث إليهم معد التقرير إن اعتماد الشركة على القراءة البشرية يجعلهم يشكّون في دقة بعض الفواتير، ولا سيما عندما لا تتناسب القيمة، بحسب تقديرهم، مع الأجهزة الموجودة في المنزل أو ساعات التغذية الكهربائية. حاول معدّ التقرير التواصل مع شركة كهرباء اللاذقية للحصول على توضيح بشأن عدد الاعتراضات المسجلة، وآلية مراجعتها، وحالات فك العدادات بسبب تراكم الفواتير، لكنه لم يحصل على رد حتى موعد إعداد التقرير.

الفواتير الحكومية تلحق بشبكات الأمبيرات

إلى جانب الكهرباء الحكومية، تتحمل بعض الأسر كلفة الاشتراك في المولدات الأهلية لتغطية ساعات الانقطاع. يقول صاحب مولدة في حي الزيتونة، طلب عدم نشر اسمه: «سعر اشتراك المولد الشهري أصبح 250 ألف ليرة للتيار الضعيف، و400 ألف للتيار القوي، ونحن أنفسنا نعاني من ارتفاع سعر المازوت». وبذلك قد تدفع الأسرة في الوقت نفسه فاتورة الكهرباء الحكومية واشتراك المولدة، فضلاً عن تكاليف البطاريات أو أنظمة الطاقة الشمسية لدى من يستطيع شراءها. ولا تتساوى هذه البدائل في قدرتها على تشغيل الأجهزة، فالاشتراكات المحدودة قد توفر الإنارة وشحن الهواتف، لكنها لا تكفي دائماً لتشغيل سخان المياه أو الغسالة أو أجهزة التبريد.

يربط الخبير الاقتصادي ذو الفقار علي، ارتفاع الفواتير بالتغيير الكبير في التعرفة ضمن خطة إعادة هيكلة قطاع الكهرباء. ويقول: «إن ارتفاع الفواتير ليس بالضرورة نتيجة استهلاك حقيقي، بل ربما نتيجة أولى لرفع الدعم الحكومي عن الكهرباء تدريجياً ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي، وبالتأكيد هناك خلل في احتساب الشرائح أو القراءات».

ويضيف: «في حال استمرار هذا المستوى من الفواتير، سنجد أنفسنا أمام موجة جديدة من الغلاء، لأن التجار سيرفعون أسعار سلعهم لتغطية تكاليف الطاقة، والمواطن هو من سيدفع الثمن مرتين».

وزارة الطاقة تُدافع.. والمواطن يدفع

تقول وزارة الطاقة إن تعديل التعرفة جاء بهدف تأمين موارد لإعادة تأهيل المحطات والشبكات وتوفير الوقود والغاز وتحسين استقرار التغذية. لكن ارتفاع الفواتير يضع هذه الخطة في مواجهة مباشرة مع محدودية الدخول، خصوصاً عندما تقترب فاتورة دورة واحدة من راتب شهر كامل أو تتجاوزه.

أما مهند، فقد تمكن من منع فك عداده مؤقتاً بعدما استدان قيمة الفاتورة الأولى، لكنه لا يعرف كيف سيدفع الفاتورتين المتبقيتين أو الفواتير المقبلة. يقول: «لا أدري كيف سأدفع الباقي. ربما سأبيع شيئاً من المنزل، أو أستلف من أحدهم. لكن الأكيد أنني لن أتمكن من دفع الفواتير القادمة إذا استمرت على هذا النحو». يتأمل مهند عداد الكهرباء في مدخل البناء، وبينما تتقدم أرقامه مع كل كيلوواط يستهلكه المنزل، تتحول الكهرباء بالنسبة إلى عائلته من خدمة متقطعة إلى دين دائم يخشى أن ينتهي بفقدانها تماماً.

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0