عندما توفي زوج أم علي، لم تكن الأسرة وحدها مضطرة إلى مواجهة تكاليف الدفن والتعزية. تكفّلت جمعية بسنادا الخيرية بتوفير المستلزمات، في واحدة من الخدمات القليلة التي استطاعت الجمعية الحفاظ عليها رغم محدودية مواردها.
تقول أم علي (50 عاماً): «الجمعية مشكورة تقدم المساعدة في الوفيات، وعندما توفي زوجي لم تقصر في حقنا، وقدمت كل ما يلزم. ولولا الجمعية، لكان العبء المادي كبيراً وفوق طاقتنا. نتمنى أن تصبح الجمعية أقوى، بحيث تساعد كبار السن بثمن الدواء أو تقدم العون للأسر الفقيرة».
في بلدة بسنادا بريف اللاذقية، تشكل هذه الجمعية صندوقاً اجتماعياً يعتمد بصورة أساسية على مساهمات أبناء المنطقة، ويقدم خدمات تتسع أو تتراجع وفق ما يتوافر له من أموال ومتطوعين. وبينما تستطيع الجمعية تغطية تكاليف الوفيات بصورة منتظمة، تبقى أنشطتها الأخرى مرتبطة بالتبرعات والمبادرات الموسميّة.
يقول رئيس مجلس إدارتها، جعفر أبو بالا، إن الجمعية تأسست في العام 2014 بجهود من أبناء البلدة، وبلغ عدد المنتسبين إليها أكثر من 1800 شخص. ويضيف: «تعقد الجمعية كل فترة اجتماعَ هيئةٍ عامة ينتخب مجلس إدارتها، ومجلس الإدارة ينتخب رئيساً له.
إمكانات شحيحة وتحديات تمويل
تعتمد الجمعية على اشتراك شهري قدره 20 ليرة سورية بالعملة الجديدة لكل عضو، إلى جانب تبرعات الأهالي». ويصف أبو بالا هذا المبلغ بأنه محدود، قائلاً: «سنحاول رفعه عن طريق طرح الأمر للتصويت في اجتماع الهيئة العامة المقبل».
«لولا الجمعية لكان العبء المادي كبيراً وفوق طاقتنا.. نتمنى أن تصبح أقوى لتساعد كبار السن بثمن الدواء»
لا تكشف قيمة الاشتراك وحدها حجم الإيرادات الفعلية، إذ يرتبط ذلك بعدد الأعضاء الذين يسددون اشتراكاتهم بانتظام، فضلاً عن قيمة التبرعات والمصاريف التشغيلية. لكن محدودية التمويل، بحسب رئيس الجمعية، جعلت المساعدة في حالات الوفاة النشاط الوحيد المستمر طوال العام، فيقول: «دعمنا يقتصر على تقديم المساعدة في الوفيات، إذ تقدم الجمعية كل مستلزمات الدفن والتعزية مجاناً لأهل المتوفى. وهذه الخدمة مستمرة حتى الآن، وقد غطينا خلال الأشهر الماضية أكثر من 22 حالة».
استجابة طوارئ وحملات موسمية
خلال زلزال شباط/ فبراير 2023، وسّعت الجمعية نشاطها استجابةً لحالة الطوارئ. ويوضح أبو بالا: «حاولت الجمعية تقديم ما تستطيع للمتضررين، وقدمت صالة المبرة كمركز سكن مؤقّت».
أيضاً، تنظم الجمعية، عند توافر التمويل، حملات لتوزيع الخبز على الأسر الأشد حاجة، ولا سيما خلال شهر رمضان. وقد وصلت الحملة الأخيرة إلى 250 أسرة، بحسب رئيس الجمعية. وشملت الأنشطة السابقة تنظيم فعاليات ترفيهية وتعليمية لـ 18 طفلاً يتيماً، وتوزيع ملابس العيد والشتاء على أكثر من 70 أسرة. كما تعاونت الجمعية خلال العام الماضي مع مبادرة «جسور التعليمية» وعدد من المدرسين المتطوعين لتقديم دروس تقوية مجانية لطلاب شهادتي التعليم الأساسي والثانوي، استفاد منها، وفق إدارة الجمعية، أكثر من 90 طالباً. ويضيف أبو بالا: «قبل مُدة نظمنا حملة تبرعات لمريض كان بحاجة عملية تتجاوز كلفتها 1300 دولار، والجمعية لا تستطيع تغطيتها. والحمد لله، جُمع المبلغ عن طريق التبرعات، وأجرى المريض العملية بنجاح».
غياب الشباب وتراجع النشاط
غالبية الأنشطة التعليمية والإغاثية والموسمية المذكورة نُفذت في عهد مجلس الإدارة السابق، الذي ضم عدداً أكبر من الشباب، بحسب القائمين على الجمعية. أما المجلس الحالي، فتركز نشاطه بصورة أساسية على مساعدة الأسر عند الوفيات وتنظيم حملة التبرع للمريض. غير أن هذه المقارنة لا تكفي وحدها للجزم بأن تغير مجلس الإدارة أو تراجع حضور الشباب تسبب بانخفاض النشاط، إذ يمكن أن يرتبط الأمر أيضاً بنقص التمويل أو تبدل احتياجات الأهالي أو تراجع عدد المتطوعين. وحاول معد التقرير الحصول على تعليق من عضو شاب سابق في مجلس الإدارة، لكنه اعتذر عن التصريح.
مساعدة المجتمع لنفسه لا تُعفي المؤسسات الرسمية من مسؤوليتها في الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية
يرى عبادة جاموس، وهو أحد سكان بسنادا والمشتركين في الجمعية، أن محدودية النشاط قد ترتبط بنقص الموارد المالية والحاجة إلى مشاركة شبابية أكبر. يقول: «الجمعيات الأهلية دليل قوي على حيوية المجتمع ونشاطه، وتقوي روابط المحبة والتكافل الاجتماعي بين الناس. وجمعية بسنادا، مشكورة، تؤدي عملاً معقولاً، لكنه غير كافٍ. قد يعود ذلك إلى إمكاناتها المادية المحدودة، أو إلى حاجتها إلى دماء شابة ضمن هيكلها الإداري».
الجهود الأهلية لا تُعفي المؤسسات
تعمل جمعية بسنادا ضمن قطاع أهلي أوسع في محافظة اللاذقية. وبحسب تصريح سابق لرئيس دائرة الخدمات في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، حسن قطرون، نشرته صحيفة «الحرية»، بلغ عدد الجمعيات المرخصة في المحافظة 96 جمعية. لكن عدد الجمعيات المسجلة لا يكشف بالضرورة عدد الجمعيات النشطة فعلياً، أو حجم تمويلها، أو أعداد المستفيدين منها. كما لا تتوافر في التصريح المنشور بيانات توضح مجالات عمل هذه الجمعيات، وعدد العاملين والمتطوعين فيها، أو ما إذا كانت تقدم خدمات منتظمة أم تنشط موسمياً فقط.
تفتح تجربة «بسنادا» الباب أمام تساؤلات أعمق حول مدى قدرة المبادرات المحلية على الاستمرار في ظل اعتمادها على اشتراكات رمزية وتبرعات غير منتظمة، وعمل تطوعي يظلّ عرضةً للتراجع. فالمبادرات التعليمية وتوزيع الخبز والملابس يمكن إطلاقها عند توافر متبرع أو مجموعة من المتطوعين، لكنها تتوقف عندما ينضب التمويل أو ينسحب القائمون عليها. كما تكشف التجربة أن مساعدة المجتمع لنفسه لا تعفي المؤسسات الرسمية من مسؤولياتها في الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية. فالجمعية تستطيع جمع كلفة عملية لمريض أو مساعدة أسرة عند وفاة أحد أفرادها، لكنها لا تستطيع بناء نظام دائم لتغطية الدواء أو إعالة الأسر محدودة الدخل.
بالنسبة إلى أم علي، لا تقاس أهمية الجمعية بعدد المشاريع التي تعلنها، بل بالمساعدة التي تلقتها في لحظة لم تكن قادرة فيها على تحمل نفقات إضافية. غير أن أمنيتها بأن تتمكن الجمعية من دفع ثمن دواء كبار السن أو مساعدة الأسر الفقيرة تكشف أيضاً المسافة بين ما تقدمه اليوم وما ينتظره منها السكان.
بين 1800 منتسب وعشرات الأسر التي استفادت من خدماتها، تملك جمعية بسنادا قاعدة اجتماعية واسعة، لكنها تفتقر إلى الموارد التي تحول هذه القاعدة إلى برامج دائمة. لذلك لا يتعلق مستقبلها بالرغبة في فعل الخير فقط، بل بقدرتها على جذب متطوعين جدد، وتنظيم مواردها، وإعلان بياناتها المالية، وبناء خطة تتجاوز الحملات الموسمية إلى خدمات قابلة للاستمرار.