× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

الحنش الأسود أكثر عرضة للقتل من أنواع أخرى بسبب حجمه الكبير ولونه اللافت ونشاطه النهاري © الباحث يمان عمران

الحنش الأسود وفلاحو الساحل السوري: صداقة من طرف واحد

حكاياتنا - خبز 24-10-2026

تغيب التوعية العلمية في ريف الساحل السوري أمام سطوة المعتقدات الموروثة والخوف الدائم، ليتحول «الحنش الأسود» — المفترس الأول للقوارض وأحد أشرس المدافعين الطبيعيين عن المحاصيل الزراعية — إلى ضحية يومية لقتل عشوائي يمارسه المزارعون أنفسهم، رغم كونهم المستفيد الأول من وجوده. يسلّط هذا التقرير الضوء على أزمة التمييز بين الأفاعي السامة والنافعة، وعلى حجم الاختلال البيئي الناجم عنها

في العام 2013، حاول الناشط البيئي حازم سليمان، مؤسس جمعية «طبيعة بلا حدود» في الساحل السوري، مواجهة خوف سكان قريته جيبول من الأفاعي بطريقة مباشرة. سمح لفرخ ثعبان يُعرف محلياً باسم «عقد الجوز» بأن يعض يد أحد شباب القرية، لإظهار أنه غير سام ولا يشكّل خطراً على حياته. وفي العام 2018، كرر تجربة مشابهة مع حنش أسود بالغ، سمح له بعضّه من دون أن يتعرض لأذى يُذكر. كان الهدف من التجربتين كسر الصورة الشائعة عن الأفاعي باعتبارها كائنات قاتلة، غير أن التعامل المباشر مع أي ثعبان، حتى لو عُرف بأنه غير سام، لا يُعد وسيلة آمنة للتوعية ولا ينبغي تكراره خارج نطاق المختصّين.

تكشف الأرقام التي جمعها ناشطون بيئيون حجم الخوف الذي يدفع الناس إلى قتل الأفاعي. ففي العام 2020، أحصت مجموعة «هواة الحياة البرية السّوريّة» على فايسبوك، من خلال الصور والمنشورات التي أرسلها سكان المنطقة، نحو 1200 حالة قتل لأفاعٍ في الساحل السوري، وكان قرابة نصفها من الحنش الأسود. لا يمثّل هذا الرقم إحصاءً شاملاً لكل الحالات، لكنه يقدم مؤشراً إلى حجم القتل الذي تتعرض له الثعابين، ولا سيما الأنواع غير السامة، نتيجة الخوف وصعوبة التمييز بينها.

يعيش في الجغرافيا السورية قرابة أربعين نوعاً من الثعابين تنتمي إلى ثماني فصائل، تتوزع وفق اختلاف البيئات بين المنطقة المتوسطية الرطبة والسهوب والمناطق شبه الجافة وحوض الفرات وشمال شرقي سوريا، وذلك بحسب كتاب Snakes of the Syrian Arab Republic، الصادر عن دار Edition Chimaira في فرانكفورت في العام 2023، من تأليف أحمد أيدك ويمان عمران وأولريش يوغر وهانس إستراباور ومحمد أبو بكر وزهير عمرو. ومع أن غالبية هذه الثعابين غير سامة، تعيش في غرب سوريا أنواع سامة يمكن أن تشكّل لدغاتها خطراً على حياة الإنسان، ومن أبرزها:

الأفعى السّوريّة البيضاء (Macrovipera lebetinus): تُعرف أيضاً باسم أفعى بلاد الشام، أوز الأفعى المشرقية، وهي أفعى شديدة السمية، ذات رأس كبير ومثلث الشكل، وقد يصل طولها إلى نحو 180 سنتيمتراً. تنشط ليلاً خلال الأيام الحارة، ويمكن أن تسبب لدغتها تورماً ونزيفاً واضطراباً في تخثر الدم وأضراراً في الأنسجة، ما يستدعي التوجه الفوري إلى المستشفى.

أفعى سورية بيضاء في بساتين بسنادا، 2026. تصوير: مضر سليمة

الأفعى الفلسطينيّة (Daboia Palaestinae): من الأفاعي السامة والخطرة طبياً، وتستطيع تسلّق الأشجار والشجيرات. قد تسبب لدغتها ألماً وتورّماً شديدين، واضطرابات في تخثّر الدم ونزيفاً وأعراضاً جهازية أخرى، ما يستدعي تدخّلاً طبياً عاجلاً.

أفعى فلسطينية. من توثيق مجموعة "هواة الحياة البريّة السّوريّة"

الأفعى الجبليّة (Montivipera bornmuelleri): تعيش في المناطق الجبلية المرتفعة، ولا سيما على ارتفاعات تتراوح بين 1000 و2200 متر. ظهورها أقل شيوعاً، وتتميز ببروز حرشفي فوق العينين يمنح رأسها شكلاً يشبه الحاجبين.

وفي العام 2021 نشرت مجلة Zoology in the Middle East  دراسة عن الأفاعي الجبلية في الساحل السوري. خلصت إلى أن الأفاعي التي عُثر عليها هناك أقرب تصنيفياً، وفق الصفات الشكلية والنتائج الجينية السابقة، إلى النوع Montivipera bulgardaghica، لا إلى Montivipera bornmuelleri الموجود في جبال لبنان والمناطق المحيطة بجبل الشيخ. كما وثقت الدراسة مشاهدات على ارتفاعات تقل عن 600 متر.

أفعى جبليّة في جبال صلنفة (2021). تصوير مضر سليمة

لا تتعلق المشكلة بوجود الأنواع السامة وحده، بل بصعوبة التمييز بينها وبين الثعابين غير السامة. فكثيراً ما يُخلط بين «الصل الأسود» شديد السمية، الذي يعيش في البيئات الصحراوية، والحنش الأسود المنتشر في المنطقة الساحلية. كما يُخلط بين «عقد الجوز»، الذي يسميه الباحث يمان عمران «الحنش الدوري» لقربه من التجمعات السكنية، وبين الأفعى الفلسطينية السامّة.

ويؤدي الاعتماد على اللون أو الشكل العام وحدهما إلى قتل كثير من الثعابين النافعة. لذلك ينصح المختصون بعدم الاقتراب من أي ثعبان مجهول أو محاولة الإمساك به، وإفساح المجال أمامه للابتعاد، والاستعانة بشخص مختص عند دخوله إلى المنازل أو الأماكن المأهولة.

الحنش الأسود.. ملك الثعابين وصديق الفلاح

يسمي بعض الباحثين والناشطين الحنش الأسود «صديق الفلاح» و«ملك الثعابين». وينتمي هذا النوع، واسمه العلمي (Dolichophis Jugularis)، إلى فصيلة الأحناش (Colubridae)، وهي فصيلة تضم أنواعاً غير سامّة.

يُعد الحنش الأسود من أكبر الثعابين في المنطقة، وقد يقترب طوله من ثلاثة أمتار. رأسه بيضاوي وعيناه واضحتان، ببؤبؤ مستدير تحيط به دائرة ذهبية. يغطي السواد اللامع ظهره عند البلوغ، بينما يكون بطنه مائلاً إلى الفضي، مع احمرار ظاهر في منطقة الفك السفلي والرقبة. أما الحنش اليافع فيكون لونه بنياً ترابياً، وتغطي جسمه بقع داكنة تتراجع تدريجياً مع نموه.

تنبع أهميته بالنسبة إلى المزارعين من نظامه الغذائي، إذ يتغذى على القوارض التي تضر بالمحاصيل وتنقل الأمراض، كما يفترس الزواحف والثعابين الأخرى، ومنها بعض الأنواع السامّة. يقول الباحث يمان عمران إن الحنش الأسود قد يفترس الأفعى السورية البيضاء، وأحياناً أفراداً من جنسه، ولا سيما عند ندرة الغذاء واشتداد المنافسة. ويساعده جسمه الطويل والقوي وسرعته على التغلب على فرائسه، رغم أن بعضها يمتلك سماً خطراً.

حنش أسود يبتلع أفعى سورية بيضاء. من توثيق مجموعة «هواة الحياة البرية» على فايسبوك

يرى عمران أن الحنش الأسود أكثر عرضة للقتل من أنواع أخرى بسبب حجمه الكبير ولونه اللافت ونشاطه النهاري، إضافة إلى اقترابه من المنازل والمنشآت الزراعية بحثاً عن الغذاء. ففضلات الدواجن والماشية تجذب الفئران، التي تجذب بدورها الحنش إلى محيط البيوت. ويعتقد بعض السكان أن الجحور القريبة من منازلهم أو مزارعهم أوكار صنعتها الأفاعي، إلا أن الثعابين لا تحفر هذه الأنفاق بنفسها، بل تستخدم جحور القوارض وغيرها من الحيوانات الصغيرة ملجأً ومكاناً للبحث عن الفرائس. ويصطاد الحنش الأسود فرائسه بالمطاردة، مستفيداً من سرعته ورشاقته. وعندما تكون الفريسة قريبة، يسيطر عليها بقوة جسده، ويستخدم أسنانه لإضعافها قبل ابتلاعها. كما يدخل جحور القوارض لافتراس صغارها، ويتغذى على بعض الطيور وصغارها.

يتزايد ظهور الحنش الأسود خلال موسم التكاثر. وفي هذه الفترة، يدخل الذكور في عراك طقسي يبدو من بعيد كأنه رقصة، إذ يرفع الحنشان الجزء الأمامي من جسديهما ويلتف واحدهما حول الآخر، في محاولة من كل منهما للسيطرة على الآخر والفوز بالأنثى القريبة. لكن هذا المشهد ينتهي أحياناً بقتل الحنشين قبل أن يفهم الناس طبيعته. ففي إحدى قرى ريف جبلة في العام 2025، قتل أحد السكان حنشين خلال موسم التكاثر لأنهما أخافا زوجته أثناء عملها في مكان قريب، رغم معرفته بأنهما لا يشكّلان خطراً عليها.

حنش أسود مقتول في بيت ياشوط، تموز 2020. تصوير: مضر سليمة

خوف أقوى من المعرفة

تكشف جولة ميدانية في ريف جبلة حضور موروثات شعبية تغذي الخوف من الأفاعي وتدفع إلى قتلها، بصرف النظر عن كونها سامة أو غير سامّة. يقول أحمد، وهو مزارع في الخمسين من عمره من قرية جيبول، إن «الأفعى السوداء يمكنها أن تضرب الإنسان بذيلها فتكسر عظامه، وإن سمها قاتل بشهادة جدته». ويقول علي، وهو شاب من المنطقة يعمل على دراجة نارية، إنها «أفعى ملعونة تخرج من القبور المحفورة حديثاً، وقد تكون لها علاقة بالجن».

لا تستند هذه المعتقدات إلى معرفة علمية أو تجربة موثقة، لكنها تنتقل بين الأجيال وتتحول إلى مبرر جاهز لقتل الثعابين. ويساعد ضعف حضور الجمعيات البيئية وبرامج التوعية المنتظمة على استمرارها. يرى الدكتور جلال إبراهيم، العضو السابق في جمعية «طبيعة بلا حدود»، أن الأنشطة التي نفذتها الجمعية أسهمت في تعريف السكان بالأنواع المنتشرة في المنطقة، وتصحيح بعض المعلومات الخاطئة عنها. كما حاولت مجموعة «هواة الحياة البرية السّوريّة»، التي أسسها الباحث يمان عمران، نشر الوعي من خلال التعريف بالأنواع، وتلقي الصور، والإجابة عن أسئلة السكان.

لكن عمران يقول إن المخاوف القديمة تستعيد حضورها عندما لا تستمر حملات التوعية، وإن ضعف ثقة بعض السكان بالمعرفة العلمية يدفعهم إلى اختيار التصرف الأسهل عند رؤية الثعبان، وهو قتله. تعبّر نهى، وهي سيدة من قرية جيبول، عن هذا الموقف بوضوح: «حتى لو لم تكن سامة، أكرهها كره العمى وسأقتلها أينما وجدتها».

يوضح إبراهيم أن الثعابين لا تبحث عن مواجهة الإنسان، وغالباً ما تحاول الهرب أو تستخدم الفحيح بوصفه إنذاراً دفاعياً. وقد تلجأ إلى العض عندما تُحاصر أو تُمسك أو تشعر بأنها معرضة للأذى. أما الأفاعي السامة، فتزداد خطورتها بسبب قدرتها على التمويه ونشاط بعضها ليلاً، ما يجعل رؤيتها صعبة. لذلك يبقى الابتعاد عنها وعدم محاولة قتلها أو الإمساك بها التصرف الأكثر أماناً. وفي حال التعرض للدغة، ينبغي طلب الرعاية الطبية فوراً، حتى إذا لم يكن نوع الثعبان معروفاً.

مبادرات بيئية محدودة

حاولت جمعيات وناشطون بيئيون في محافظة اللاذقية تصحيح المفاهيم السائدة عن الأفاعي، ولا سيما الحنش الأسود. ونظمت جمعية «طبيعة بلا حدود»، إلى جانب مجموعة «هواة الحياة البرية السّوريّة» وناشطين محليين، لقاءات توعية في عدد من قرى وبلدات ريف جبلة. لكن هذه الأنشطة بقيت مرتبطة بمبادرات محدودة الإمكانات، ولم تتحول إلى برنامج مؤسسي مستمر يغطي القرى والمناطق الزراعية الأكثر احتكاكاً بالحياة البريّة. يقول عمران: «التوعية هي السلاح الأهم، لكنها تحتاج إلى استمرارية ودعم، فالمخاوف الموروثة لا تزول بمنشور واحد أو محاضرة عابرة».

وبحسب الناشطين الذين تحدثوا إلى معدّة التقرير، لم يظهر حتى الآن برنامج رسمي مستمر للتوعية بأنواع الأفاعي، أو تدريب السكان على التعامل معها، أو توفير فرق متخصصة يمكن الاستعانة بها عند دخول الثعابين إلى المنازل والمزارع. لذلك يبقى العبء الأكبر على المبادرات الأهلية والناشطين البيئيّين.

يشكل قتل الحنش الأسود خطراً على التوازن البيئي، إذ يستهدف أحد المفترسات الطبيعية للقوارض وبعض الثعابين من البيئة الزراعية. ومع تراجع أعداده، قد يزداد ضغط القوارض على الحقول والمخازن، ويختل جزء من شبكة الغذاء التي تحفظ التوازن بين الأنواع.

هكذا تبدو العلاقة بين الفلاح والحنش الأسود مفارقة قاسية، يحمي الحنش الحقول من القوارض، ويقلل أعداد بعض الأفاعي السامة، لكنه يُقتل غالباً على يد المستفيد الأول من وجوده. إنها، حتى الآن، صداقة من طرف واحد.

الثعابين_في_الساحل_السوري التوازن_البيئي_في_سوريا الحنش_الأسود الأفعى_السورية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0