في تموز/ يوليو 2012، غادرت فاطمة س. منزلها في مدينة حلب مع أسرتها، قبل أن تحتدم المعارك في المدينة. لم تحمل معها ما يكفي لغياب طويل، فقد ظنت أن الابتعاد لن يستمر سوى أيام، وأن الأسرة ستعود إلى بيتها عندما تهدأ الأوضاع. لكن الأيام تحولت إلى أشهر، ثم إلى سنوات.
تعرّض المنزل لأكثر من قذيفة وهُجّر معظم سكان الحي، وباتت المنطقة، بحسب فاطمة، بحاجة إلى إعادة إعمار حتى تصبح قابلة للحياة من جديد. أما الإقامة التي بدأت باعتبارها حلاً مؤقتاً في مدينة اللاذقية، فقد امتدت نحو أربعة عشر عاماً.
تقول فاطمة: «لم يكن قرار مغادرة المنزل سهلاً أبداً». توجهت الأسرة ليلاً إلى مطار حلب وغادرت المدينة. تضيف مستذكرةً: «كانت ليلة عصيبة. بدت الرحلة طويلة، رغم أنها استغرقت نصف ساعة فقط، لكنني شعرت بأنها يوم كامل. تركت منزلنا الذي كنا نعيش فيه بسلام، وذكرياتنا الجميلة وأعمالنا، وكل شيء في مكانه. لم أكن أعرف إلى أين نذهب، ولا كيف سنعيش في المستقبل. كان عالماً مجهولاً فيه الكثير من الخوف والحزن، ولا أستطيع أن أصفه لأن غصته تسكن داخلي».
«مدينة غريبة.. رغم أنني أعرفها»
لم تكن اللاذقية مدينة غريبة عنها قبل النزوح. اعتادت فاطمة زيارتها مع أسرتها في العطل الصيفية، وكان البحر جزءاً من ذكرياتها السعيدة. لكنها حين وصلت إليها نازحة، بدت لها المدينة مختلفة عن المكان الذي عرفته في زياراتها السابقة: «شعرت وكأنني في بلد لا أعرفه، مع أنني كنت أحب هذه المدينة كثيراً. لكن المشاعر تبدلت من الفرح والسرور إلى الألم والحزن».
كانت أسرة فاطمة واحدة من آلاف الأسر التي غادرت مدينة حلب وريفها مع اتساع رقعة القتال في العام 2012. انتقلت بعض العائلات إلى اللاذقية وطرطوس ودمشق ومحافظات أخرى، فيما اتجهت عائلات إلى شمال غربي سوريا أو غادرت البلاد.
تحوّل البحر في ذاكرة فاطمة من رمز للاستجمام والعطل الصيفية السعيدة إلى مساحة للشعور بالغربة والضياع، فالمكان ذاته، لكن الصفة تغيّرت من زائرة إلى نازحة
في اللاذقية وجدت فاطمة نفسها مضطرة إلى البدء من جديد في مدينة كانت تعرفها زائرةً لا مقيمة. وبعد مرور سنوات، عملت مدرسةً للغة العربية في المدارس الحكومية، وكوّنت صداقات وعلاقات جديدة. غير أن حصولها على عمل واستقبال سكان المدينة لها لم يكونا كافيين لإنهاء شعورها بالغربة: «مرت أربعة عشر عاماً من الغربة في بلدي، ولم أستطع خلالها الاندماج في المجتمع المحلي بشكل تام، رغم أنني كنت أعمل مدرسةً للغة العربية في مدارس الدولة. كنت أشعر دائماً بأنني وحيدة وغريبة، رغم وجود أصدقاء جدد في حياتي».
لا تربط فاطمة شعورها بعدم الاندماج بسوء معاملة تعرضت لها في اللاذقية. على العكس، تقول إن سكان المدينة رحبوا بأسرتها منذ وصولها، لكنها بقيت عاجزة عن الشعور بأن حياتها الجديدة مستقرة ونهائيّة. وتضيف: «هذا الشعور يراودني دائماً، والأسئلة تطرح نفسها: لماذا؟ وإلى متى؟ وماذا سيحل بنا؟ لا أستطيع تخطي هذا الشعور، مع أن أهل المدينة، بطيبتهم، رحبوا بنا أفضل ترحيب عندما وصلنا وحتى الآن. لكنني لا أعرف كيف أعبّر عن هذه المشاعر الغريبة».
«لم يعد هناك بيت يمكن أن نعود إليه ونستأنف حياتنا فيه كما كانت»، تقول فاطمة، وتؤكد أن العودة لا تعني فتح باب المنزل والعيش فيه من جديد، فالبيت يحتاج إلى ترميم، والمنطقة المحيطة به تحتاج إلى إعادة إعمار وعودة السكان والخدمات.
بيروقراطية النزوح
خلال سنوات النزوح، تراجعت الأوضاع المادية للأسرة. وتقول فاطمة إنها لم تتلقَّ مساعدات من المنظمات أو الجمعيات، رغم حاجتها إليها، وإن وضع زوجها ووثائقه حال دون اعتبار الأسرة من العائلات النازحة لدى الجهة التي قصدتها. توضح: «كنت بحاجة ماسة إلى المساعدة، لكنني لم أستطع الحصول عليها لأن هوية زوجي صادرة من المدينة نفسها، ولذلك لم يعتبرونا من النازحين. اضطررنا إلى بيع مصدر رزقنا لنعيش من دون مساعدة أحد، بعدما فوجئنا بارتفاع تكاليف المعيشة».
لا يرتبط تعريف النازح داخلياً، وفق المبادئ الدولية، بمكان إصدار الهوية، بل باضطرار الشخص إلى مغادرة مكان إقامته المعتاد نتيجة النزاع أو العنف أو الكوارث، من دون عبور حدود الدولة. غير أن الحصول على المساعدات كان يخضع في حالات كثيرة لإجراءات تسجيل ومعايير تختلف بين الجهات، ما أدى إلى استبعاد بعض الأسر أو عجزها عن إثبات حاجتها.
«أهل المدينة رحّبوا بنا أفضل ترحيب، لكنني لم أستطع الاندماج بشكل تام.. مرت 14 عاماً وما زلتُ أسأل نفسي: إلى متى؟ وماذا سيحل بنا؟»
بالنسبة إلى فاطمة، لم تكن الخسارة مادية فقط. فقد ولّد غياب المسكن الدائم وعدم معرفة ما إذا كانت الأسرة ستعود أم ستبقى شعوراً مستمراً بفقدان الأمان. تقول: «أكثر ما كان يؤلمني هو شعوري بفقدان الأمان والاستقرار. عشت في عالم من الضياع والخوف، وبدأنا رحلتنا في المجهول من الصفر. كيف ولماذا وإلى متى؟ لا أعلم».
بين الرغبة والإمكان
عقب سقوط النظام السابق في كانون الأول/ ديسمبر 2024، عاد عدد من اللاجئين والنازحين السوريين إلى مناطقهم. ووفق تحديث المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن نيسان/ أبريل 2026، المنشور في أيار/ مايو من العام نفسه، عاد نحو 1.9 مليون نازح داخلياً منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، إلا أن استمرار الدمار ونقص الخدمات وفرص العمل ما زال يعيق عودة أعداد كبيرة من السوريين. وفي الوقت نفسه، ظل نحو 5.5 ملايين شخص نازحين داخل البلاد.
وتذكر المفوضية أن استدامة العودة ما تزال مقيدة بتضرر المساكن، ومحدودية الخدمات وفرص كسب العيش، والحاجة إلى الوثائق المدنية. وهي عوامل تظهر بوضوح في تجربة فاطمة. فحتى لو قررت العودة، لا يزال منزلها بحاجة إلى الترميم، فيما يحتاج الحي إلى إعادة تأهيل بنيته التحتية وعودة سكانه. وبمرور الوقت، لم تعد المسألة بالنسبة إلى فاطمة اختياراً بسيطاً بين حلب واللاذقية. ففي حلب بيت متضرر وحي مهجور، وفي اللاذقية حياة امتدت سنوات من دون أن تمنحها شعوراً كاملاً بالانتماء: «قضيت سنوات قاسية، ولا أحد يستطيع أن يشعر بما عانيته من أيام مرت بصعوبة. لكنه أمر محتوم».
غادرت فاطمة حلب وهي تتوقع أن يكون النزوح محطة قصيرة، لكنها وجدت نفسها بعد أربعة عشر عاماً أمام معنى مختلف للعودة. فالبيت الذي احتفظت به في ذاكرتها لم يعد على حاله، والحي الذي عاشت فيه تفرّق سكانه، بينما كبر أفراد الأسرة وتشكلت حياتهم في مدينة أخرى. لم تعد فاطمة تنتظر انتهاء المعارك فقط، بل أن يصبح الرجوع ممكناً. وإلى أن يحدث ذلك، تبقى حياتها معلّقة بين مدينة غادرتها ولم تستطع الرجوع إليها، ومدينة استقبلتها طويلاً من دون أن تتحول تماماً إلى بيت.