× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

أب غائب وإذن سفر معلّق.. كيف تواجه أمهات سوريات قيود سفر أطفالهن؟

حكاياتنا - خبز 28-10-2026

تعيل أمّ سورية طفلها منذ سبع سنوات، منذ اعتقال والده وانقطاع أخباره، لكنها لم تستطع السفر به بحثاً عن الاستقرار والتعليم الأفضل من دون موافقات وإجراءات قضائية استمرت أشهراً. هي واحدة من قصصٍ تكشف كيف يتحول غياب الأب إلى عائق قانوني أمام أمهات يتولين رعاية أطفالهن وحدهن، وتسلّط الضوء على التداخل بين الحضانة والولاية، والتعقيدات التي أثارها التعميم رقم 17 بشأن أذونات سفر القاصرين في سوريا

في أواخر العام 2025، توجهت أم سورية إلى إدارة الهجرة والجوازات لاستخراج جواز سفر لابنها، الذي نسميه «يوسف» (اسم مستعار حفاظاً على سلامته وسلامة والدته). كانت تخطط للانتقال معه للعيش بالقرب من إحدى قريباتها خارج سوريا، بحثاً عن الاستقرار والتعليم الأفضل. تولت الأم إعالة يوسف وتربيته وحدها طوال سبع سنوات، منذ اعتقال والده وانقطاع أخباره. ولم تواجه صعوبة في استخراج جواز السفر، لكن المعاملة توقفت عندما وصلت إلى إذن مغادرة البلاد. تقول: «سألوني أين موافقة الأب المكتوبة.

أخبرتهم أن الأب معتقل منذ سنوات ولا أعرف عنه شيئاً، وأنني أم الطفل والمسؤولة عنه. لكنهم قالوا إنني لا أستطيع التوقيع بدلاً من الولي، وإن عليّ إحضار أحد أقاربه الذكور، مثل الجد أو العم».

كان جد يوسف قد توفي قبل سنوات، بعدما مثّل مصدر الدعم الأساسي للأسرة عقب اعتقال الأب. ولم يبقَ ضمن ترتيب الأقارب، بحسب رواية الأم، سوى عم الطفل، وهو رجل تقول إنه لم يسأل عن ابن أخيه طوال سنوات، وإن خلافاً يدور بينهما على عقار يملكه زوجها الغائب. هكذا أصبح سفر الطفل مرتبطاً بموافقة رجل لا يشارك في رعايته، بينما لم تكن السنوات التي أمضتها الأم في إعالته واتخاذ قرارات حياته اليومية كافية لمنحها سلطة التوقيع على إذن سفره.

من إثبات الغياب إلى دعوى السفر

لم يكن غياب الأب مثبتاً بحكم قضائي، ولذلك لم تتمكن الأم من الانتقال مباشرة إلى معالجة مسألة موافقة العم. كان عليها أولاً توكيل محامٍ ورفع دعوى لإثبات غياب زوجها، وتقديم ما لديها من وثائق وشهادات عن اعتقاله وانقطاع أخباره. استغرقت المعاملة نحو شهر ونصف الشهر، بحسب روايتها، بسبب تأجيل الجلسات والضغط الذي تشهده المحاكم، إضافة إلى تأخر المحامي في متابعة بعض الإجراءات. وتقول إن أتعاب المحاماة وتكاليف المعاملات والتنقل أثقلتها بالديون. وبعد حصولها على وثيقة تثبت غياب زوجها، طلبت موافقة عم الطفل على السفر، لكنه رفض التوقيع. عندها اضطرت إلى رفع دعوى ثانية لإثبات أن رفضه لا يستند إلى مصلحة يوسف، بل إلى الخلاف القائم حول عقار والده. واستمرت الدعوى الثانية أشهراً، فيما بقي الطفل يسأل والدته عن موعد سفرهما. تقول: «شعرت بقهر وظلم لا نظير لهما. قرار يتعلق بطفلي، الذي سهرت عليه وتعبت في تربيته، أصبح معلقاً بموافقة وليّ لم يتعرف إليه طوال هذه السنوات».

يمنح قانون الأحوال الشحصية الولاية على نفس القاصر وماله الأب، ثم الجد العصبي، ثم تنتقل الولاية على النفس إلى ذكور العائلة وفق الترتيب القانوني للعصبات

كان يوسف يسألها بين حين وآخر متى سيذهبان إلى قريبتهما. وتقول إنها كانت تختلق أسباباً للتأجيل حتى لا يشعر بأن غياب والده هو ما يمنعه من السفر. وبعد نحو ستة أشهر من بدء الإجراءات، أخبرها محاميها أن الدعوى اقتربت من نهايتها، وأنه يتوقع أن يأخذ القاضي بمصلحة الطفل وبما قدمته الأم عن تعسف العم في رفض الموافقة. 

لم تكن المشكلة في الحصول على جواز السفر إذاً، بل في الانتقال من امتلاك وثيقة السفر إلى السماح للطفل بمغادرة البلاد. وبين المرحلتين، تظهر الفجوة بين الحضانة التي تمنح الأم مسؤولية الرعاية اليومية، والولاية التي تمنح صاحبها سلطة اتخاذ بعض القرارات القانونية المتعلقة بالقاصر.

الحضانة والولاية.. من يملك قرار السفر؟

تنص المادة 150 من قانون الأحوال الشخصية السوري، بعد تعديلها في العام 2019، على أنه لا يحق لأحد الوالدين السفر بالطفل خارج سوريا أثناء الزوجية أو خلال فترة الحضانة إلا بموافقة الآخر. لكن المادة نفسها تضع استثناءً عندما تقتضي مصلحة الطفل الفضلى خلاف ذلك، وتمنح القاضي صلاحية السماح بالسفر بموجب قرار معلّل. وبذلك، لا تجعل المادة موافقة الأب أو الأم شرطاً مطلقاً، إذ تترك للقضاء سلطة تقدير مصلحة الطفل عندما يتعذر الحصول على موافقة أحدهما، أو يتحول الرفض إلى وسيلة للإضرار بالطرف الآخر أو بالمحضون.

في المقابل، تنظم المادة 170 الولاية على نفس القاصر وماله. وتمنح الأب، ثم الجد العصبي، الولاية على نفس القاصر وماله، ثم تنتقل الولاية على النفس إلى ذكور العائلة وفق الترتيب القانوني للعصبات، مع وجود استثناء سمح به تعديل 2019 ويتعلق حصراً بالتزويج، إذ تحظى الأم بحق الولاية على نفس القاصرة بعد انتهاء العصبات من الذكور.

تشمل الولاية على النفس القرارات الأساسية المتعلقة بالقاصر، بينما تبقى الحضانة مرتبطة برعايته اليومية وإقامته وتربيته. ولهذا، قد تكون الأم هي الحاضنة والمعيلة الفعلية، من دون أن تكون صاحبة الولاية القانونية التي تسمح لها منفردة باتخاذ بعض القرارات. وتظهر المشكلة بوضوح في أسر المعتقلين والمفقودين. فالأب ليس موجوداً ليمنح موافقته، لكنه لا يُعدّ متوفى قانونياً. وقد تضطر الأم عندئذ إلى إثبات غيابه أولاً، ثم مراجعة الولي التالي في ترتيب العصبات، حتى لو لم تكن تربطه بالطفل علاقة فعليّة.

التعميم 17.. تبسيط للجواز وتعقيد للإذن

في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2025، أصدرت وزارة العدل التعميم رقم 17، وبدأ تطبيقه في الأول من كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه. وطلب التعميم من المحاكم الشرعية التوقف عن تعيين «وصي شرعي خاص» لاستخراج جواز سفر للقاصر أو منحه تأشيرة خروج أو إنجاز معاملات مشابهة. واعتبر التعميم أن هذه الإجراءات تدخل ضمن الولاية على نفس القاصر، وليست من شؤون الوصاية على ماله. وبذلك، أعاد العمل بترتيب الولاية: الأب أولاً، ثم الجد العصبي، ثم الأقارب من العصبات وفق التسلسل القانوني.

النساء اللواتي غاب أزواجهن يواجهن صعوبة في معرفة الإجراءات المطلوبة منهن، ولا سيما في دعاوى إثبات الغياب والوصاية والحضانة

ويرى المحامي باسل عسل أن المادة 150 هي النص الذي يعالج سفر الطفل مباشرة، وأنها تمنح القاضي صلاحية تجاوز رفض أحد الوالدين عندما تقتضي مصلحة الطفل ذلك. ويقول إن التعميم رقم 17، بوصفه تعميماً إدارياً، لا يمكن أن يلغي هذه السلطة أو يقيّد نصاً قانونياً أعلى منه مرتبة. لكنه يشير إلى أن التطبيق العملي يدفع بعض الأمهات، عند غياب الأب، إلى البحث أولاً عن وليّ من العصبات والحصول على موافقته أو إثبات تعسفه أمام القضاء. ويضيف أن التعميم ينسجم مع ترتيب الولاية على النفس الوارد في المادة 170، لكنه يثير مشكلة في حالات الأسر التي غاب آباؤها بالاعتقال أو الاختفاء، لأن الولاية تنتقل إلى أقارب ذكور قد لا يشاركون في رعاية الطفل أو الإنفاق عليه. ويقدّر عسل أن عشرات القضايا المشابهة ما زالت منظورة أمام المحاكم السورية، بين طلبات إثبات الغياب ودعاوى الحصول على إذن سفر عند رفض الولي.

وزارة العدل: لا تغيير في أحكام الولاية والوصاية

بعد الجدل الذي أثاره التعميم، أصدر القاضي الشرعي الأول بدمشق، المستشار أحمد حمادة، وعبر الصفحة الرسمية لوزارة العدل، توضيحاً رسمياً قال فيه إن التعميم يهدف إلى اختصار إجراءات إصدار جوازات السفر وأذونات سفر القاصرين، ولا يعدّل أحكام الوصاية والولاية المعمول بها. وبحسب التوضيح، أصبح بإمكان الأم استخراج جواز سفر لطفلها مباشرة من إدارة الهجرة والجوازات، من دون مراجعة القاضي الشرعي أو تعيين وصي خاص. لكن إذن السفر خارج سوريا يبقى مختلفاً، إذ يحتاج إلى موافقة الأب والأم معاً، وفق المادة 150. وفي حال غياب الأب، يحضر بدلاً منه أحد العصبات بحسب الترتيب الوارد في التعميم. وإذا كانت الأم غائبة، تُطلب موافقة الجدة للأم. أما إذا كان الأب متوفى، فيُسمح للطفل بالسفر رفقة أمه بإذن مباشر من إدارة الهجرة والجوازات، ما لم يكن هناك قرار يمنع سفره. كما يمكن استخدام الاتصال المرئي للتحقق من موافقة أحد الوالدين إذا كان موجوداً خارج البلاد.

وأكد حمادة أن الأم ما زالت تتمتع بالصلاحيات نفسها التي يمنحها لها القانون، وأن التعميم لم يُلغِ الحضانة أو الوصاية. غير أن تجربة والدة يوسف تظهر أثر التمييز الإجرائي بين الأب المتوفى والأب الغائب. فلو كانت وفاة زوجها مثبتة، لاستطاعت السفر بطفلها بإذن مباشر، أما بقاء مصيره مجهولاً فدفعها إلى المحكمة لإثبات غيابه، ثم إلى الولي التالي، ثم إلى دعوى جديدة بعد رفضه.

ولا يدور الخلاف، بذلك، حول قدرة الأم على استخراج جواز سفر، بل حول الطرف الذي يملك الموافقة على مغادرة الطفل البلاد عندما يكون الأب غائباً ولا توجد وثيقة تثبت وفاته.

حين تعجز الأمهات عن تحمل كلفة التقاضي

تقول الناشطة المجتمعية ريم حيدر، وهي عضو في جمعية أهلية تعمل في ريف اللاذقية، إن النساء اللواتي غاب أزواجهن يواجهن صعوبة في معرفة الإجراءات المطلوبة منهن، ولا سيما في دعاوى إثبات الغياب والوصاية والحضانة. وتضيف: «كنا ننظم لقاءات في المراكز الثقافية ومناطق وجود الأسر النازحة، نشرح فيها للنساء حقوقهن والإجراءات التي تتطلبها المحاكم.

لكن غياب التمويل وعدم الاستقرار حالا دون استمرار هذه الأنشطة بصورة منتظمة». وترى حيدر أن المساعدة القانونية في هذه القضايا لا تقل أهمية عن الدعم المادي، لأن المرأة قد تكون قادرة على إعالة أطفالها، لكنها تعجز عن دفع أتعاب المحامي أو متابعة دعوى تستغرق أشهراً. وتدعو إلى تنسيق العمل بين الجمعيات الأهلية ونقابة المحامين ومديرية الشؤون الاجتماعية، من أجل توفير استشارات قانونية وتمثيل قضائي مجاني للنساء المعيلات، ولا سيما زوجات المعتقلين والمفقودين اللواتي لا يمتلكن وثائق تحسم مصير أزواجهن.

أمّ تتحمل الرعاية ولا تملك القرار

تعيل والدة يوسف طفلها منذ سبع سنوات، وتدير تفاصيل حياته اليومية وحدها، من المسكن والتعليم إلى العلاج والنفقات. لكن عندما وصلت إلى قرار السفر، لم تكن هذه المسؤولية كافية لمنحها سلطة التوقيع. أدخلها غياب الزوج في سلسلة من الإجراءات، دعوى لإثبات الغياب، ثم طلب موافقة العم، ثم دعوى أخرى لإثبات أن رفضه لا يراعي مصلحة الطفل. وخلال ذلك، بقي يوسف ينتظر موعداً لا تستطيع والدته تحديده، لتجد نفسها أمام سؤال: كيف تكون مسؤولة عن طفلها في كل تفاصيل حياته، ثم تحتاج إلى موافقة شخص آخر عندما تريد أن تختار له طريقاً جديداً؟

الأمهات_المعيلات_في_سوريا قانون_الأحوال_الشخصية حقوق_النساء_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0