× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

هل تساءلت يوماً: أي نوع من التعنيف الرمزي تتعرض له النساء خلال رحلة العلاج؟ صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

حين تصير الكلمات مشارط.. عن العنف النفسي في رحلة علاج السرطان

حكاياتنا - خبز 29-10-2026

بين قسوة التشخيص وجحيم الجرعات، تصبح الكلمة الجارحة من مقدمي الرعاية مشرطاً آخر يمزّق ما تبقى من أمل لدى مريضات سرطان الثدي. يتناول هذا التقرير ملف «التعنيف النفسي واللفظي» المغيب داخل أروقة المتاهة الطبية، ويستعرض شهادات حية لمعاناة تتجاوز المرض إلى كلفة العلاج الباهظة وغياب البروتوكولات الإنسانية

في أحد أيام العام 2021، عند الساعة الثالثة عصراً بتوقيت دمشق، وفي مشفى «ابن النفيس» الحكومي، أقبلت نحوي ممرضة برداء أبيض، تحمل بيديها كيساً أسود اللون من النايلون، وقالت ببرود: «خدي هي ثدي أمك ابعتيه ع التحليل!».

 توقف الزمن في تلك اللحظة، وأصبح المشهد كامل السواد دون أي خيط أمل. تساءلت في سري: كيف سأحمل الثدي الذي أرضعني حولين كاملين دون أن ترجف يدي؟! سقط الكيس الأسود ـ المخصص أصلاً للمواد الاستهلاكية والنفايات ـ أرضاً، قبل أن أتمالك أعصابي وأرفعه.

وفي العام 2026، تروي الصحفية حنين السيد تجربتها في موقف مشابه قائلة: «أنا قادمة من بيئة صحفية، وقررت أن أكتب عن اللحظة الأولى التي ستدخل فيها الجرعة جسدي. قلت لمن هم بجانبي: أشعر أن قلبي يتحرك من مكانه! لترد الممرضة: يا لطيف، الخوف بيقطع الجوف.. إنت بعد ما شفتي شي، إنت بلشتي بالجرعات الباردة.. شو بده يصير فيك بالحامي؟».

كانت تلك الكلمات كفيلة بإنهاء ما تبقى من تماسك حنين، لتدخل في حالة انهيار وبكاء مرير.

غالباً ما تركز التقارير الصحفية على توفير العلاج، والخدمات الطبيّة، ونسب الإصابات، بينما يُنسى الجانب النفسي لمريضات السرطان. فهل تساءلنا يوماً: أي نوع من التعنيف الرمزي تتعرض له النساء خلال رحلة العلاج؟ وكيف ينعكس ذلك على صحتهن النفسية وحياتهن الاجتماعية والأسرية؟

 إصابات دون سن الأربعين

تُسجل نحو 5000 إصابة جديدة بسرطان الثدي سنوياً بين النساء دون سن الأربعين في سوريا، وفق الدكتور جميل دبل، مدير إدارة أمراض السرطان في وزارة الصحة. وتشكل هذه النسبة تحولاً لافتاً، إذ كانت معظم الإصابات سابقاً تتركز بين النساء فوق سن الخمسين. وبات سرطان الثدي يمثل نحو 48% من إجمالي السرطانات المسجلة بين النساء محلياً.

عالميّاً، ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، شُخصت نحو 2.4 مليون امرأة بسرطان الثدي، وتسبب المرض بنحو 694 ألف حالة وفاة، متصدراً قائمة السرطانات الأكثر شيوعاً بين النساء في 164 بلداً من أصل 186.

وتتفاوت فرص التشخيص والعلاج بشكل صارخ بناءً على مؤشرات التنمية البشرية

 بروتوكولات لم تصل بعد

تتحدث حنين السيد عن تجربتها مع الكوادر الطبية: «عانيت من تحدٍّ كبير في أسلوب التعامل. 14 عاماً وأنا أعمل من أجل الإنسان والإنسانية، وفوجئت بحجم اللاإنسانية لدى بعض مقدمي الرعاية. يتعامل بعض الأطباء وكأن المريض حجر، دون مراعاة لكونها سيدة لديها أطفال أو التفكير بالصدمة النفسية التي تعيشها، وكأنه لا وجود لأي بروتوكول يراعي نفسية المريض».
تُسجل نحو 5000 إصابة جديدة بسرطان الثدي سنوياً بين النساء دون سن الأربعين في سوريا، وتشكل هذه النسبة تحولاً لافتاً، إذ كانت معظم الإصابات سابقاً تتركز بين النساء فوق سن الخمسين

 حدّدت العديد من المؤسسات الدولية معايير دقيقة للتعامل مع مرضى السرطان، ليس فقط من الناحية العلاجية، بل النفسية أيضاً. وتقاطعت أدلة الجمعية الدولية لعلم النفس والأورام (IPOS)، والشبكة الوطنية الشاملة للسرطان (NCCN)، والجمعية الأميركية لعلم الأورام السريري (ASCO) على ضرورة قياس «الضيق النفسي» باعتباره العلامة الحيوية السادسة للمريض.

مشكلات مركّبة وواقع معقد

قد يرى البعض أن المطالبة بتقديم الدعم النفسي تُعد «رفاهية» أو تفصيلاً ثانوياً في بلدٍ يعاني من تداعيات سنوات الحرب وتدهور القطاع الصحي، حيث تُصبح رحلة الحصول على دواء موثوق وغير مغشوش معركة يومية.

 توضح حنين السيد: «المعاناة بدأت منذ لحظة البحث عن طبيب أورام في مكان إقامتي بمنطقة عفرين شمال سوريا، واستمرت مع الارتفاع الباهظ لتكاليف التحاليل والفحوصات، إذ تبلغ كلفة صورة الرنين المغناطيسي نحو 100 دولار، والتحاليل الدورية بين 100 و120 دولاراً. وعند تحديد البروتوكول العلاجي، أخبرني الطبيب أن معظم الأدوية غير متوافرة في المراكز الحكومية، ما اضطرني إلى دفع 1700 دولار لشراء الجرعة الأولى فقط».

 وحول أزمة الأدوية، يبين الدكتور جميل دبل أن تأمين العلاج واجه عقبات لوجستية ومادية حادة عقب التحولات السياسية الأخيرة وسقوط النظام السابق (8 كانون الأول/ديسمبر)، مضيفاً: «أجرينا مناقصة كبرى بملايين الدولارات لاستيراد أدوية السرطان - ومن ضمنها أدوية سرطان الثدي - وجرى التعاقد مع شركات بدأت بالتوريد الفعلي، متوقعين توفر مخزون كافٍ خلال الشهرين القادمين».

لكن بين الوعود الحكومية والواقع الميداني، يبقى السؤال: كم سيدة قادرة على شراء جرعة علاجية موثوقة بمئات الدولارات كل 21 يوماً؟ وكيف للمريضة أن تتأكد من سلامة وحفظ الأدوية التي تدخل بطرق غير رسمية، بينما يكتفي الطبيب بكتابة الاسم العلمي فقط؟

بين شهر أكتوبر من كل عام وأكتوبر في العام الذي يليه، تستمر مئات الجراح المفتوحة والآهات التي تنتظر كلمة طيبة من مقدم/ـة رعاية يفهم عمق الألم. وبينما يراقب المقربون المعاناة بصمت، لا يزال منظر الكيس الأسود الذي حملتُ فيه ثدي أمي عالقاً في ذاكرتي، وما زالت يدي ترتجف كلما تذكرت كلمات تلك الممرضة.

سرطان_الثدي_في_سوريا بروتوكولات_الدعم_النفسي_لمريضات_السرطان أكتوبر_الوردي

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0