توقف الزمن في تلك اللحظة، وأصبح المشهد كامل السواد دون أي خيط أمل. تساءلت في سري: كيف سأحمل الثدي الذي أرضعني حولين كاملين دون أن ترجف يدي؟! سقط الكيس الأسود ـ المخصص أصلاً للمواد الاستهلاكية والنفايات ـ أرضاً، قبل أن أتمالك أعصابي وأرفعه.
كانت تلك الكلمات كفيلة بإنهاء ما تبقى من تماسك حنين، لتدخل في حالة انهيار وبكاء مرير.
غالباً ما تركز التقارير الصحفية على توفير العلاج، والخدمات الطبيّة، ونسب الإصابات، بينما يُنسى الجانب النفسي لمريضات السرطان. فهل تساءلنا يوماً: أي نوع من التعنيف الرمزي تتعرض له النساء خلال رحلة العلاج؟ وكيف ينعكس ذلك على صحتهن النفسية وحياتهن الاجتماعية والأسرية؟
إصابات دون سن الأربعين
عالميّاً، ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، شُخصت نحو 2.4 مليون امرأة بسرطان الثدي، وتسبب المرض بنحو 694 ألف حالة وفاة، متصدراً قائمة السرطانات الأكثر شيوعاً بين النساء في 164 بلداً من أصل 186.

بروتوكولات لم تصل بعد
تُسجل نحو 5000 إصابة جديدة بسرطان الثدي سنوياً بين النساء دون سن الأربعين في سوريا، وتشكل هذه النسبة تحولاً لافتاً، إذ كانت معظم الإصابات سابقاً تتركز بين النساء فوق سن الخمسين
حدّدت العديد من المؤسسات الدولية معايير دقيقة للتعامل مع مرضى السرطان، ليس فقط من الناحية العلاجية، بل النفسية أيضاً. وتقاطعت أدلة الجمعية الدولية لعلم النفس والأورام (IPOS)، والشبكة الوطنية الشاملة للسرطان (NCCN)، والجمعية الأميركية لعلم الأورام السريري (ASCO) على ضرورة قياس «الضيق النفسي» باعتباره العلامة الحيوية السادسة للمريض.

مشكلات مركّبة وواقع معقد
توضح حنين السيد: «المعاناة بدأت منذ لحظة البحث عن طبيب أورام في مكان إقامتي بمنطقة عفرين شمال سوريا، واستمرت مع الارتفاع الباهظ لتكاليف التحاليل والفحوصات، إذ تبلغ كلفة صورة الرنين المغناطيسي نحو 100 دولار، والتحاليل الدورية بين 100 و120 دولاراً. وعند تحديد البروتوكول العلاجي، أخبرني الطبيب أن معظم الأدوية غير متوافرة في المراكز الحكومية، ما اضطرني إلى دفع 1700 دولار لشراء الجرعة الأولى فقط».
وحول أزمة الأدوية، يبين الدكتور جميل دبل أن تأمين العلاج واجه عقبات لوجستية ومادية حادة عقب التحولات السياسية الأخيرة وسقوط النظام السابق (8 كانون الأول/ديسمبر)، مضيفاً: «أجرينا مناقصة كبرى بملايين الدولارات لاستيراد أدوية السرطان - ومن ضمنها أدوية سرطان الثدي - وجرى التعاقد مع شركات بدأت بالتوريد الفعلي، متوقعين توفر مخزون كافٍ خلال الشهرين القادمين».
بين شهر أكتوبر من كل عام وأكتوبر في العام الذي يليه، تستمر مئات الجراح المفتوحة والآهات التي تنتظر كلمة طيبة من مقدم/ـة رعاية يفهم عمق الألم. وبينما يراقب المقربون المعاناة بصمت، لا يزال منظر الكيس الأسود الذي حملتُ فيه ثدي أمي عالقاً في ذاكرتي، وما زالت يدي ترتجف كلما تذكرت كلمات تلك الممرضة.