ارتبطت المقاهي طويلاً بضجيج الأحاديث وطاولات الزهر وأوراق اللعب والدخان والموسيقا. لكن نموذجاً مختلفاً وجد طريقه إلى الناس في دول ومدن عديدة، وقد أخذ ينتشر خلال السنوات الأخيرة في مدينة اللاذقية: مساحات يغلب عليها الصمت، يجلس روادها خلف الكتب والحواسيب المحمولة، وتتحول فيها الكهرباء والإنترنت والطاولة الهادئة إلى خدمات تُشترى بالساعة أو اليوم.
تُعرف هذه الأماكن باسم «المقاهي الدراسية»، لكنها أقرب إلى مساحات عمل ودراسة مشتركة منها إلى المقاهي التقليدية. فهي تستهدف طلاب المدارس والجامعات، إلى جانب المدرسين والعاملين عن بُعد، وتفرض على روادها خفض الصوت والالتزام بالهدوء. ولا يرتبط انتشارها بتغير عادات الطلاب فقط، فقد ظهرت بوصفها استجابة تجارية لمشكلات يومية في المنازل، أبرزها انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت وصعوبة توفير التدفئة شتاءً والتبريد صيفاً، إضافة إلى ضيق المساحات وازدحامها.
هكذا أصبحت الدراسة خارج المنزل خياراً ضرورياً بالنسبة إلى بعض الطلاب، لكنها بقيت خدمة مدفوعة لا يستطيع الجميع الوصول إليها.
من زاوية هادئة إلى مقهى كامل
بدأت الفكرة حين خصصت بعض المقاهي التقليدية زوايا هادئة للطلاب، بعيداً عن الموسيقا العالية وجلسات الترفيه. ومع زيادة الإقبال، ظهرت مشاريع صُممت بالكامل للدراسة والعمل. ويُعد «Study Zone» من بين أوائل الأسماء التي انتشرت في اللاذقية ضمن هذا النموذج. افتُتح في حي الزراعة في العام 2016، ثم توسع إلى موقعين آخرين قرب أوتستراد الزراعة وفي شارع 8 آذار.
توضح الصفحة التعريفية للمركز أنه يضم مساحات اجتماعية وأخرى هادئة وصامتة، إضافة إلى قسم مخصص لطلاب الهندسة المعمارية. ومع نجاح التجربة، ظهرت مشاريع أخرى مثل «A to Z» على أوتستراد الزراعة، و«Calma Study Cafe» في شارع بغداد، و«Study Time». إلى جانب مراكز ومقاهٍ أصغر حجماً.
وبحسب رصد معدة التقرير، يزيد عدد المساحات التي تقدم خدمات الدراسة والعمل في مدينة اللاذقية عن 15 مكاناً، تنتشر غالبيتها قرب جامعة تشرين والسكن الجامعي، وفي أحياء الزراعة ومشروع الأوقاف وشارع الأميركان وشارع 8 آذار وشارع بغداد وشارع سبيرو.
ما يُفترض أن يكون متاحاً في المنزل أو المكتبة الجامعية، مثل الكهرباء والإنترنت ومكان الدراسة، أصبح خدمة يقدمها مشروع تجاري
تتشابه تجارب أخرى في دمشق وحلب وحمص وطرطوس مع نموذج اللاذقية، ما يشير إلى أن هذه المساحات لم تعد ظاهرة محلية، بل أصبحت جزءاً من سوق نشأت حول حاجة الطلاب والعاملين إلى الكهرباء والإنترنت ومكان يمكن الجلوس فيه ساعات طويلة.
الكهرباء والإنترنت وراء الانتشار
لا يحتاج الطالب في المقهى الدراسي إلى طلب وجبة كاملة أو مشروب جديد كل ساعة حتى يبقى جالساً، كما يحدث في بعض المقاهي التقليدية. فهو يدفع أساساً مقابل استخدام المكان والخدمات المتاحة فيه.
وتوفر هذه المساحات الكهرباء من خلال منظومات الطاقة الشمسية أو الاشتراك في مولدات الأمبيرات، إلى جانب الإنترنت ومقابس شحن قريبة من الطاولات، والتدفئة والتبريد والإنارة المناسبة. كما تضع قواعد لاستخدام القاعات. فبعضها مخصص للصمت الكامل، وبعضها يسمح بالنقاش والعمل الجماعي، بينما تُخصص أقسام أخرى للاجتماعات والدروس.
بالنسبة إلى فرح، البالغة 23 عاماً والطالبة في السنة الرابعة بكلية الطب البشري، أصبحت هذه المساحات جزءاً ثابتاً من حياتها الدراسية. تقول: «أرتاد Study Zone منذ كنت في الصف الثالث الثانوي. المكان منظم وهادئ، ويقدم خدمات تغنيني عن الخروج للبحث عن الإنترنت أو طباعة الأوراق أو شراء المشروبات من مكان آخر». وتفضل فرح نظام الدفع اليومي، لأنه يسمح لها بمغادرة المكان ساعات ثم العودة في اليوم نفسه من دون دفع رسم جديد.
لكن اعتماد الطلاب على هذه المقاهي يكشف الجانب الآخر من انتشارها، فما يفترض أن يكون متاحاً في المنزل أو المكتبة الجامعية، مثل الكهرباء والإنترنت ومكان الدراسة، أصبح خدمة يقدمها مشروع تجاري.
غرف لاستخدامات مختلفة
لا تكتفي المقاهي الدراسية بوضع طاولات وكراسٍ في قاعة واحدة. فقد قسمت كثير منها مساحاتها إلى غرف فردية وأخرى جماعية، لتناسب الدراسة الصامتة أو تحضير المشاريع والامتحانات بصورة مشتركة. وتتضمن القاعات الفردية عادةً طاولة ومقعداً لكل شخص، مع مقبس كهربائي وإنارة مناسبة. أما غرف الدراسة الجماعية، فتحتوي على طاولات أكبر تسمح للطلاب بالمناقشة والعمل على مشروع واحد. وخصصت بعض المراكز أقساماً لطلاب الهندسة المعمارية، مزودة بطاولات للرسم الهندسي، ما يوفر عليهم شراء مرسم أو محاولة استخدامه في منزل ضيق.
تقول ريم، البالغة 21 عاماً، والطالبة في السنة الثالثة بكلية الهندسة المعمارية: «أقضي ساعات طويلة على الحاسوب لإنجاز مشاريعي. لا أملك مرسماً في المنزل، كما أن الكهرباء لا تستمر وقتاً كافياً، لذلك أذهب إلى Study Time، حيث أجد المرسم والكهرباء في مكان واحد».
وتوفر بعض المقاهي خدمات الطباعة والتصوير، ومستلزمات يحتاج إليها طلاب تخصصات جامعية مختلفة. كما توجد قاعات يمكن للمدرسين حجزها لإعطاء دروس خاصة، وغرف للاجتماعات والعمل الجماعي. وفي المقابل، تضم بعض المراكز أقساماً للراحة أو الترفيه، تحتوي على شاشة أو ألعاب إلكترونية، لتمنح الطلاب استراحة من ساعات الدراسة الطويلة. لكن زيادة الخدمات لا تبقى من دون أثر على السعر، فكلما تنوعت القاعات والتجهيزات، ارتفعت الكلفة التي يتحملها المستخدم.
ثمن الهدوء
تندرج المقاهي الدراسية ضمن المشاريع التجارية الخاصة، وتختلف أنظمة الدفع فيها بين الاشتراك اليومي والمحاسبة بالساعة وحجز القاعات. وبحسب الأسعار التي جمعتها معدة التقرير، يبلغ رسم الدخول اليومي إلى Study Zone نحو 100 ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل عشرة آلاف ليرة بالعملة القديمة. ويتيح الرسم للطالب البقاء طوال اليوم، والخروج ثم العودة من دون دفع مرة أخرى. وتبلغ كلفة الساعة في A to Z نحو 30 ليرة جديدة، بينما يعتمد Calma Study Cafe سعراً يبلغ عشر ليرات للساعة عند طلب مشروب، و20 ليرة من دون مشروب.
أما الأماكن التي تستقبل طلاب الدروس الخاصة، فقد تتقاضى نحو 40 ليرة جديدة عن المقعد، بصرف النظر عن عدد الساعات. ويصل سعر حجز بعض قاعات الاجتماعات أو الدروس إلى نحو 350 ليرة جديدة للساعة.
يرى بعض الطلاب أن المقهى الدراسي يوفر المال والوقت، إذ يجمع لهم كل شيء في مكان واحد، لكن طلاباً آخرين يرونه مصروفاً إضافياً نتج من تراجع الخدمات الأساسية
قد يبدو الرسم اليومي محدوداً عند استخدام المكان مرة أو مرتين، لكنه يتحول إلى عبء عندما يحتاج الطالب إليه باستمرار. فالذهاب عشرين يوماً في الشهر إلى مكان يتقاضى 100 ليرة يومياً يعني دفع ألفي ليرة، من دون احتساب المواصلات والطباعة والطعام والمشروبات.
يقول علي، البالغ 22 عاماً، والطالب في كلية الهندسة الميكانيكية: «لا أدرس في هذه المقاهي لأنها تشكل مصروفاً إضافياً يتجاوز قدرتي. إذا ذهبت بصورة يومية، فسأصرف جزءاً كبيراً من مصروفي الشهري على المكان فقط». بالنسبة إلى طلاب مثل علي، يبقى المنزل، على مشكلاته، الخيار الوحيد. وقد يضطر إلى تنظيم دراسته وفق ساعات الكهرباء أو استخدام ضوء قابل للشحن والاعتماد على الإنترنت الهاتفي، بدلاً من دفع بدل يومي مقابل الخدمات.
بديل لا يصل إليه الجميع
يرى بعض الطلاب أن المقهى الدراسي يوفر المال والوقت، إذ يجمع لهم الكهرباء والإنترنت والتدفئة والطباعة في مكان واحد، ويتيح لهم البقاء ساعات طويلة من دون الحاجة إلى طلب الطعام باستمرار. لكن طلاباً آخرين يرونه مصروفاً إضافياً نتج من تراجع الخدمات الأساسية. فالطالب لا يدفع فقط من أجل الهدوء، بل يعيد شراء الكهرباء والإنترنت اللذين لا يجدهما بصورة مستقرة في منزله أو جامعته.
تظهر هذه المفارقة بصورة أوضح في فترات الامتحانات، حين يرتفع الطلب على المقاعد، ويصبح العثور على مكان فارغ أكثر صعوبة. وقد يقطع الطالب مسافة إلى أحد المقاهي، ثم يضطر إلى البحث عن مكان آخر إذا كانت القاعات ممتلئة. كما تتركز معظم هذه المشاريع في الأحياء القريبة من الجامعة والسكن الجامعي، بينما تقل الخيارات في الضواحي والأرياف، حيث قد تكون مشكلات الكهرباء والإنترنت أكثر حدة. لذلك لا تمثل المقاهي الدراسية حلاً عاماً لأزمة البيئة التعليمية، بل حلاً تجارياً متاحاً لمن يستطيع دفع ثمنه والوصول إليه.
مقعد للدراسة أم فاتورة جديدة؟
بالنسبة إلى فرح وريم، وفرت المقاهي الدراسية مكاناً يمكن الاعتماد عليه: كهرباء لا تنقطع، وإنترنت يعمل، وطاولة مناسبة، وهدوء يسمح بإنجاز ما تعجزان عن إنجازه في المنزل. وبالنسبة إلى علي، تمثل الخدمات نفسها فاتورة لا يستطيع إضافتها إلى مصروفه الشهري. بين التجربتين، تفسر المفارقة انتشار هذه المشاريع في اللاذقية. فقد نجحت لأنها لم تبتكر حاجة جديدة، بل حولت حاجة موجودة إلى خدمة مدفوعة. فالطلاب كانوا يحتاجون دائماً إلى مكان هادئ للدراسة، لكن انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت جعلا الوصول إلى هذا المكان أكثر صعوبة.
هكذا لم تعد طاولة المقهى مخصصة للحديث والترفيه فقط، بل أصبحت مكتباً مؤقتاً، وقاعة درس، ومصدراً للكهرباء والإنترنت. غير أن الهدوء الذي توفره هذه المساحات لا يُقاس بعدد الساعات وحده، بل بالمبلغ الذي يستطيع الطالب دفعه مقابلها.