على الرصيف المقابل لمنتجع «الشاطئ الأزرق» شمالي اللاذقية، توقّف ياسر وردة بكرسيه المتحرك أمام البحر، من دون أن يجد ممراً يستطيع استخدامه للوصول إلى الشاطئ. لم يكن أمام الشاب الثلاثيني سوى انتظار مجموعة من الزوار وطلب مساعدتهم لحمله.
يقول ياسر: «لا يوجد شاطئ مرصوف أستطيع استخدامه باستقلالية. وقفت على الرصيف أمام البحر أنتظر النخوة من المحتفلين بالموسم السياحي كي يرفعوني على أكتافهم. شعرت بالخجل عندما طلبت المساعدة من مجموعة من الشباب، وبدورهم ساعدوني مسرعين، وهكذا استطعت الوصول إلى الشاطئ». ويتابع: «لا أفكر في طريق العودة إلا عندما يحين وقت الرحيل».
«النخوة» بديلاً عن الحق
تختصر تجربة ياسر جانباً من واقع السياحة بالنسبة إلى الأشخاص ذوي وذوات الإعاقة في اللاذقية، فالوصول إلى البحر أو الفندق أو المطعم لا يتوقف على القدرة على دفع كلفة الخدمة فقط، بل على وجود منحدر آمن، أو ممر قابل لاستخدام الكرسي المتحرك، أو وسيلة تنبيه بصرية للأشخاص الصم، أو إرشادات يمكن لذوي الإعاقة البصرية استخدامها.
«وقفتُ على الرصيف أمام البحر أنتظر النخوة كي يرفعوني على أكتافهم.. لا أفكر في طريق العودة إلا عندما يحين وقت الرحيل»
يكتسب هذا الواقع أهمية خاصة مع تصاعد الحديث عن إعادة تنشيط السياحة والاستثمارات في الساحل السوري بعد سقوط النظام السابق وتولي الحكومة الانتقالية السلطة. فهل يستطيع هؤلاء الأشخاص استخدام الخدمات السياحية التي تروّج لها الجهات الرسمية والشركات الخاصة باستقلالية وأمان، أم سيبقى دخولهم إليها معتمداً على مساعدة الآخرين؟
نصوص قانونية وفجوة في التطبيق
يقول المحامي مياس سلمان، وهو من الأشخاص ذوي الإعاقة، إن المرسوم التشريعي رقم 19 للعام 2024 «لم ينص صراحة على حق الشخص من ذوي الإعاقة في السياحة أو الوصول إلى الأماكن السياحية، ولكنْ هناك نصوص عامة تدعم وصول هؤلاء الأشخاص إلى جميع الأماكن، كما اشترط القانون أن يكون الكود الهندسي مناسباً للأشخاص ذوي الإعاقة، لكن تطبيق هذه القوانين لا يجري بالصورة الصحيحة».
صدر المرسوم قبل سقوط النظام السابق، ونص على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والتزامات الجهات العامة والخاصة تجاههم، بما في ذلك توفير بنية تحتية مناسبة. كما أن سوريا طرف، منذ العام 2009، في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تلزم الدول بضمان إمكانية الوصول إلى البيئة المبنية والمرافق والخدمات، وتعترف بحقهم/نّ في المشاركة، على قدم المساواة، في الأنشطة الثقافية والترفيهية والسياحية والرياضيّة. لكن وجود النص القانوني لا يعني تطبيقه. ويقول سلمان، استناداً إلى متابعته، إن المنشآت السياحية في سوريا عموماً، وفي اللاذقية خصوصاً، تفتقر إلى بنية تحتية تضمن وصولاً ملائماً للأشخاص ذوي الإعاقة. ويضيف: «يبدو أن المستثمرين لا يرون هذه الفئة جزءاً من الزبائن المحتملين، كما تغيب أي خبرات تتعلق بالتعامل مع بعضهم، مثل الصم والمكفوفين، في المنشآت السياحية».
في حزيران/ يونيو من العام 2026، شاركت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، في الدورة 19 لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وأكدت أن من أولويات الوزارة توفير خدمات ملائمة لهم تستجيب لاختلاف احتياجاتهم. غير أن تجارب الأشخاص الذين تحدثنا إليهم تكشف استمرار الفجوة بين التعهدات والواقع.
المنحدر لا يعني «الوصول الشامل»
في صيف العام الماضي، أُطلقت في اللاذقية حملة «اللاذقية نحن أهلها»، بمبادرة من أحد أبناء المدينة ومشاركة جمعيات محلية، بينها جمعية «بلدك أمانتك». ووفق ما نشرته جريدة «الوحدة» المحلية، هدفت الحملة إلى تجميل الواجهة البحرية، وتوفير مساحات ترفيهية آمنة، وإنشاء ممشى جديد بمحاذاة البحر. وشملت الأعمال إنشاء منحدر يتيح لمستخدمي الكراسي المتحركة الوصول إلى شاطئ الكورنيش الجنوبي.
لكنّ إنشاء المنحدر لم يكن كافياً لجعله آمناً وقابلاً للاستخدام بصورة مستقلة. يقول ياسر، الذي جرّبه قبل أسبوعين: «المنحدر قاسٍ للغاية، كدت أسقط عند استخدامه، وخصوصاً أنهم لم يضعوا شيئاً يمكنني التمسك به».
تكشف هذه التجربة الفارق بين تنفيذ إضافة إنشائية تحمل اسم «منحدر» وبين اعتماد مفهوم «الوصول الشامل»، الذي يفترض مراعاة درجة الميل وعرض الممر وأرضيته، ووجود درابزين وحواف واقية ومساحات تسمح بحركة الكرسي واستدارته، إلى جانب ربط المنحدر بمسار متصل يصل فعلاً إلى الخدمة المطلوبة.
«القوانين الخاصة بوصول الأشخاص ذوي الإعاقة تغيب هنا، لتصبح جهود المجتمع هي الفاصل بين الوصول إلى المكان أو العودة من دون سياحة»
يشير ياسر إلى وجود ممرات مخصصة للكراسي المتحركة، وإشارات بصرية للصم، ومسارات لمسية للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في منشآت سياحية زارها أو اطّلع عليها في دول مجاورة، مثل تركيا ولبنان. أما في اللاذقية، فيرى أن الوصول لا يزال محكوماً بما يسميه «المقاربة الخيرية»، التي تتعامل مع المساعدة بوصفها إحساناً فردياً، لا حقاً ملزماً للمنشأة. فيعلّق قائلاً: «القوانين الخاصة بوصول الأشخاص ذوي الإعاقة تغيب هنا، لتصبح جهود المجتمع هي الفاصل بين الوصول إلى المكان أو العودة من دون سياحة».
ويضيف ساخراً: «تستطيع الوصول إلى خدمات فنادق النجوم الخمسة، لكن الوصول إلى شاطئها يحتاج إلى الحمل على الأكتاف لأن البناء قديم للغاية. لماذا أدفع المال وأنا في الحالتين سأُحمل على الأكتاف؟».
عزل دائم وغياب للبروتوكولات
لا تقتصر عوائق الوصول على الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية، إذ تتحدث ياسمين العاصي، وهي ناشطة في مجال الإعاقة والدمج، عن تجربتها خلال زيارة بعض فنادق اللاذقية رفقة أشخاص ذوي إعاقة سمعية: «نأتي مجموعة من دمشق إلى فنادق اللاذقية، قد يصادفك وجود منحدرات لمستخدمي الكراسي، لكن من المستحيل أن تجد أي لافتة مخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية». وتضيف: «هناك غياب تام للبروتوكولات المتبعة عند التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة السّمعيّة، وكثيراً ما يواجه الأشخاص الصم مشكلات بسبب غياب التواصل الحقيقي». وتوضح أن أجراس الغرف في الفنادق تعتمد على الصوت وحده، في حين يفترض أن تقترن بتنبيه ضوئي ليتمكن الشخص الأصم من معرفة أن أحداً يقف عند الباب.
يلاحظ غياب الكود الهندسي، وبدلاً من معايير السلامة تُنشأ أحياناً منحدرات عشوائية شديدة الانحدار تفتقر للدرابزين والمساحات الآمنة
تروي ياسمين حادثة وقعت مع إحدى صديقاتها خلال إقامة في فندق: «في إحدى المرات دخلت صديقتي غرفة في فندق بمفردها، وأغلقت الباب على نفسها. انتبهنا إلى غيابها وبدأنا البحث عنها على الشاطئ وفي كل مكان. كذلك طرقنا الباب علّها تنتبه إلى الاهتزازات، لكن كل هذه الحلول لم تأتِ بنتيجة. خسرنا حجوزات الحفل التي اشتريناها، لو أن جرس الغرفة يومض بالضوء لما حصل كل ذلك». ورغم أن الحادثة انتهت من دون أذى، فإنها تثير سؤالاً يتجاوز ضياع موعد أو حجز: كيف يمكن تنبيه نزيل أصم عند اندلاع حريق أو حدوث إخلاء طارئ، إذا كانت أجهزة الإنذار ووسائل التواصل داخل الفندق تعتمد على الصوت وحده؟
لا تعني إمكانية الوصول إنشاء منحدرات للكراسي المتحركة فحسب، بل تشمل وسائل الإنذار البصرية، واللافتات الواضحة، والمعلومات المتاحة بلغة الإشارة أو بصيغ قابلة لاستخدام الأشخاص الصم والمكفوفين، ودورات المياه وغرف تبديل الملابس المهيأة، إضافة إلى تدريب العاملين على التواصل والتعامل مع حالات الطوارئ.
أرقام متصاعدة وغياب للبيانات والرقابة
تزداد أهمية هذه الاحتياجات بالنظر إلى عدد الأشخاص المعنيين بها. كانت الوزيرة قبوات قد ذكرت أمام اجتماع الأمم المتحدة في حزيران/ يونيو من العام 2026 أن الحرب خلّفت أكثر من 1.5 مليون سوري بإعاقات ناجمة عنها، وهو رقمٌ يستند إلى إحصائية نشرتها اليونيسف في 2018، فيما يشير تقرير لمنظمة الإنسانية والإدماج/HI نُشر في 2024 إلى أن 2.8 مليون شخص من ذوي الإعاقة يواجهون صعوبات يومية في الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية وإعادة التأهيل. وبالمجمل يعاني ما يقارب 30% من السوريين والسوريات الذين تبلغ أعمارهم 12 عاماً فما فوق من إعاقات، وهي نسبة تعادل ضعف المعدل العالمي البالغ 15%. (ترتفع النسبة في الجزيرة السورية لتراوح بين 37% و48%، ما يعني إصابة شخص واحد تقريباً من بين كل شخصين في بعض التجمعات، وفق ما نشرته منظمة HI في حزيران/يونيو 2026).
نحو 30% من السوريين والسوريات فوق 12 عاماً يعانون إعاقات، وهو ضعف المعدل العالمي
ومع امتداد الساحل السوري لعشرات الكيلومترات ووجود عدد كبير من الشواطئ والمنشآت السياحية، لا تتوافر بيانات معلنة توضح عدد المواقع القابلة لوصول الأشخاص ذوي الإعاقة، أو عدد المنشآت التي خضعت لتدقيق هندسي، أو العقوبات المفروضة على المنشآت غير الملتزمة. كما لا تكفي المبادرات الفردية لسد هذا النقص، خصوصاً إذا أُنشئت الممرات من دون إشراف هندسي متخصص، أو توقفت عند توفير وصول شكلي إلى جزء من المكان. فالحق في السياحة لا يعني أن يصل الشخص ذو الإعاقة محمولاً على أكتاف الآخرين، بل أن يستطيع دخول المكان واستخدام مرافقه ومغادرته باستقلالية وأمان.
بالنسبة إلى ياسر، لا تكمن المشكلة في غياب أشخاص مستعدين لمساعدته، فقد وجد من يحمله إلى الشاطئ كلما طلب ذلك. المشكلة أنه لا يريد أن يكون دخوله إلى البحر معلقاً بـ «النخوة»، ولا أن يدفع ثمن خدمة سياحية لا يستطيع الوصول إليها بمفرده.
وفيما تستعد اللاذقية لمشاريع سياحية بمليارات الدولارات، سيكون الاختبار الحقيقي لهذه المشاريع أبسط من صور الفنادق والمنتجعات الموعودة: هل يستطيع ياسر النزول إلى الشاطئ من دون أن ينتظر من يحمله على كتفيه؟