مضت قرابة ثلاثة أشهر على بدء العام الدراسي في سوريا.
لم تكن بداية هذا العام الدراسي كالأعوام السابقة، إذ تحوّل الموضوع من أمر روتيني مألوف إلى ساحة أخذ ورد، وصولاً إلى احتلاله واجهة الموضوعات الأكثر نقاشاً وتداولاً على وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام، بما أفرزه من جدالات حول ضرورة تأجيل افتتاح المدارس من عدمه، أو التعليق المؤقت للعام الدراسي بسبب فايروس كورونا وتفشّيه.
في مناطق سيطرة دمشق، يبدو أن شخصية وزير التربية الجديد، دارم الطباع، واختصاصه الأكاديمي، وتصريحاته المثيرة للجدل في خضم سجالاته مع العميد السابق لكلية الطب، ومع نقابة الأطباء، شكلت عوامل «جذب» إضافية.
حُسم الجدل في النهاية لصالح مقولة وزير التربية «سنحتفل صباح الأحد 13 أيلول بافتتاح العام الدراسي»، وهو ما حصل، قبل أن تعود الأصوات المطالبة بتعليق الدوام المدرسي إلى الارتفاع في الأيام الأخيرة، على وقع تزايد تفشي الفايروس.
لن نخوض هنا في هذا الجدال، الذي لا يقتصر على سوريا فحسب، بل دارت جدالات مشابهة له في دول كثيرة، مع اختلاف الظروف والمعطيات. القصد من المقال الذهاب أبعد من هذا، نحو جزئية شديدة الأهمية والخطورة في آن، تتعلق بمشهدية التعليم في سوريا بمختلف جغرافياتها.
أربع وزارات تربية!
لم ينطلق العام الدراسي في موعد واحد على جميع الأراضي السورية، والسبب وجود أربع وزارات تربية في البلاد، وكل وزارة اختارت موعداً مختلفاً. المشكلة الأخطر لا تتعلق بالتوقيت، بل هي في اختلاف مرجعيات تلك الوزارات، وبالتالي اختلاف أجنداتها. وإضافة إلى وزارة التربية في دمشق، لدينا ثلاث وزارات أخرى:
1- وزارة التربية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، ويتولاها كل من: كوثر دوكو، ورجب المشرف.
تتبنى الإدارة الذاتية في مناطق سيطرتها مناهج تعليمية عدّة:
المنهاج الأول، وضعه معلمون مقربون من الإدارة الذاتية، باللغتين العربية والكردية. مضمونه مستوحى من أفكار نظرية الأمة الديمقراطية، التي نظّر لها زعيم حزب العمال الكوردستاني، عبد الله أوجلان، المعتقل في تركيا منذ العام 1999.
لاقى هذا المنهاج اعتراضاً من كثير من أهالي الطلاب (قسم كبير من المعترضين هم من الكورد)، لأسباب عديدة، أهمها أن الشهادات الصادرة عن المدارس التي تعتمد هذا المنهاج غير معترف بها في أي مكان، لا محليّاً، ولا إقليمياً، ولا عالميّاً، باستثناء مناطق الإدارة الذاتية. إضافة إلى ما يتضمنه المنهاج من نظريات وطروحات، اعتبرها كثير من سكان تلك المناطق لا تتناسب مع معتقداتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم.
لذلك اضطر المسؤولون في الإدارة الذاتية إلى تبديل المنهاج في بعض المناطق بمنهاج معتمد من اليونيسيف، يتم تدريسه في مناطق ريف دير الزور. وفي المنطقة الممتدة من منبج وريفها غرباً باتجاه الرقة وريفها شرقاً نلحظ حضور ثلاثة مناهج: منهاج الإدارة الذاتية، ومنهاج يونيسيف، والمنهاج الرسمي الحكومي السوري!
وتجدر الإشارة إلى أن اللغات الرسمية المعتمدة في مدارس الإدارة الذاتية هي: العربية، والكوردية، والسريانية.
مخاطر كثيرة يُفرزها تحول التعليم إلى سلاح سياسي، أخطرها يتعلق بالمستقبل السوري، وبتكريس التقسيم أمراً واقعاً في عقول أبناء جيل كامل، حتى ولو لم يطبق على الأرض في الوقت الراهن
2 – وزارة التربية في الحكومة المؤقتة: وهي الحكومة التي تمارس أعمالها في مناطق رأس العين، وتل أبيض، وجرابلس، والباب، ومارع، وإعزاز، وعفرين (أي مناطق نبع السلام، ودرع الفرات، وغصن الزيتون). يشرف الائتلاف السوري على تلك المناطق، وتتولى مهمة وزارة التربية هدى العبسي. ويخضع التعليم في تلك المناطق لإشراف مباشر من وزارة التربية التركية، لجهة المنهاج المعتمد، والكادرين التدريسي والإداري، وعمليات افتتاح مدارس ومعاهد وجامعات جديدة، وتتكرر زيارات المسؤولين التربويين الأتراك إلى تلك المناطق، وتُعتمد لغتان في مدراسها: العربية، والتركية.
3 – وزارة التربية في حكومة الإنقاذ، القريبة من «هيئة تحرير الشام». يتولى زمامها عادل حديدي، وتشرف على مدارس إدلب، وقسم من ريف حلب الغربي.
ماذا يعني كل هذا؟
إن خطر الحروب والأزمات السياسية على العملية التعليمية والتربوية والقيمية في المجتمع، لهو الأخطر على الاطلاق، لما يسببه من آثار نفسية سلبية وانعكاسات بعيدة المدى، تتعلق بالمستقبل في الدرجة الأولى. في الحالة السورية، تمكن الإشارة إلى مخاطر كثيرة يُفرزها تحول التعليم إلى سلاح سياسي، من بينها:
- الخلل في مفهوم الانتماء، فكل طالب سيشعر بالانتماء للوزارة التي تقدم له النجاح الأسهل، وتعده بمستقبل أفضل ولو كان مستقبلاً وهمياً.
- تحويل التعليم إلى أداة سياسية يستغلها كل طرف في فرض رؤاه وأفكاره على الطلاب الواقعين في نطاق سيطرته.
- غسيل الأدمغة وانغلاق الفكر ومحدوديته، نتيجة حرص كل من تلك الوزارات على عدم انفتاح طلابها على المناهج الأخرى، خوفاً من تأثر طلابها بها، أو خوفاً من اكتشاف وجه آخر للحقائق غير الذي تلقنه لهم.
- تعزيز التعصب، والعصبية، لنجد أنفسنا إضافة إلى العصبيتين الطائفية والعرقية، أمام عصبية جديدة هي العصبية الفئوية.
- نتيجةً للبند السابق سيتبنى الطلاب مبدأ إلغاء الآخر، واعتباره دوماً على خطأ، والعمل على الدفاع عن الفئة التي ارتبط مستقبله ببقائها، باعتبارها الجهة التي منحته الشهادات الدراسية، ومن خلالها يستطيع متابعة تحصيله العلمي، أو الانطلاق نحو الحياة العملية، متسلحاً بالشهادة الدراسية التي منحته إياها.
- تراجع القيم والمبادئ والثوابت لدى المجتمع، فكل وزارة تروج ثوابت قيمية خاصة، «العدو» ليس واحداً في كل المناهج، ومن هو عدو في منهاج، نراه صديقاً في منهاج آخر.
- سيؤدي كل ما سبق إلى تحويل تقسيم سوريا إلى أمر واقع ومكرس في عقول جيل كامل، حتى ولو لم يطبق ذلك التقسيم على الأرض في الوقت الراهن.
ويبقى السؤال الأهم: في ظل ما تقدّم، ما هي ملامح المستقبل السوري المتوقعة؟
فإذا كانت علة المنطقة التاريخية هي عدم اقتران الأقوال بالأفعال، فإن الحالة السورية في ظل وجود أربع وزارات للتربية زادت الطين بلة، وبدلاً من تضييق الهوة بين الأقوال والأفعال، بتنا اليوم بحاجة معجزات لإيجاد توليفة من الأقوال والنظريات، لتكون منطلقاً للعمل على دمج وجمع كل أطفال سوريا في بوتقة إنسانية، وطنية واحدة.