الصورة: (Dr.Crimp - فليكر)
رزق عبد الرحمن (اسم مستعار) البالغ من العمر 17 عاماً، طفلة صغيرة قبل شهرين فقط، بعد مضي عام على زواجه فتاة لا يتجاوز عمرها 13 عاماً، في بلدة احتيملات بريف حلب الشمالي.
هذا الزواج المبكر رسم للأسرة الصغيرة طريقاً مليئاً بالتحديات والمشكلات المتواصلة، فالزوج غير قادر على توفير جميع احتياجات أسرته، والزوجة غير قادرة على تدبر أمور حياتها الزوجية، فهي لا تزال طفلة، وهو كذلك.
خلال عمر الزواج القصير، واجهت الأسرة العديد من المشكلات، تخللتها زيارات طويلة للزوجة إلى بيت أهلها (في ما يُعرف بـ «الحرد»)، لتصل مدة الزيارة الواحدة في بعض المرات إلى شهر، أو تزيد، والسبب المتكرر عدم قدرة الزوجة (الطفلة) على العيش مع زوجها (الطفل) وأهله الذين يحاولون رسم مسار حياة ابنهم وكنتهم.
تشهد الأمور الآن «استقراراً» نسبيّاً، بعدما رُزق الزوجان الطفلان، طفلة جديدة!
يشرح عبد الرحمن لـ «صوت سوري» أنه حين تزوج كان غير مدرك لتفاصيل الزواج والحياة الزوجية، ولا يعرف منها سوى الأمور الجنسية التي تتغلب على اليافعين، وقد تعرف إلى بعض تفاصيلها عبر أحاديث مع أصدقائه.
يقول: «تجاوز والدي الستين من عمره، هو يعاني من مرض شديد وقد نفقده في أي لحظة، طلب مني أن أتزوج كي يفرح بي قبل وفاته. وقعت في حيرة من أمري، ثم قبلت العرض».
يؤكد عبد الرحمن أن زوجته لا ترغب في العيش معه، فهي «لا تزال طفلة، ودائماً ما ترغب في الذهاب إلى منزل والدها الذي أجبرها على الزواج».
ويضيف «حين ترفض العودة إلى بيتنا يضربها والدها، ويجبرها على ذلك. حين تعود إلي تكون آثار الضرب المبرح واضحة على جسمها»!
الحرب تفرض نفسها
حكاية محمد أشد غرابة وتعقيداً. تزوج وهو في الخامسة عشرة من عمره، بأرملة أخيه التي كان عمرها أربعة عشر عاماً، وفقدت زوجها أثناء المعارك العسكرية ضد تنظيم «داعش» في بلدة تلالين بريف حلب.
يقول الشاب، وعمره اليوم 19 عاماً: «شكل زواجي بزوجة أخي عقدة حقيقية لي. كنت أقول عنها: زوجة أخي، والآن أقول: زوجتي. هذا الأمر ليس سهلاً. لكن بمرور الوقت تأقلمت مع حياتي الزوجية، من دون العودة إلى الماضي مجدداً».
ويضيف: «ظروف الحرب أجبرتني على الزواج، وحصر مستقبلي بأسرة مكونة من أبنائي وأبناء أخي، وأمهم جميعاً».
تقول سارة «ظروف والدي المادية سيئة، وهو غير قادر على تلبية جميع احتياجات العائلة بأفرادها التسعة، لذلك وافق على تزويجي من أول خاطب تقدم إلي»
برغم شعوره بغرابة الوضع، يعتقد محمد أنه حقق إنجازاً كبيراً.
يقول «حفاظي على أسرة أخي وأطفاله إنجاز هام قدمته في هذه الحياة، برغم التحديات التي واجهتني».
تحت غطاء الشرع
يتحدث صاحب مكتب تسيير معاملات، قرب إحدى المحاكم في ريف حلب عن بعض المعاملات التي يتابعها. يقول لـ«صوت سوري» إن زواج الأرامل من أقارب أزواجهن يتكرر «بهدف الحفاظ على الأبناء، لكن تلك الحالات نادراً ما تستمر، خاصة إذا كانت للزوج الجديد زوجة أولى».
ويضيف: «يواصل الأهالي تزويج أبنائهم وبناتهم في عمر مبكر، عبر عقد قران يجريه رجل دين من البلدة، لكن لتسيير أمورهم يحتاجون تثبيت الزواج في المحكمة المحلية، ما يجعلهم أمام تحديات، ويفرض أعباء علينا».
يوضح قائلاً «يصرون على تزويد المحكمة بمعلومات خاطئة عن العمر، سعياً منهم للحصول على عقد الزواج ودفتر العائلة، المحاكم ترفض منحهم العقد إذا كان الزوجان دون السن القانوني، لذلك ينتظر البعض سنوات للوصول إلى السن المطلوب والحصول على عقد من المحكمة، ويكون لديهم وقتها أكثر من طفل».
..وتحت ضغط الحاجة
تبلغ سارة من العمر 16 عاماً. لم يمض عام على زواجها، حتى بدأت بإجراء معاملة الطلاق.
كانت سارة قد رفضت الزواج حين تمت خطبتها، لكن والدها أصرّ عليه. تقول: «ظروف والدي المادية سيئة، وهو غير قادر على تلبية جميع احتياجات العائلة بأفرادها التسعة، لذلك وافق على تزويجي من أول خاطب تقدم إلي».
حين كان عمره 15 عاماً، تزوج محمد أرملة أخيه. يقول «شكل زواجي بزوجة أخي عقدة حقيقية لي. كنت أقول عنها: زوجة أخي، والآن أقول: زوجتي. هذا الأمر ليس سهلاً»
وتضيف: «حاولت التملص، وطلبت متابعة تعليمي، كنت في الصف التاسع وقتها، لكن والدي كان مصراً على زواجي. فقدت الأمل من متابعة الرفض، وأعلنت موافقتي التي لم تكن لازمة، لأن والدي وافق منذ الزيارة الأولى للخاطبين».
تحكي عن حياتها الزوجية التي أوصلتها إلى الطلاق في مدة قصيرة. تقول: «زوجي مقاتل في صفوف المعارضة المسلحة، دخله لا يتجاوز 400 ليرة تركية. لكن باعتبارنا نعيش مع أهله فالمصروف تشاركي. مع مرور الوقت اكتشفت أن زوجي يتعاطى الحشيش، ويصرف مرتبه كاملاً على المخدرات التي يتناولها، من حبوب وغيرها، ولا يستطيع توفير أدنى المتطلبات المعيشية التي نحتاجها، بالإضافة إلى ندرة وجوده في المنزل، وامتداد سهراته خارجاً حتى الصباح».
بحكم العادات
قبل ثلاثة أعوام تزوجت ريم ابن عمها الذي يكبرها بعشر سنوات. كان عمرها وقتذاك 14 عاماً فقط.
تقول لـ«صوت سوري» إنها لم تعد قادرة على العيش مع زوجها، لأنه يعاملها بقسوة ولا يراعي فارق السن بينهما. وتضيف: «يعاملني كزوجة كبيرة على دراية بكل الأمور المعيشية، ويطالبني بأن أكون على قدر من المسؤولية تجاهه. في الحقيقة أنا غير قادرة على تحمل كل هذه الضغوط».
حاولت ريم رفض الزواج، لكن والدها كان مصراً، بحكم العادات التي تقول إن «البنت لابن عمها». ويفرض هذا القول نفسه على كثير من حالات الزواج، من دون انتظار رأي الزوجة وخاصة إن كانت صغيرة السن.
قانون بلا سلطة!
يقول عضو نقابة المحامين الأحرار في ريف حلب، يوسف حسين: «حاولنا توعية الناس بمخاطر الزواج المبكر لكلا الجنسين. هذه الظاهرة تتزايد في المنطقة بسبب الظروف الراهنة، ولم نستطع ضبطها. أغلب حالات الطلاق في الفترة الأخيرة سببها الزواج المبكر وعدم قدرة الزوجين على تحقيق التكافل الأسري».
ويضيف: «المحاكم المحلية لا تقبل العقود التي تخالف القانون، لكن أغلب عقود القران يقوم بها عاقد ديني، بوجود شهود من العائلتين، وهي في الشرع مقبولة طالما أنها أتمت شروط عقد القران».