× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

عبد الهادي البكّار: اغتيال عدنان المالكي كان «مفبركاً»!

عقل بارد - أوراقنا 23-06-2021

خلّف اغتيال العقيد عدنان المالكي العام 1955 آثاراً كبيرة على شكل الحياة السياسية في سوريا لعقود طويلة. تعامل معطيات الاغتيال بوصفها مسلّمات، لكننا نقف اليوم مع وجهة نظر تقول إنها كانت مفبركة بشكل مقصود لتصفية الحزب السوري القومي الاجتماعي

الصورة: (knooz Syria - فليكر)

غداة العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، قطعت الإذاعة السورية بثها بشكل مفاجئ، ليُسمع صوت مذيع سوري يقول بنبرة حادة وانفعالية: «هنا القاهرة من دمشق». ذلك المذيع هو عبد الهادي البكار، الذي كان وقتها اسماً لامعاً.

كان «الراديو» في تلك الحقبة يعيش مجده، وقد لعب دوراً أساسياً في التمجيد بالرئيس جمال عبد الناصر. كان صوت البكار من الأصوات القوية المؤثرة التي ساهمت في توسيع الدعاية الناصرية، وصولاً إلى اليمن الذي خصّصت مصر من أجله إذاعة تبث على موجة إف إم. 

ظل هذا الدور فاعلاً حتى بعد ظهور التلفزيون في كل من مصر وسوريا منتصف الستينيات، وصار البكار مذيعاً للأخبار في التلفزيون المصري، إلى جوار مذيع آخر نال شهرة كبيرة، وتحول إلى رمزية ساخرة بعد هزيمة العرب في حزيران 1967، ونتحدث هنا بالطبع عن المذيع في إذاعة صوت العرب من القاهرة، أحمد سعيد.

في المنفى

قضى عبد الهادي البكّار أكثر من أربعين عاماً في المنفى، متنقلاً بين عواصم عربية عدة ختمها في القاهرة، وكتب مذكراته التي نشرتها دار الذاكرة في بيروت. 

من الغريب في شأن الكتاب أنّ من كتب مقدمته كان العماد أول مصطفى طلاس، وزير الدفاع السوري لعقود، البعثي الذي كان حزبه سبباً في قضاء البكار أربعة عقود في المنفى بين القاهرة، وبغداد، والإمارات العربية المتحدة التي حصل على جنسيتها بأمر من مؤسسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

يثير كتاب البكار، الذي حمل عنوان «صفحات غامضة من تاريخ سوريا الحديث ذكريات ـ معلومات ـ صور»، العديد من اﻷسئلة المتعلّقة بموضوع الفساد السياسي، وخاصة في المجال اﻹعلامي، وهو أمر لم يكن غريباً عن هذا القطاع.

تكمن أهمية كتاب البكار في أنه شهادة شخصية على عهد شغل الناس ردحاً طويلاً بما جرى فيه من أحداث، إذ دخل البكار العمل اﻹذاعي في مطلع العام 1951، أي بعد استقلال سوريا بأعوام قليلة، وفي مرحلة صعود الانقلابات العسكرية في العالم العربي، وصولاً إلى نهاية عهد الوحدة بين سوريا ومصر، ثم حركة 8 آذار التي جاءت بحزب البعث إلى الحكم في سوريا.

عارض البكار بشدة الانفصال بين مصر وسوريا العام 1961، واعتبره انقلاباً على عهد الوحدة، وأبرز معارضته عبر أحاديث إعلامية عديدة لم يتحملها من سعوا إلى الانفصال، فاتهموا البكار بالمشاركة في المحاولة الانقلابية للعقيد السوري الناصري جاسم علوان في تموز 1963. 

سُجن البكار في سجن المزة، ثم نُفي خارج البلاد. اختار اللجوء إلى العراق الذي كان يحكمه عبد السلام عارف، عدو البعثيين في دمشق، حيث عمل على توجيه الإعلام العراقي ضد حكم الحزب في سوريا، وبقي هناك سنوات، ثم غادر الى القاهرة حيث قضى فترة طويلة بصفة لاجئ سياسي الى جانب عبد الحميد السراج، وغيره من الذين ارتبطوا بالمدّ الناصري في سوريا.

وجد البكار أنّ «خير ما يختم به رحلته في الحياة الاعتراف، والصراحة، وقول الحق» عن تلك الحقبة التي كان من رموزها، فيراجعها «بكل مسؤولية أمام الأجيال التي لم تعشها، وقد تحمل بعض الأوهام عنها» وفق تعبيره.

من أبرز ما يهمنا في مراجعته النقدية تلك، ما كتبه عن حدث مفصلي في تاريخ سوريا هو ما جرى في حقبة اغتيال العقيد عدنان المالكي في 22 نيسان 1955، ثم المحاكمات التي تلت ذلك، ونُقلت عبر اﻹذاعة السورية، بما لحقها من تهم بالفساد السياسي، واستغلالها لتصفية بالحزب السوري القومي الاجتماعي في سوريا.

ضد القومية العربية

يفاجئ البكار قارئه منذ السطور الأولى من كتابه الذي صدرت طبعته اﻷولى عن دار الذاكرة في بيروت العام 2003، فيقول إنه تأكد له خلال العقود الأخيرة «اعتلال الفكرة القومية العربية، وربما اضمحلالها في العالم العربي، كما تأكد احتياج بلاد الشام إلى استنهاض قوتها الذاتية الإقليمية»، و«إن دعوة أنطون سعادة الى توحيد الأشلاء والأجزاء السورية لم تكن هي الخطأ أو الانحراف، بل كانت هي الصواب» (ص11).

يمثل هذا الكلام ما يشبه انقلاباً للبكار على قناعاته ومساره، إذ - وفقاً لتعبيره -  اكتشف في خريف عمره أنه كان يعيش «في وهم كبير هو وهم القومية العربية»، وأنّ «ما تركه الزعيم أنطون سعادة عن وحدة سوريا الكبرى هو الحلم الباقي والحقيقة الوحيدة». (ص 11 وما بعد).

كان البكار قد ساهم بقوة في تشويه وتخوين أفكار السوريين القوميين، وزعيمهم، منذ دخوله العمل اﻹعلامي العام 1951 وحتى رحيله بضغط «رفاق اﻷمس» عن سوريا، ولم يكتف في مذكراته بالاعتراف بما فعل، بل طلب الصفح عنه. 

يذهب البكّار في الصفحات اﻷولى من كتابه إلى الدفاع عن أفكار سعادة حول توحيد سوريا ولبنان غداة استقلالهما عن الاحتلال الفرنسي، ويقول إنّ تعاون سعادة مع زعيم الانقلاب العسكري السوري اﻷول حسني الزعيم كان هدفه الانقلاب على السلطة الرجعية لرياض الصلح، رئيس وزراء لبنان وقتها، ولذلك قدّم حسني الزعيم السلاح للقوميين، ولما لم تنجح المحاولة بعد إفشاء سرّها من قبل عملاء أميركيين، أقدم حسني الزعيم على تسليم سعادة إلى الحكومة اللبنانية التي أعدمته في 8 تموز 1949. 

«كيف وجّه العقيد قصاب حسن الاتهام فوراً إلى السوريين القوميين خلال لحظات قليلة فقط، ما لم تكن هناك خطة معدّة مسبقاً لتصفية القوميين تحتاج إلى ذرائع»؟

يقول البكّار (ص 23) إنّ «حسني الزعيم باع سعادة لقاء موافقة الصلح على اتفاقية خط التابلاين الأميركي ـ السعودي، ولكن القوميين لم ينسوا ما فعل رياض الصلح، لذلك بادروا إلى اغتياله (في تموز من العام 1951)».

ثم يتابع الكاتب سرد ما حدث مع القوميين السوريين في لبنان، حيث أصدرت الحكومة اللبنانية قرارها بحل الحزب ومصادرة مكاتبه، وإغلاق صحفه، ما دفع عدداً من قادته للجوء إلى سوريا، حيث أقاموا مكاتبهم في شارع النصر بدمشق، ورأسه وقتها جورج عبد المسيح، وعاد الحزب كما يقول البكّار إلى «تدعيم إنشاء ميليشيات مسلحة له تتدرب في ريف دمشق» (ص 23).

عودة المالكي

عاد عدنان المالكي، الضابط الدمشقي إلى الجيش بعد العام 1953 مع انتهاء مفاعيل قرار الشيشكلي بإبعاده عن الجيش. 

استعاد المالكي نشاطه الداعم للتواصل مع مصر، ورغم أنه لم يكن بعثياً فقد كان مناصراً للبعث.

تسلم المالكي رئاسة شعبة العمليات منذ العام 1953، ورغم وجود أشخاص من مختلف اﻷحزاب السياسية في الجيش السوري من بعثيين وشيوعين وإخوان وغير ذلك، «شكّل لجنة عسكرية مهمتها طرد وتسريح جميع الضباط واﻷفراد القوميين السوريين من الجيش والمؤسسات التابعة له، استجابة للضغوط المصرية بالدرجة اﻷولى»، وفقاً لمصادر عديدة، وكان من أشهر تلك القرارات تسريح المقدّم غسان جديد، أبرز ضابط سوري قومي في الجيش السوري، وقائد الفوج العلوي في جيش فوزي القاوقجي في حرب العام 1948.

الاغتيال

يذهب البكار إلى القول إنّ ما حدث عقب اغتيال عدنان المالكي كان مفبركاً، للتخلص من هذه القوة السياسية المهمة التي كانت تنادي بوحدة بلاد الشام والعراق وتناهض الصهيونية، في إشارة إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي.

يقول البكّار إنه كان في دار اﻹذاعة السورية في يوم 22 نيسان 1955 بعد أسبوعين من تسريح المقدم غسان جديد، يتابع على الهواء مباشرةً مباراة في كرة القدم بين سورية ومصر، حضرها العقيد عدنان المالكي، إضافة إلى شوكت شقير رئيس أركان الجيش السوري، وجمال حمّاد الملحق العسكري المصري بصفته مؤرّخاً عسكرياً.

وكانت تتابع المباراة مع البكار المذيعة عبلة الخوري، وهي ابنة أخ فارس الخوري، وشقيقة سامي الخوري أحد أبرز قياديي الحزب السوري القومي آنذاك، ومعه كذلك العقيد برهان قصاب حسن، شقيق المحامي نجاة قصاب حسن، من قادة الحزب الشيوعي السوري.

يقول البكّار: «سمعنا في الساعة الثالثة تماماً أصوات إطلاق رصاص عبر البث المباشر ثم هرج ومرج، ثم سمعنا صوت المذيع فؤاد شحادة يعلن أن عدنان المالكي أصيب بطلقات رصاص، وفجأةً قبل أن يتبين أي شيء، التفت العقيد قصاب حسن الى عبلة الخوري ليقول لها: راح تخسروا كثير يا عبلة».

يتساءل البكار عن اﻷسباب التي حدت بقصاب حسن إلى اتهام القوميين بأنهم وراء قتل المالكي بعد ثوانٍ من إذاعة الخبر.

يقول: «لم يكن قد مضى بعد من الوقت ما يكفي للتفكير في الاحتمالات الواردة، فكيف وجّه العقيد قصاب حسن الاتهام فوراً إلى السوريين القوميين خلال لحظات قليلة فقط بعد الاغتيال، ما لم تكن هناك خطة معدّة مسبقاً لتصفية القوميين، كانت تحتاج إلى ذرائع، ومبررات مسبقة»؟ (ص 31).

 يتبع

اغتيال_عدنان_المالكي عبد_الهادي_البكار جاسم_علوان إذاعة_دمشق

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0