× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

في رحلة البحث عن ثلج: هل القطب الجنوبي بعيد يا ماما؟

حكاياتنا - ملح 14-08-2021

مضت تسع سنوات لم نلمس فيها الثلج في الثلاجة. اتهمنا البراد مراراً وتكراراً بأنه عاطل مثل أيامنا، وبدّلنا الغاز الذي لا يتسرب، كما بدّلنا الكاوتشوك الذي يغلف اﻷبواب، لكن ذلك كله لم يمنع الصراصير من محاولة احتلال الجزء اﻷعلى من البراد بعد أن احتلّت الجزء الأسفل

الرسم: (OSVAL - كارتون موفمينت)

تقف زينة بسنواتها التسع على الشرفة المطلّة جزئيّاً على البحر اﻷبيض المتوسط، وهي تلوّح بكرتونة صغيرة أمام وجهها في محاولة لتحريك قليل من الهواء نحو وجهها لعلها تشعر بقليل من الانتعاش البارد في هذا المساء المعتم الرطب، وفيما تفعل ذلك، تدندن أغنية «تلج تلج عم بتشتي الدني تلج».

ولدت الفتاة في مطلع الحرب، في السنة التي هطل فيها مطر غزير، وأثلجت على رؤوس الجبال، ومع أنني حملتها في ذلك العام إلى رأس أحد الجبال القريبة كي ترى الثلج، فإنّ عمرها الصغير لم يتح لها فهم ما يجري حولها.

أهرب من أغنيتها إلى الثلاجة ﻷراها فارغة إلا من عبوات مياه نصف ساخنة. مضت تسع سنوات لم نلمس فيها الثلج في الثلاجة. اتهمنا البراد مراراً وتكراراً بأنه عاطل مثل أيامنا، وبدّلنا الغاز الذي لا يتسرب، كما بدّلنا الكاوتشوك الذي يغلف اﻷبواب، لكن ذلك كله لم يمنع الصراصير من محاولة احتلال الجزء اﻷعلى من البراد بعد أن احتلّت الجزء اﻷسفل، ونجحت في طرد كل الصحون، والطناجر، وما بقي من أطعمة لم تتعرض للتلف.

حتى قرنين من الزمان، كان الثلج والجليد مجرد تحصيل حاصل لفصل الشتاء، يقضي على الدود الذي قد يلتهم الأشجار. كثيراً ما خلط أهل الجبال الثلج بعصائر الكرز والتفاح والتين في الشتاءات، ولكن كان كل ذلك يتبخر مع أوّل «مطرة» في الربيع.

تعرف زينة الثلج على هيئة خليط ملوّن يحضره إلى الحارة بائع جوّال في أوعية لطالما انتظرناها أيام الطفولة، برادات صغيرة لا تبرّد، ولكنها تحافظ على البرودة ساعات طويلة. أطلقت زينة على الرجل اسم «تعابورررد» كما ينادي على بضاعته.
كنا يومياً نتدفق صغاراً وكباراً على الـ«تعابورررد»، نمتص براداته الصغيرة بظمأ، نمحوها عن بكرة أبيها وأمها. كان الرجل الذي يتجول على دراجة نارية يقدم هباته من البرودة والثلج على شكل «قبابيع من السلاش» السائل الذي لم يتجمد ولم يذب، شيء يشبه البوظة، لكنه ليس بوظة. شيء يشبه أيامنا التي لا نحيا فيها ولا نموت، كأننا النسخة الأحدث من «الزومبي»... أخيراً ظهرنا إلى الوجود بدون أي مساعدة من السينما أو الأعداء.

أعود إلى صغيرتي على الشرفة، لقد انتهت من ترتيل أغنيتها، وانتقلت إلى التحديق في السماء اللامعة تعدّ النجوم التي تبرق فوقنا، وعلى حين غرّة تفاجئني بسؤالها:
ـ هل القطب الجنوبي بعيد؟

لوهلة أفكّر أن عليّ ألا أخدش صفاء لحظاتها هذه، أتجاهل السؤال، وأتركها في أفكارها.
تعيد سؤالها بعد بضع دقائق:
ـ هل يمكننا الوصول إلى القطب الجنوبي مشياً على الأقدام؟
أجيب: ممكن..

أبتعد عن الواقعية في هذه اللحظات التي تظهر فيها كل اﻷشياء واﻷيام ضدّنا نحن القابعتين في جوف بناية غارقة في الظلمة منذ ست ساعات على الأقل، بلا ماء، ولا كهرباء، ولا هواء حتى.
تختفي البنت قليلاً ثم تعود وهي تحمل حقيبتها المدرسية معبأة بثيابها القليلة، وتشير لي أن نمشي!
- إلى أين؟
- إلى القطب الجنوبي. 
- ولكن الوقت ليل والطريق طويل.
- أحسن من القعدة بهالشوب.
تصمت لحظات، ثم تسأل:
- هل بابا نويل حقيقي؟ 
- نعم حقيقي.
ـ ألا يسكن بابا نويل في القطب الجنوبي؟
- أجل.
- حسناً، سوف ننام عنده ما إن نصل القطب الجنوبي.
- ولماذا هو بالتحديد؟
- ﻷن بيته ليس حارّاً بالتأكيد، وفينا ننام بلا شوب وبلا برغش، ويمكن يكون عنده كهربا، وأكيد عندو براد بوظة.

أنكمش على بعضي، فلا أقدر أن أقول لها إنني كذبت عليها، وإن بابا نويل ليس حقيقياً، وإنني كذبت إذ قلت إن الطريق مفتوح إلى القطب الجنوبي، وإنني كذبت إذ أنجبتها في هذه البلاد التي تحوّلت مقبرة ﻷصغر اﻷحلام وأصغر الرغبات. كم كنت غبية حين لم أخرج مع الخارجين خارج أسوار هذا البلد الصحراوي الكئيب.

- ماما تحرّكي.
أتخيّل أنني وهي بطريقان تائهان يمشيان فوق خريطة العالم، يقفزان منها فوق جليد القطب الجنوبي، نصطدم بكتل الثلج، نتقاذفها فيما بيننا، نأكل بعضها وتوجعنا أسناننا، ومن فوق تلة مشرفة علينا يظهر بابا نويل بثوبه الأحمر الشتوي، ويأخذنا إلى بيته، ومعمل الثلج خاصته، وربما - وهو الكريم دائماً - ضيّفنا بوظة بطعم الشوكولاه كما طلبت زينة في وقت سابق ولم نجد عند الباعة.

اليوم، لا كهرباء تحرض البرودة في برادات بيوتنا، لا معامل ثلج في هذه المدينة البحرية الرطبة، المعامل الثلاث التي كانت تعمل فيها باتت عاطلة ﻷن الكهرباء مقطوعة، والماء مقطوع، قطعة الثلج التي بحجم الكف تباع - إن وجدت - بألفي ليرة بنفسجية. 

ماذا سأفعل لزينة اﻵن؟ سأكذب مرة أخرى وأقول لها: غداً نمشي إلى القطب الجنوبي.
ثلج غاز بوظ اللاذقية كهرباء تقنين البطاقة_الذكية خط_الفقر أطفال_سوريا نساء_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0