× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

حول «العداء» بين المنظمات والأحزاب السورية

عقل بارد - على الطاولة 24-08-2021

المشكلة تبدأ من وجود تقاطع في مجال العمل بين الأحزاب والمنظمات؛ فكلاهما يعمل ضمن ما تمكن تسميته بـ«الحقل العام للمجتمع»، وكلاهما يلعب دوراً وسيطاً بين جهاز الدولة وأجهزة القوة ضمنه، وبين المجتمع؛ أي أنهما يلعبان بشكل أو بآخر دور مصد الصدمات، وملطف الصراعات

الصورة: (Charles Roffey - فليكر)

يبدو أن هناك من يظن الانقسامات القائمة بين السوريين والسوريات غير كافية، ولذا نراه يحوّل أي تمايز، حتى ولو كان وظيفياً، إلى تناقض وصراع!

لكأنما ينبغي علينا أن ننقسم ونتقاتل على آلاف المتاريس؛ مثلاً: الأطباء ينبغي أن يعادوا المهندسين، وعلماء الاجتماع عليهم بالضرورة أن يتناحروا مع علماء النفس، وعمال الخدمات ينبغي لهم أن يصطفوا ضد عمال المعامل... وهكذا!!

قد يبدو المدخل الذي أتناول من خلاله العداء - في حدود معرفتي - بين كثير من العاملين في «منظمات المجتمع المدني»، وكثير من العاملين في «الأحزاب السياسية» مدخلاً بعيداً عن صلب القضية، لكن مفاد الفرضية التي أقدمها أنّ الاختلاف ينبغي أن يظل وظيفياً ضمن الحقل العام نفسه، لا أن يتحول إلى حامل لانقسامات وصراعات جديدة.

كلمة عن الأحزاب

قبل كل شيء لا بد لي من الإشارة إلى أن مقاربتي لا تتبنى رؤى حزب سياسي، ولا أنا من العاملات في منظمات المجتمع المدني. أي بصياغة أخرى: ليس لدي موقفٌ مسبقٌ، إذا افترضنا أنّ هناك حاجة إلى وضع متاريس بين الجهتين والاصطفاف خلفها.

بالنسبة للأحزاب في سوريا، ومن دون الدخول في تفاصيل كثيرة، يمكن تشخيص الحالة العامة لها على امتداد 50 (وربما حتى 70) عاماً مضت، بأنها لم تكن تمارس الدور الفعلي الذي من المفترض أن تمارسه الأحزاب، أي أنها لم تكن تلعب دور تنظيم نضالات المصالح الاجتماعية المتناقضة. 

أيضاً من دون الدخول في تفاصيل أسباب ذلك، يمكن تبسيط القضية إلى جملة عوامل أساسية تبدأ من طبيعة الظروف الدولية والإقليمية، ولكن تمر بالضرورة عبر غياب حركة الشارع التي تُعدّ دائماً المولد الفعلي للحركة السياسية، وإلى جانب هذا الغياب هنالك هامش الحريات السياسية المعدوم أو شبه المعدوم، وهذه العوامل لا تعفي بطبيعة الحال الأحزاب نفسها من أخطائها، وضعف ارتباطها بالناس، وفي أحيان كثيرة من خضوعها، وذيليتها، وانتهازية شخوص فيها.

إذا أردنا عدم الاختباء وراء إصبعنا علينا الاعتراف بأن أحزاباً ومنظمات عديدة، وبشكل مباشر أو غير مباشر، تعمل ضمن مجال تأجيج الاقتتال القائم، سواء ارتزاقاً وانتفاعاً، أو خدمة مباشرة لمصالح «النخب» الداخلية والخارجية، أو لمزيج من هذا وذاك

كلّ هذا الذي قد يعتبره البعض «نقداً قاسياً» لا يلغي بحالٍ من الأحوال ضرورة وجود الأحزاب السياسية، وفرادة وظيفتها الاجتماعية/السياسية التي لا يمكن تبديلها لا بمنظمات المجتمع المدني، ولا بغيرها؛ فصراع المصالح الاجتماعية، والاقتصادية خاصة، هو أمر كان ولا يزال قائماً، وهناك على العموم طريقتان لتسوية هذا الصراع: إما الاقتتال، وإما التسويات عبر «المعركة الديمقراطية».

هنالك طبعاً خيار ثالث هو الذي نعيشه، أي الاقتتال الذي يجري بين «النخب الاقتصادية» في إطار تقاسم النهب، والذي يجري تحت شعارات مخادعة، وطنية تارة، وديمقراطية تارة أخرى، وطائفية، أو قومية وإلخ تارات وتارات... ولا أظن أنّ أياً منّا يريد لهذا النوع من الاقتتال أن يستمر، أو أن يتكرر حين ينتهي.

كلمة حول منظمات المجتمع المدني

المشكلة تبدأ من وجود تقاطع في مجال العمل بين الأحزاب والمنظمات؛ فكلاهما يعمل ضمن ما تمكن تسميته بـ«الحقل العام للمجتمع»، وكلاهما يلعب دوراً وسيطاً بين جهاز الدولة وأجهزة القوة ضمنه، وبين المجتمع. أي أنهما يلعبان بشكل أو بآخر دور مصد الصدمات، وملطف الصراعات.
وإذا كانت المشكلة تبدأ من هذا التقاطع فإنّ جوهرها ليس هنا، بل في أنّ «العداء» ناجم في كثير من الأحيان عمّا هو كائن، وليس عما يجب أن تكون عليه الأمور.

ما أقصده أننا إذا أردنا عدم الاختباء وراء إصبعنا، علينا أن نعترف بأن أحزاباً ومنظمات عديدة، وبشكل مباشر أو غير مباشر، إنما تعمل ضمن مجال تأجيج الاقتتال القائم، سواء ارتزاقاً وانتفاعاً، أو خدمة مباشرة لمصالح «النخب» الداخلية والخارجية، أو لمزيج من العوامل كما هو الواقع غالباً.

هذا لا يعني نهائياً أنّ الأفراد العاملين في الأحزاب وفي المنظمات هم أنفسهم مرتزقة أو منتفعون أو عملاء، مع أنّ الأمر لا يخلو من وجود هذه الأنماط، ولكنه يعني بالضبط أنّ معظم البنى القائمة أحزاباً ومنظماتٍ لا تلعب حتى الآن دورها الطبيعي.

إنّ ما نسميها الآن «أحزاباً» وما نسميه «منظمات مجتمع مدني» هي في الحقيقة بداءة أحزاب، وبداءة مجتمع مدني

بالحديث عن المنظمات خصوصاً وفي إطار فكري عام، فإنّ إمكانية ممارسة منظمات المجتمع المدني للدور المنوط بها، يفترض قبل كل شيء تبلور مجتمع مدني ضمن الدولة، والمجتمع المدني هو صيغة سياسية بالأساس تقوم على مواطنة متساوية في بلد يتمتع بحريات، أو بهامش حريات سياسية في الدرجة الأولى، أوسع بكثير مما هو قائم.

إلى حين تبلور ذلك المجتمع وحتى بعده، فإنّ التمايز بين العمل السياسي المباشر والعمل المدني العام سيبقى قائماً، وستبقى الحركة من أحدهما نحو الآخر قائمة ونشطة طوال الوقت، وكذلك ستبقى صيغ التعاون مطروحة دائماً، وخاصة في اللحظات المفصلية، وربما تضمن المثال التونسي دروساً كثيرة في هذا الاتجاه.

إلى أين؟

إنّ ما نسميها الآن «أحزاباً» وما نسميه «منظمات مجتمع مدني» هي في الحقيقة بداءة أحزاب، وبداءة مجتمع مدني. 

السؤال الذي ينبغي أن يتم فرز هذه المؤسسات على أساسه هو: هل تنتمي هذه البنى القائمة - بعملها وأهدافها - إلى الماضي، أم إلى المستقبل؟ أي: هل تلعب هذه المؤسسات دور استطالة لاقتتال نخب النهب؟ أم أنها تلعب - أو تحاول أن تلعب - دور ملطف وموجه الصراع الاجتماعي السياسي بين الناهبين والمنهوبين؟

تراشق الاتهامات بين أفراد محسوبين على الأحزاب وآخرين محسوبين على المنظمات، في رأيي الشخصي، هو في جزء كبير منه ليس إلا هروباً من إجابة كل جهة على حدة عن تحديات الواقع والوظيفة الواقعية التي لم تتبلور بعد بشكل كامل بالنسبة لكل منهما.

مجتمع_مدني أحزاب منظمات ثنائيات نخب الشارع ديمقراطية تونس عقد_اجتماعي

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0