× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

بحثاً عن الحب والأمومة.. سوريات يلجأن إلى تربية الحيوانات الأليفة

حكاياتنا - خبز 04-10-2021

تُعد تربية الحيوانات الأليفة - لا سيما الكلاب - موضوعاً خلافيّاً في كثير من المجتمعات، وتزداد حدة الخلاف في مجتمعات تعاني انهياراً اقتصادياً، أو تعيش حرباً مثل سوريا. لكن ظروف الحرب نفسها تشكل حافزاً يدفع بعض السوريات إلى تربية الحيوانات، فضلاً عن دوافع نفسية أخرى

الصورة: (نادي الكلاب السوري - فايسبوك)

فقدت ريام (35 عاما) شقيقها الأصغر في الحرب منذ ست سنوات، ما أورثها فراغاً عاطفياً وندوباً عميقة، فقررت بالمصادفة تبني جرو صغير رأته في إحدى العيادات البيطرية، ليمنحها «الكثير من الحب والقدرة على تضميد جراح الفقد». 

تقول الشابة لـ«صوت سوري»: «استطاع كلبي (ليو) منحي الكثير من الحب والعطاء المجانيين، ساعدني على تجاوز الآلام حتى التئام جروح خسارتي لأخي. بإمكان الحيوانات الأليفة أن تداوي جروحنا وتشفيها».

وتضيف: «عرفت منذ اللحظة الأولى أن هذا الكائن الصغير سيضيف شيئاً جميلاً إلى حياتي، لكن الناس يسخرون من هذه الفكرة ولا يأخذونها على محمل الجد».

تقف أليسار غاضبة، وتوبخ ماركو على شقاوته وعدم إطاعته للأوامر وشجاره مع أصدقائه. تُسمعه عبارات تأنيب، وتؤكد أن الدلال قد أفسده. يكتفي ماركو بهز ذيله فرحاً بالنزهة الخارجية التي ظفر بها بعد أسابيع طويلة من ملازمة المنزل، غير مكترث بكلام مربيته. 

تقول أليسار، وهي طبيبة مختصة في أمراض القلب: «يخرج كلبي عن السيطرة حين يلتقي رفاقه، وينسى كل ما علمته إياه. أحاول دائماً منعه من العراك معهم والنباح عند رؤية الغرباء، من دون جدوى، لكنه ودود مع الأطفال».

وتضيف: «أعامله كابني تماماً. أعلمه قواعد الأدب والسلوك الجيد، وعادات النظافة الشخصية. أخشى عليه من المرض، كما أضطر أحيانا إلى تأديبه بالضرب حين يعصي أوامري، أو يقترف خطأ ما. في إحدى المرات كنا في نزهة معاً، وتمكن من إفلات حبل الرقبة والاقتراب من الشارع، شعرت بالذعر حينها إذ كادت إحدى السيارات أن تدهسه، ضربته آنذاك كي لا يعيد الكرّة». 

«يتفوهون بكلمات نابية فاضحة. البعض في مجتمعنا يُسلّم بأن الفتاة التي تربي حيواناً أليفاً تعاشره جنسياً بالتأكيد. لديهم أفكار مريضة»

لدى أمل (32 عاماً) ستة كلاب، إلى جانب طفلتها مينا، وحين يسألها أحد عن عدد أطفالها، تجيب بحب كبير: «عندي سبعة أطفال». تتحدث أمل إلى «صوت سوري» قائلة: «منذ الصغر وأنا أتمنى تربية الحيوانات، لكن عائلتي كانت تعارض الأمر، إلى أن تزوجت رجلاً لديه كلبة، فاتفقنا على تربية حيواناتنا معاً إلى جانب طفلتنا الصغيرة التي اعتادت وجود الكلاب في المنزل». 

«أمومة» وحب متبادل 

تعبر الشابة أليسار عن حبها الشديد لكلبها. مضت قرابة ثلاث سنوات منذ تبنيها له. تشرح أنها انتشلته من الضرب المتكرر، والجوع اللذين رافقاه عند صاحبه السابق «السادي».

تقول: «حين رأيت صورة ماركو على هاتف صديقي تعاطفت معه بشدة، شعرت تجاهه بالحب والحنان واللهفة، لم أتمكن من النوم لشدة التفكير في حالته، فقررت تبنيه. جاءني في حالة يرثى لها من الضعف، والقذارة، والهشاشة». 

بدورها؛ تؤكد ريام أن أحد الأسباب الكامنة وراء تربيتها لكلبها هو إحساسها الفطري بالأمومة. تقول: «نحن النساء نشعر بالأمومة منذ الصغر، إنه إحساس محفور بالجينات، غير مفتعل ولا تُمكن مقاومته».

وتضيف: «منذ خمسة أعوام اجتاحتني رغبة عارمة بتربية طفل، وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه إلا بالزواج، حين ربّيتُ كلبي تمكنت من إرضاء شعور الأمومة». 

أمّا أمل؛ وبرغم كونها أمّاً لطفلة فهي تشعر بـ«الأمومة المضاعفة تجاه كلابها». تقول: «مع مرور الوقت صاروا جزءاً من حياتي، شعورك أنهم في حاجة إليك يمدك بإحساس غامر بالحب، هم أطفالي مثل طفلتي مينا».

تلميحات جنسية وازدراء و«تنمّر»

تواجه أليسار تحديات عديدة منذ تربية كلبها، فكثيراً ما يرفض أقاربها، وصديقاتها زيارتها في المنزل بسبب وجود ماركو. 

تقول: «مرة طلب جدي وجدتي زيارتي في منزلي، وحين عرفا بوجود كلب في البيت اشترطا عليّ تركه عند إحدى صديقاتي وقت زيارتهما، لكنني رفضت، ما أدى إلى توتر العلاقات بيننا لاحقاً. لا يحق لهما أن يطلبا مني التخلي عنه فقط لأنهما لا يحبان الحيوانات المنزلية». 

ترفض الشابة رفضاً قاطعاً المساومة بين كلبها وعائلتها وأصدقائها، إلى حد أنها لا تتقبل الارتباط بشاب لا يحب تربية الحيوانات الاليفة. تقول: «إذا خيرني حبيبي بينه وبين ماركو سأختار الأخير قطعاً. عليه تقبل وجوده معي». علاوة على ذلك، تشعر أليسار بالضيق دائماً بسبب الكلمات الجارحة التي تسمعها من بعض المارة حين تصطحب كلبها. تقول: «يتعرض للتنمر كثيراً بسبب لونه، كأن يقول أحدهم: بس لو ما كان أسود. حتى الكلاب لا تسلم من العنصرية». 

ترفض أليسار الارتباط بشاب لا يحب تربية الحيوانات الاليفة، وتقول «إذا خيرني حبيبي بينه وبين كلبي ماركو سأختار الأخير قطعاً»

أما ريام فواجهت العديد من الصعوبات منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها اقتناء كلبها ليو، كتعرضها لمضايقات الشبان التي وصلت حد التلميحات والمعاكسات الجنسية. تقول بخجل: «يتفوهون بكلمات نابية فاضحة. البعض في مجتمعنا يُسلّم بأن الفتاة التي تربي حيواناً أليفاً تعاشره جنسياً بالتأكيد. لديهم أفكار مريضة».

بين «الحلال والحرام»

بدورها؛ تواجه أمل إزعاجات مضاعفةً كونها فتاة محجبة. تقول: «في إحدى المرات استوقفتني سيدة وانهالت عليّ بالملاحظات، والنصائح والانتقادات، ونظرات الازدراء. كانت تؤكد عدم جواز تربيتي كلباً وأنا محجبة، لأنني أصلي، والكلاب تبطل الصلاة، وأنني بهذا الفعل أسيء إلى الحجاب». 

وتقول فتاوى كثيرة إن تربية الكلاب محرمة في الإسلام، فيما ربطت فتاوى أخرى جواز ذلك بالهدف منه، فأباحت تربية الكلاب لأغراض الحراسة أو الصيد، أو نحو ذلك، وأباحت بعض الفتاوى تربيتها لأي غرض طالما أنه لا ينطوي على إيذاء الآخرين، أو تسبيب الذعر، وفصّل البعض في أسس وقواعد تُنظم العملية لأسباب تتعلق بـ«الطهارة، والنجاسة وغير ذلك».

لا تلقي أليسار بالاً إلى الآراء التي تدعو إلى عدم تربية الحيوانات الأليفة لأسباب دينية، وتقول بتحريمها، بل تعتقد العكس. توضح بالقول: «أعتقد أن الدين أسلم وأنقى وأكثر إنصافاً من أن يدعونا إلى معاملة الحيوانات الأليفة بقسوة».

توافقها ريام الرأي، وكذلك أمل التي تحاجج بالقول: «لو كانت الكلاب نجسة فلماذا ذكرها القرآن الكريم في سورة الكهف؟ كان هناك كلب يحرس النائمين في الكهف، وحين اكتُشف مكانهم اقترح البعض بناء مسجد في ذلك المكان»، وتضيف: «تذكر إحدى الروايات أن الرسول غّير طريق جيشه بالكامل كرمى لكلبة ترضع صغارها تحاشياً لإخافتها».

مضادات اكتئاب في «زمن كورونا»

تؤكد الفتيات الثلاثة أن حيواناتهن الأليفة كانت مصدر أُنس، وخففت عنهن الوحشة في أيام الحظر والإغلاق مع موجة كورونا الأولى. 

تقول أليسار التي تسكن بمفردها مع كلبها إنه «كان المؤنس والرفيق».

يتشابه الحال عند ريام التي تسكن بمفردها أيضاً. تقول: «ساعدني ليو على تمضية أوقات الحظر بأقل ضجر، كما أعانني على ممارسة التمارين الرياضية فترة إغلاق النوادي. كنا نتسلى معاً». 

«مصروف كلابنا ليس كبيراً، في كل شهر نشتري لها قرابة 10 كيلوغرامات من الخضار، والرقاب، والجلود المسلوخة، والعظام المطحونة بنحو 25 ألف ليرة سورية»

بدورها؛ تؤكد أمل أن كلبتها الكبرى ساعدتها على تجاوز مراحل الحمل الصعبة، والتقلبات المزاجية التي عاشتها. تقول بسعادة وامتنان: «كانت تقف عند قدمَي حين كنت أشعر بانقباضات الحمل، وتضع رأسها على بطني لتطمئن على جنيني. كانت تهتم بي، وتشعرني بالحنان والعطف. كانت تفهم من نظراتي أنني متعبة وبحاجة إلى الحب. إنها كائنات عطوفة بالفعل».

تجد الفتيات أن اللقاحات السنوية، وحبوب الطفيليات الشهرية، وعادات النظافة كفيلة بحماية الكلاب، ومن يربيها من الأمراض. تقول أليسار: «أنا طبيبة، وأعرف جيداً كيفية حماية نفسي من الأمراض التي قد تنتقل عبر الحيوانات المنزلية»، وتضيف: «إحدى الدراسات الحديثة أكدت أن لعاب الكلاب عقيم وغير مضر بالصحة، الأمر الذي يفسر نزعة الكلاب إلى لعق أماكن الجروح التي تصيب من يربيها».

نفقات وأولويات

تقتطع أليسار مطلع كل شهر مصروف كلبها قبل دفع أجرة منزلها، أو المبلغ المخصص لنفقاتها الشخصية. تقول: «أقبض راتبي الشهري ثم أشتري على الفور طعامه، ولقاحاته إن لزم الأمر».

أما ريام التي تتبع سياسة التوفير بعد أن خسرت عملها، فتقول: «قبل أن أترك العمل كنت أدلل كلبي كثيراً وأحضر له الطعام الخاص به، لكن الآن تغير الوضع، فبات يأكل من الطبخ وأحياناً أشتري له من اللحام بعض الرقاب التي تكون رخيصة الثمن».

يختلف الحال عند أمل، فمصروف كلابها يتكفل به زوجها الميسور الحال، تقول: «مصروف كلابنا ليس كبيراً، في كل شهر نشتري لها قرابة 10 كيلوغرامات من الخضار، والرقاب، والجلود المسلوخة، والعظام المطحونة بنحو 25 ألف ليرة سورية».

كلاب حيوانات نفسي أمومة حجاب تحرش خط_الفقر نساء_سوريا كورونا كوفيد19

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0