× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

حكاية رؤى: من حلم الحراك في سوريا إلى مصح نفسي في أوروبا

حكاياتنا - خبز 20-10-2021

بين اضطرارها إلى مسايرة أسرتها ومغادرة سوريا، وتعرضها إلى اعتداء جنسي في تركيا سبقه واحد في طفولتها، وعقدة الناجي التي أرّقتها في أوروبا، قطعت رؤى رحلة طويلة مليئة بالعذابات، انتهت بها في مصح نفسي بعد تهديدها لأهلها بالقتل

الصورة: (Thorsten Strasas - فليكر)

«طلع ما عندي قضية ولا أخلاق، أنا أبشع بكتير مما كنت متخيلة، بكره الكل بدون استثناء وما رح أرحم حدا، لأن رح تضلوا كذابين وأنانيين».

قد يبدو كلام رؤى (اسم مستعار) مبالغاً به لمن يعرفها. تلك «الفتاة المثالية» كما كانت توصف، التي لم تكف عن تقديم الحب والمساعدة لمن حولها، ولا عن التفكير في ضحايا الحرب، والوضع المأسوي في سوريا، إلى أن دمر ذلك حياتها لعدم قدرتها على خلق التوازن بين ما يجري هناك وبين حياتها الجديدة. 

هي «متلازمة الناجي» التي ترافق كثراً من السوريين والسوريات بعد وصول أوروبا، لكن رؤى تجاوزت هذه الحالة إلى وضع أشد تعقيداً وصعوبة. 

«حلم» لم يكتمل  

تنحدر رؤى التي تجاوزت عقدها الثاني بسنوات قليلة من عائلة حلبية، لأب معتقل سابق على خلفية أحداث الثمانينيات أمضى خمسة عشر عاماً في السجن، وخرج بعدها بجسده فقط، أما عقله فظل محبوساً في الداخل، ما حوله إلى مريض نفسي لا يقوى على مواصلة حياته بلا دواء، بكلام محدود، وعينين منكسرتين، وردود أفعال لا ملامح لها. 

كان والدها هو الأقرب إلى قلبها، خاصة بعد دخولها عوالمه من خلال مكتبته المكتظة بكتب السياسة والفلسفة. 

لعب إعجابها بوالدها، وبما قرأته في مكتبته دوراً أساسياً في حماسها للحراك الذي اندلع في البلاد، وإحساسها بأنه «حلم يتحقق». 

بعد ثلاث سنوات، قررت والدتها أن على الأسرة أن تسافر، ولم تنفع كل محاولات رؤى بإقناع والدتها بعكس ذلك. 

الخطة كانت السفر على مراحل، أولاً إلى تركيا لتمكث رؤى وشقيقتها فيها مع الأقارب، وتسافر الأم باستخدام جواز شقيقتها التي تحمل جنسية أوروبية، والأب بجواز مزور آخر.

استمرت مشاهد الحرب في ملاحقة رؤى، واستمرت هي في ملاحقة تلك المشاهد في الأخبار، وعلى الإأنترنت، ولم يكن يخلو جدار في غرفتها من رسم، أو عبارة، أو اقتباس عن الحرب

في انتظار اكتمال إجراءات لجوء الوالدين، ولم الشمل، تعلمت رؤى اللغة التركية، والتحقت بإحدى المدارس، رغم أنها لم تكن راضية عن كل ذلك، فخيارها المفضل كان البقاء في سوريا، حيث كانت حسب يقينها «خيط أمل لأشخاص كانت تساعدهم بتقديم المؤن، والأدوية، ومساعدات تقدمها مع أصدقاء شاركوها المخاطر والنجاة من الموت مرات عدة، ولم يبق منهم أحد بعد مقتل اثنين، واعتقال ثالث.  

رفض قاطع للنجاة! 

بعد وصولها أوروبا لم يكن التمتع بـ«المكان الآمن والحياة الأفضل» مصدر راحة للشابة، بل على العكس تماماً برغم انخراطها في المجتمع الجديد، وتقدمها الدراسي حتى مع عوائق اللغة. 

استمرت مشاهد الحرب في ملاحقة رؤى، واستمرت هي في ملاحقة تلك المشاهد في الأخبار، وعلى الأنترنت، ولم يكن يخلو جدار في غرفتها من رسم، أو عبارة، أو اقتباس عن الحرب.

كانت تعزي نفسها قليلاً بمبادرات مختلفة تعمل عليها لمساعدة من في الداخل، كجمع الملابس، والأموال، والمشاركة في إضرابات متكررة عن الطعام لأيام عديدة أمام مقار لمنظمات دولية، وجهات رسمية. 

بمرور الوقت، لم يعد كل ذلك مُجدياً، ودخلت الشابة في عزلة تدريجية، وراحت تتغيب عن المدرسة، وعن المنزل الذي شعرت أنه يشكل ضغطاً كبيراً لا تستطيع احتماله. كانت تشعر أن فجوة كبيرة بينها وبين أهلها تتسع طرداً مع اندماجهم في المجتمع، وانشغالهم عن الشأن السوري.

لم يصبح الحال أفضل بعد انتقالها إلى سكن شبابي. لم تعد تقبل رؤية أحد من أسرتها، باستثناء أختها الوحيدة (دينا / اسم مستعار). تخمن الأخت أن سبب ذلك مشاركتها معها في الإضرابات عن الطعام. 

حين زارت دينا أختها لاحظت أن جدران غرفتها الجديدة اكتظت أيضاً بالجمل والاقتباسات والرسوم، لكن «جدران غرفتها السابقة كانت أرحم مما شاهدته، لقد صارت الرسوم مخيفة، وغامضة». استطاعت دينا تفسير بعض الرسوم التي بدت استرجاعاً لحادثتي اعتداء جنسي تعرضت لهما رؤى، الأولى في سوريا حين كانت طفلة عمرها 12 عاماً، والثانية في تركيا. وعند سؤال شقيقتها عن الأمر، باحت لها بحجم الأذى والألم الذي تعانيه «وكأن ذلك يحدث الآن»، وبأنها تشعر بالذنب بسبب ما تعرضت له، كما تشعر بالذنب تجاه مصير أصدقائها في سوريا.

في المصح النفسي

انجرفت رؤى إلى تدخين الماريغوانا، ثم صارت تتعاطى مختلف أنواع الحبوب المخدرة إلى حد أفقدها توازنها في أي مكان كانت. أثار ذلك انتباه أختها، وأصدقائها، والمشرفين في السكن الشبابي الذين أكدوا أيضاً عدم التزامها بالقوانين، وغيابها الدائم. حاولوا كثيراً إقناعها بتلقي العلاج النفسي، لكنها كانت ترفض دائماً، وتقطع عهوداً بعدم تناول أي مادة مخدرة، وسرعان ما تنقضها. 

استطاعت دينا تفسير بعض الرسوم التي بدت استرجاعاً لحادثتي اعتداء جنسي تعرضت لهما رؤى، الأولى في سوريا حين كانت طفلة عمرها 12 عاماً، والثانية في تركيا

في أحد الأيام قرر الأهل دعوتها إلى المنزل الذي هجرته، ولبت الدعوة. فوجئ والداها عند رؤيتها بجسد نحيل، وشعر بالغ القصر رغم حبها الشديد لشعرها الطويل سابقاً، إضافة إلى يدين مشوهتين بسبب افتعال جروح فيهما، اقتربت الأم لعناقها، فأبعدتها بقوة، وقالت:
«إنتو ماعندكن ضمير، تركتوهم وطلعتو، مبسوطين هون ونسيانين كل شي، نحن السبب بكل شي عم يصير».

لم توجه كلمة واحدة إلى والدها، وحاولت ألا تنظر إليه، وعندما التقت عيونهما انهارت باكية. حاولت أختها تهدئتها، لكنها تركتها وركضت مسرعة إلى المطبخ، أحضرت سكيناً وصرخت: 
«إنتو كلكن لازم تموتو».

 بدأت الأم بتهدئتها، وموافقتها على ما تقول، والتأكيد أنهم سيعودون لمساعدة الضحايا في سوريا، أثناء ذلك اتصلت دينا بالطوارئ، فحضر فريقٌ ونقلها إلى المصح النفسي.

كانت الفترة الأولى مخصصة لتنظيف الجسم من آثار المواد المخدرة، وشُخصت حالتها بالإصابة بأمراض نفسية عديدة: الفصام، واضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب الثنائي القطب.

لم تتجاوب رؤى مع العلاج، وتفاقمت حالتها سوءاً، ولاحظ ذلك عدد من أصدقائها كانت تتواصل معهم كل فترة باسم جديد، وشخصيات جديدة تتقمصها، مذكرة ومؤنثة. يقول أحد أصدقائها عن ذلك: 

«اتصلت فيني مرة اتصال فيديو، كانت حالقة عالصفر، قلت لها: شو عاملة بحالِك (مع كسر اللام)؟ قالت لي: قصدك حالَك، شو مو شايف منيح؟ وبلشت تحكي عن الجنس والسياسة كلام ما فهمت منو شي، بعدين سكرت فجأة». 

أخيراً، وبعد مرور ثلاث سنوات على وجود رؤى في المصح، تقول أختها: «هناك أثر لكل شيء في داخلها، لكنها أصبحت أفضل مما كانت عليه سابقاً، وهناك قبول نوعاً ما لفكرة عودتها إلى مقاعد الدراسة، والاستمرار في حياة لم تردها».

عنف حلب حراك نساء_سوريا انتحار قصة_نجاة حول_العالم متلازمة عقدة اعتقال مخدرات

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0