× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

بين الأغاني والخصوم

عقل بارد - على الطاولة 20-04-2020

تخاصمتُ مع أخي منذ العام 2011. كلٌّ منّا وقف على جانب من جوانب الحكاية السّورية، لكنّني كلّما رغبت بتذكره استمعتُ إلى أمّ كلثوم «قابلني والأشواق بعينيه.. وهمسلي قلي الحق عليه». أبتسم له، وألعن الخصومة، لكنّني أُبقي عليها. تُسرّب لي أختي أنه كثيراً ما يسمع أغنية «مشتاق» لكاظم الساهر. هو يعرف أنّها أغنيتي المفضلة، لم يكن يحبّها حينها، لكنّه يسمعها الآن.

لقد شاهدت لتوي مقطع فيديو لشابّ سوريّ معارض، يتحدث عن الحب والسّياسة والنّزوح واللّجوء. حديث لشابّ يستمع إلى موسيقا صوتها منخفض، تشكل ما يوازي الموسيقا التّصويريّة في مقطع سينمائيّ.

كانت الأغنية في الخلفيّة - على الرغم من انخفاض الصوت - واضحة، ويعرفها - حسب ظنّي - معظم السّوريّين: «أحبابنا ياعين»، بصوت وردة الجزائريّة. 
لحظة تأكّدت من الأغنية، عصفت الذّاكرة في رأسي: منذ يومين كان شاب سوري مؤيد قد شاركها على أنّها «قصة يومه»! الخصمان يستمعان إلى الأغنية ذاتها، وعلى الأرجح، يتشاركان تنهيدة تكاد تكون متطابقة عند جملة «أحبابنا بالروح جاروا علينا»!
استفزني الأمر، ورحت أبحث في صفحتيهما على «فايس بوك». إنهما من الفئة التي يمكن أن نطلق عليها صفة «التّطرّف»، هذه الكلمة التي صارت توحي بالتدين الإلغائي، والراديكالية الإسلامية حصراً، فيما هي في أحد معانيها: «الابتعاد إلى أقصى حد من الطرف / الجانب الآخر». 
راجعت كثيراً مما كتبه الشابان على الموقع الأزرق، هل يوحي بعداوة بينهما فعلاً؟ لا، ليست عداوة، إنها خصومة. هناك خصومة قويّة ومفهومة، وهناك أيضاً من يريد ألا ننتبه إلى المفردات، وألا نلاحظ أن الخصومة غير العداوة.                                                    
يرغب عدوك دائماً بأن تزيد الخصومة بينك وبين أخيك، ولكنه لن يفلح بأن يجعلها عداء، لماذا؟؟ لأسباب كثيرة قد لا تكون منتبهاً إليها، من بينها أنكما تتشاركان الأغاني!
قد يبدو المثال سخيفاً، هل حقاً ما يجمعنا هو الأغاني؟ بالتأكيد ليست الأغاني هي فقط ما يجمعنا، ولكنها بدون شك قد تجمعنا. 

لقد تخاصمت مع أخي منذ العام 2011. كل منا وقف على جانب من جوانب الحكاية السورية، لكنني كلما رغبت بتذكره استمعت إلى أم كلثوم «قابلني والأشواق بعينيه.. وهمسلي قلي الحق عليه، نسيت ساعتها بعدنا ليه». أبتسم له، وألعن الخصومة، لكنني أُبقي عليها. 

تسرب لي أختي أنه كثيراً ما يسمع أغنية «مشتاق» لكاظم الساهر. هو يعرف أنها أغنيتي المفضلة، لم يكن يحبها حينها، لكنه يسمعها الآن. أعتقد أنني أعرف لماذا، ولكنّني مازلت محافظاً على الخصومة.

(هل يمكنني القول إن الخصومة هي ذلك المستنقع الذي جرفتنا إليه الأودية، وإننا لم ننتبه إلا عندما صرنا ضفادع، لا تعيدنا بشراً إلا دموع أحبتنا الذين خاصمونا وخاصمناهم؟).

كم سورياً يعرف أن حلفاءه في أي مكان من العالم، لن يفهموا ما يشعره وهو يغني، مثلما يفهمه خصمه السوري؟

في رواياتٍ عديدة، استطاعت أغنية مشتركة أن تعيد عاشقين إلى مقعد - أبدو رومانسيةً بطريقة مبالغ بها، صح؟ - أعرف أن السوريين ليسوا عشاقاً متخاصمين. نعم، أفهم، ليس الأمر بهذه الدرجة من الرومانسية، ولكن ها أنا أحاول توسيع المخيلة والمبالغة لتقريب الفكرة: كم سورياً يغني اليوم «أحبابنا ياعين»؟ كم سورياً يشعر بكلماتها بالطريقة ذاتها؟ تستفزه المفردات نفسها؟ وتدمع عينه عند جملة بعينها؟

كم سورياً يسمعها ويحبها، ولن يكرهها حتى ولو عرف أن خصمه يسمعها أيضاً؟ 

كم سورياً يعرف أن حلفاءه في أي مكان من العالم، لن يفهموا ما يشعره وهو يغني، مثلما يفهمه خصمه السوري، ابن جلدته القريب؟

كلنا خسر أحبة، يتشارك السوريون في فراق الأحبة! ألا تكفي هذه الشراكة لحقن الدم؟
قرأت نصاً لشاعرة سورية، كانت تتساءل في النص: ما عقوبة أن تتشارك حب أغنية مع قاتل؟
إنه حقاً تساؤل مُلهم، سألت نفسي وأنا أبحث عن عقوبة منطقيّة، ماذا أريد من القاتل؟ هل أريد أن يتوقّف عن القتل من أجل عالم أكثر سلاماً؟ أم أريد أن أقتله انتقاماً؟ 
إذا كنت أريد أن أوقفه عن القتل، فلقد عثرت على سلاح ممكن لتوي: الأغنية. سأبدأ الآن وحالاً، سأبحث في مشاعره عن شيء يحيي ذاكرة طيّبة، تُذكره بأنّه صار قاتلاً ضمن سياقٍ بشع يستطيع العودة عنه. 

أمّا إذا كنت أريد قتله، فهذه ليست مهمّة الأغاني، البندقيّة المركونة خلف الباب تفي بالغرض، وهنا سأسأل: مافائدة أن نتشارك الأغاني؟؟
الأغاني تذكّرنا بأنّنا بشر، ما يؤلمنا يؤلم الآخرين، ما يفرحنا يفرحهم.

الأغاني السّورية تُذكرنا بـ حُب سوريّ، ووجد سوريّ، ونهر سوريّ، وساقية سوريّة، وجيل سوريّ، وناعورة سوريّة، وجسر سوريّ، وساحات سوريّة.

الأغاني سلاح في وجه النّسيان، وكتلة وجدان لاينبغي أن نهملها.
يقول محمود درويش «نُغنّي لنلهي المسافة عنّا». أمّا أنا، فأحلم بأن نغنّي لنلغي المسافة بيننا.
بينما كان الغناء سلاحنا في وجه الوقت والوحشة، كان رفيق دربنا كي لا نخاف. قد يصبح رفيقَ بُعدنا كي نرجع، وخصومتنا كي نَحِن، وغضبنا كي نصفح، إنّه الرفيق الذي يُذكّرك بأنّك مشتاق.

لا يزال هناك أمل بأن تحيينا الأغاني التي حفظناها معاً، وعلينا ألا نسمح لها بأن تموت. لتفهمَ خصمك، من الجيّد أن تبحث عن الأغاني التي يحبّها، ثمّ عليك أن تسمعها، وتشعر معه.


هامش

لقد جلسا مُتقابِلَين، الكثير من الحرس حول المكان، فالجميع يخاف أن ينقضّ أحد الخصمين على الآخر. الجميع يعرف أنّهما يحبّان أغنية «ماتفوتنيش أنا وحدي»، كان الصمت يسود المكان، فجأة تمّ تشغيل مكبّر الصّوت، سيّد مكّاوي يغنّي، الخصمان يتلفتّان حولهما، يتفاديان أن تلتقي نظراتهما، كلاهما يخفض رأسه، يدندن مع الأغنية، ثم يتذكّر أن هذا ليس وقت الأغاني، يعود إلى جديّته، ثم يعلو الصوت «لكن لإيمتى، لحد إمتى، نبقى حبايب، ومش حبايب». 
يتذكّران قصّة حب فاشلة، يتأوّهان ثم يتذكّران أن لا وقت للأغاني، يشردان مع الأغنية، ويبحثان عن مخرج من العاطفة، لكنّها تطغى.

ينخفض صوت المسجّل، ينظر أحدهما إلى الآخر، فيجده ينظر باتجاهه. بعبارة طاغية يبدأ الحديث: «حلوة هالغناية».
- قطع -

2011 تطرف قاتل السوريون حماة اللجوء معارض مؤيد

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0