× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

تجربة رواندا: اللامركزية في ميزان التنمية وتقديم الخدمات

عقل بارد - شعوب وحروب 19-02-2022

لعب التحول إلى اللامركزية في رواندا دوراً أساسياً في تعزيز التنمية وتوزيعها على مختلف مناطق البلاد، كما عزز التنسيق بين المسؤولين المحليين، وخلق جواً تنافسياً، ما جعل رواندا حالة لافتة للغاية في القارة الأفريقية، برغم أنّ تأثير اللامركزية في الحد من الفقر يكون مخيباً للآمال في كثير من الأحيان

الصورة: (برلمان رواندا / atulinda Images - فليكر)

تشير البيانات المستمدة من العديد من الوثائق الأممية والمحلية إلى مستويات متعددة من التغيير الإيجابي في مؤشرات رواندا الصحية والاقتصادية، والتنموية، وبشكل أساسي في مجالي تقديم الخدمات، والحد من الفقر.

وبرغم أن التفاوتات الطبقية لا تزال حاضرة في البلاد، فقد ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.8 في المئة في المتوسط سنوياً بين العامين 2000 و2015، بحسب الكتاب السنوي للبنك الدولي (World Bank, World Development Indicators). وتعدّ رواندا واحدة من البلدان القليلة التي حققت معظم الأهداف الإنمائية للألفية.

ويُلاحظ أن مشاركة المرأة في الحياة العامة قد حقق في رواندا نسبةً تفوق نظيرتها في كثير من «الدول المتقدمة»، ووفق بيانات البنك الدولي شغلت النساء 64 في المئة من مقاعد البرلمان الرواندي في العام 2014، وفي العام 2019 كانت رواندا واحدة من بين تسع دول في العالم تشغل النساء فيها نسبة النصف أو أكثر من المناصب.

أما على مستوى تقديم الخدمات الصحية فقد حصلت تحسينات كبيرة. على سبيل المثال، بين العامين 2000 و2014 انخفض معدل وفيات الأمهات من 1071 إلى 210 حالة وفاة لكل مئة ألف ولادة حية، في حين بلغ المعدل للعام 2020 ما نسبته 99 حالة وفاة لكل مئة ألف ولادة حية، كما انخفض معدل وفيات الرضع من 107 إلى 32 لكل ألف ولادة حية، وارتفعت نسبة الالتحاق بالمدارس من 72.6 إلى 96.8 في المئة.

كان لتزويد الحكومة المركزية الحكومات المحلية بموارد للاستفادة منها على الصعيد المحلي الخدمي دور كبير في تقريب الخدمات من السكان، وتحقيق نسب استفادة كبيرة منها، وهو ما أعطى اللامركزية دوراً رئيسياً في التقدم التنموي.

مقار المقاطعات الثلاثين في البلاد هي الآن حكومات صغيرة في حد ذاتها بعد إصلاح العام 2014، وتشرف على التعليم، والصحة، والزراعة، والبنية التحتية، والمياه، والصرف الصحي، وتنمية القطاع الخاص، والحماية الاجتماعية، والرياضة، والثقافة. وهي المسؤولة عن القطاعات (umurenge) التي تعتبر الوحدات الإدارية الرئيسة لتقديم الخدمات، والإشراف على المدارس، والمراكز الصحية. 

تولّت الحكومة المركزية أيضاً تمكين القوى العاملة المحلية (بمن في ذلك موظفو/ات الحكومات المحلية) كي تتمكن من الوفاء بولايتها الوظيفية.

وبات مطلوباً من جميع موظفي وموظفات المقاطعات، وبعض القطاعات حيازة شهادة جامعية، والهدف ليس فقط وجود موظفين وموظفات مهرة، بل أيضاً تعزيز قدرة الإشراف الفعال على مقدمي الخدمات. 

على سبيل المثال، منذ العام 2013 طُلب من مديري الوحدات الصحية في المناطق الحصول على درجة الماجستير، في خطوة للقضاء على أي عقدة نقص تتعلق بمستوى تعليم المديرين تجاه الطاقم الطبي (خاصة الأطباء) ما قد يعيق الإشراف الفعال، كما تم تمكين المسؤولين المحليين من حيث الرواتب والوضع في الخدمة المدنية، وﻷجل ذلك يتمتع العُمد (mayors) بدرجة أمناء وزاريين دائمين، في حين يتمتع السكرتير التنفيذي لكل مقاطعة برتبة مدير عام مركزي في الدولة.

يُلاحظ أن مشاركة المرأة في الحياة العامة قد حققت في رواندا نسبةً تفوق نظيرتها في كثير من «الدول المتقدمة»، ووفق بيانات البنك الدولي شغلت النساء 64 في المئة من مقاعد البرلمان الرواندي في العام 2014

يبلغ عدد الأمناء التنفيذيين للقطاعات 416، ويتقاضى الجميع رواتب متماثلة، أما رؤساء البلديات فتقل رواتبهم على سلم الرواتب عن رواتب أمناء الوزارات.

بشكل عام، يُظهر هذا التزاماً حقيقياً بتمكين المقاطعات، خلافاً لما هو الحال في دول كثيرة تعتمد اللامركزية لكنّ حكوماتها المركزية تُظهر تقصيراً أو تردداً كبيراً في منح الحكومات المحلية الموارد الكافية. 

لقد صارت الخدمات في متناول السكان بالفعل، ولم تعد هناك حاجة للسفر إلى كيغالي (عاصمة البلاد) أو حتى إلى عواصم المقاطعات كما الماضي للحصول على وثائق، أو نحو ذلك من الخدمات.

مع كل قدرات المقاطعات، لكنها تبقى أشبه بأدوات تنفيذ وتخديم كبيرة، ولا يزال دورها في التخطيط محدوداً، إذ يحتفظ المركز بمعظم السلطة لتقرير الأهداف التي يجب أن تحققها المقاطعات، بعد مشاورات التخطيط السنوية مع المقاطعات. كذلك تتمتع المقاطعات بسلطة تقديرية محدودة بشأن استخدام الأموال، في حين أن نحو 80 في المئة من تحويلات الحكومة المركزية تأتي في شكل أموال مخصصة لأنشطة محددة معروفة، تتعلق أساساً بتقديم الخدمات.

تمتلك المناطق هوامش كبيرة لجهة تشييد البنية التحتية، مثل بناء المدارس، وتتمتع المقاطعات بحرية تقرير ما ستبنيه، وأين تبنيه، باستخدام كتلة رأس المال الخاصة بها، كما تظل المقاطعات حرة في تحديد إنفاق ما تجمعه من إيرادات محلية.

معيار الحكم الموجه نحو النتائج

تزامن تطبيق اللامركزية مع تعزيز قاعدة للحوكمة موجهة نحو النتائج، وكانت الأداة الرئيسة لذلك هي عقد أداء العمدة السنوي (imihigo)، وهو أداة لتحقيق تطلعات التنمية الوطنية. 

ووفقاً للموقع الرسمي فإن هذا المعيار هو «التزامات تم التعهد بها بين فخامة رئيس جمهورية رواندا وبين الوزارات / المجالس والمقاطعات، ويُقيّم مدى تنفيذ Imihigo كل عام من قبل المعهد الوطني للإحصاء في رواندا (NISR)». النسخة الأحدث من هذا التقرير هي نسخة 2019 – 2020، وهي الثالثة منذ أن بدأت حكومة رواندا تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتحول (NST-1) في العام 2016. (أي بعد 16 عاماً من بدء تطبيق اللامركزية).

يعتبر معدل اﻷداء المرتفع لرؤساء البلديات شهادة على أهمية الأداء بوصفه معياراً في عملية تناوب السياسيين، وبقائهم في الواجهة السياسية والاجتماعية، ومنذ العام 2006 عندما أعيد تصميم الإدارة المحلية وتنفيذ imihigo، حتى العام 2018، تمكن اثنان فقط من رؤساء البلديات من إكمال فترتيهما الكاملتين (خمس سنوات) دون طردهما!

برغم أن التفاوتات الطبقية لا تزال حاضرة في رواندا، فقد ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.8 % في المتوسط سنوياً بين العامين 2000 و2015، وتعدّ رواندا واحدة من البلدان القليلة التي حققت معظم الأهداف الإنمائية للألفية

هذا المعيار (الذي ينتج عنه ضغط حقيقي من أعلى إلى أدنى) يحمل جانبين متضادين: الإيجابي أنه خلق في البلاد ثقافة «إنجاز الأشياء» التي تغلغلت في أجهزة الدولة، وفي قطاعات مثل الصحة والتعليم، وقد ساهمت هذه الثقافة في تغيير وتعديل توجهات وأفكار المسؤولين المحليين وتوجيهها نحو النتائج.

أما الجانب السلبي فأنه أوجد «حوافز ضارة» لتنفيذ صارم، إذ بات تركيز المسؤولين المحليين منصبّاً على الوصول إلى الأهداف المحددة بدقة من قبل المركز، بدلاً من التركيز على تلبية احتياجات السكان المحليين. 

اللامركزية والعمل الجماعي

تتمثل الآلية الثالثة التي تدعم اللامركزية من خلالها التنمية الاقتصادية وتقديم الخدمات، في «تعزيز تنسيق خدمات الدولة على المستويات المختلفة». 

في رواندا لم تُنقل المسؤوليات ببساطة من الوزارات التنفيذية إلى المكاتب المحلية، بل تم تجميعها تحت مسؤولية حكومات المقاطعات، وحُلت مشكلات العمل الجماعي المرتبطة بتقديم الخدمات.

تدفع المقاطعات رواتب العاملين والعاملات في قطاعات الطب والتمريض والتعليم، وتشرف على المراكز الصحية والمستشفيات والمدارس، وكل ما يرتبط بها.

على سبيل المثال، كما لوحظ في المقاطعة الجنوبية، فإن التوعية في المدارس بالتأمين الصحي المجتمعي (mutuelle) يسهّلها أن كلاً من الخدمات التعليمية والصحية، هي من مسؤولية المقاطعات.

في اللامركزية، يلعب «تأثير التنسيق» دوراً كاملاً، وتُتنج التنمية بشكل مشترك مع السكان، إذ تتمتع المقاطعات بقدرة أفضل على إشراك السكان في إنتاج الخدمات والبنية التحتية، أما في غياب اللامركزية، فقد يعيق التنسيق بين السلطات المحلية المسؤولة عن تعبئة السكان، وبين الوزارات التنفيذية، ويؤدي إلى نقص وتأخّر، أو تراجع الخدمات، وضعف المشاركة الأهلية في عملية إنتاجها.

يتبع

أُنجز هذا المقال بالاستفادة من عدد من المقالات والنقاشات والتقارير الخاصة برواندا، وبشكل أساسي من نقاشات واردة في كتاب:

«Aiding Violence: The Development Enterprise in Rwanda. by Peter Uvin. 1998» - تحميل الكتاب

الحرب_الأهلية_في_رواندا الهوتو_والتوتسي خطاب_الكراهية_في_أفريقيا مجازر_رواندا اللامركزية_في_رواندا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0