الاستماع إلى المقال
الصورة: (الرئيس هاشم الأتاسي، ورئيس الحكومة فارس الخوري وممثلو الهيئات المسيحية/أرشيف المتحف الفوتوغرافي السوري)
يروي الباحث السوري محمد أمير ناشر النعم، في مدونته الشخصية، أنه كان سنة 1985 طالباً في الصف العاشر في الثانوية الشرعية حين اشترى كتاب «شرح مجلة الأحكام العدلية» لمؤلفه اللبناني سليم رستم باز، الذي تبين أنه مسيحي وليس مسلماً.
تعكس هذه القصة بعض الملامح التي كانت سائدة في تاريخ «سوريا الكبرى» في ما يخص الطائفية، إذ لم تكن جميع فصول التاريخ الطائفي للمنطقة قاتمة اللون. وقد تعطي صورة عن ذلك قصص ثلاثة مسيحيين فقهاء يشهد لهم معاصروهم باطلاعهم الواسع على تفاصيل التراث الفقهي الإسلامي: الشيخ بشارة الخوري الفقيه (شخص آخر غير الشاعر بشارة الخوري، وغير الرئيس اللبناني الأول بعد الاستقلال بشارة الخوري)، وسليم رستم باز، وفارس الخوري.
مسيحي في بعثة فقهية
تدلل المعلومات التاريخية الشحيحة المتوافرة عن الشيخ بشارة الخوري الفقيه (1805-1886) على تنامي ظاهرة البعثات العلمية التي كان يرسلها المسيحيون إلى سوريا خلال الحكم العثماني لدراسة الفقه الإسلامي أو الشريعة.
تمكن الاستفادة من المعلومات التي ذكرها مارون عبود في كتابه عن بشارة الخوري رئيس لبنان الأول بعد الاستقلال. فالشيخ بشارة الخوري الفقيه، الجد الأقرب للرئيس اللبناني، عرف بـ«القاضي العادل الذي ترفع عن الطائفية يوم كانت تسوق الناس بعصاها»، بحسب ما يذكره عبود (كتاب الشيخ بشارة الخوري - الطبعة الأولى بيروت 1950).
لم تكن جميع فصول التاريخ الطائفي للمنطقة قاتمة اللون، وهذه قصص ثلاثة مسيحيين فقهاء يُشهد لهم باطلاعهم على التراث الفقهي الإسلامي
ينتمي الشيخ بشارة إلى أسرة مشايخ بني صالح الخوري، من رشميا في قضاء الشوف بلبنان، وقد تقربت الأسرة من الأمير حيدر الشهابي الذي عينه العثمانيون والياً على جبل لبنان بعد انعدام وجود وريث من سلالة المعنيين في القرن السابع عشر. أقطع الأمير حيدر للجد الأبعد للأسرة قرية رشميا و«رفع (عن أسرته) المال الأميري وترك له الجزية»، وفقاً للمرجع ذاته.
أما الخوري الفقيه، فـ«أرسله الأمير بشير الكبير إلى طرابلس لدراسة الفقه الإسلامي على أيدي علمائها، وبعد انقضاء الدراسة لازم الأمير مدة كان فيها مستشاره القانوني، ثم عُين قاضياً للنصارى في قائمقائمية الدروز، ثم مستشاراً في مجلس المحاكمة الكبير في عهد متصرفية لبنان».
مسيحي يشرح أكبر مجلة فقهية
في قصة أخرى، يعزو العلامة الحقوقي سليم بن رستم باز (1859-1920) إقباله على تأليف شروح للقوانين العثمانية المستمدة من الفقه الحنفي إلى «الغيرة الوطنية»، بحسب ما يؤكده في الصفحة الثالثة من كتابه «شرح قانون المحاكمات الحقوقية» (بيروت 1911) . وقدم باز واحداً من الشروح الشهيرة لـ«مجلة الأحكام العدلية»، وقد لاقى شرحه «حسن القبول عند فقهاء العصر وعلمائه»، وفق المرجع ذاته.
أتبع باز ذلك بشرح لقانون المحاكمات الحقوقية، وهو أمر يعلل إقدامه عليه بأنه «شديد الارتباط بمجلة الأحكام العدلية، إذ لا يخفى أن المجلة إنما جمعت الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية بوجه الإجمال. أما كيفية إجراء هذه الأحكام وإخراجها من حيز القول إلى حيز العمل، فيتكفل توضيحهما قانون المحاكمة الحقوقية».
من «أوراق فارس الخوري» الكتاب الأول - الصفحة 285
وباستثناء بعض المؤلفات المطبوعة، وخاصة شرح المجلة، لا يمكن العثور على معلومات كافية حول باز سوى ترجمة موجزة أوردها خير الدين الزركلي في كتابه «الأعلام» (دار العلم للملايين، الطبعة السابعة 1986)، وفيها أن باز «ولد في بيروت، وتعلم في مدارسها، ثم احترف المحاماة وتقلب في مناصب القضاء، وله 39 مصنفاً أكثرها قوانين ترجمها عن التركية».
حين لبس الخوري العمامة!
القضية الأكثر إثارة حول نظرة بعض مسيحيي سوريا إلى الفقه الإسلامي تتعلق بالسياسي السوري الشهير فارس الخوري (1877-1962) الذي كان «عالماً بالفقه والقرآن والحديث»، بحسب ما يؤكد محمد الفرحاني في كتابه «فارس الخوري وأيام لا تنسى» (بيروت 1965).
يرصد الفرحاني، وهو صحافي من دير الزور لازم فارس الخوري في أيامه الأخيرة، تفاصيل مثيرة حول نظرة الخوري إلى الإسلام بصفته نظام حكم يمكن تطبيقه «لتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الشيوعية»، بل ويذهب الفرحاني أبعد من ذلك عبر تأكيده أن الخوري حاول بناء علاقة جيدة بجماعة «الإخوان المسلمون».
يعتمد الصحافي الذي كان منتمياً إلى «الجماعة» توصيفاً قد يحمل شيئاً من المغالاة، إذ يقول إن الخوري «حاول التقرب من الجماعة، ودعاهم إلى تسلم حكم سوريا». ينسب الفرحاني في كتابه المذكور إلى الخوري قوله: «من الضروري تسليم الحكم لجماعة الإخوان ليقيموا حكم القرآن والسنة في الأمة، انطلاقاً من المقايسة بين مختلف الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية».
نزل الخوري من الطائرة وسأل ابنه عن طربوشه، كان الابن قد ترك الطربوش في البيت. تقدم الشيخ محمد بهجت البيطار وخلع عمامته وناولها لفارس الخوري قائلاً: أنت أولى بها
أيضاً يورد الفرحاني - على عاتقه - أن الخوري قال في حضور عدد من زواره وبينهم القس البروتستانتي داود متري: «أنا مسيحي ولكنني أجاهر بصراحة أن عندنا النظام إسلامي، وبما أن الدول العربية المتحدة بأكثريتها الساحقة مسلمة، ليس هناك ما يمنعها من تطبيق المبادئ الإسلامية في السياسة والحكم والاجتماع».
تمكن ملاحظة أن الخوري ينطلق من مرتكز يغلب فيه حسه الحقوقي، وفهمه لتركيبة السكان في سوريا، كما يغلبه حسه السياسي في المرتكز الثاني الذي يتمثل في إثارة العاطفة الدينية في الأمة الإسلامية التي إن «أثيرت بأفرادها... بشكل جيد وأحسن تسييرها فباستطاعتها أن تغير مجرى التاريخ».
على أية حال، لم يكن الفرحاني المصدر الوحيد الذي نقل عن فارس الخوري مواقف من هذا القبيل، بل ينطبق الأمر على مصادر عديدة، من بينها رموز في «الجماعة» من أمثال الشيخ علي الطنطاوي.
من «أوراق فارس الخوري» الكتاب الأول - الصفحة 96
ترى بعض المصادر أن بعض ما يُنقل عن الخوري لا يعدو كونه قصصاً غير مثبتة اكتسبت «مشروعيتها» من كثرة التداول، ولعل أشهرها الحادثة المتداولة عن أن الخوري قد خطب يوماً على منبر الجامع الأموي، وقال «إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي أطلب الحماية من شعبي السوري، وأنا من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله». برغم ذلك، ثمة معطيات عديدة مثبتة في سيرة فارس الخوري تدلل على مناخ مغاير لما ساد في منطقتنا في العقود الأخيرة لجهة العلاقة بين الأديان والطوائف، منها مثلاً أن الخوري كان وزيراً للأوقاف الإسلامية حين شكّل الحكومة في العام 1944، ومنها أنه كتب مقدمة لكتاب «الشرع الدولي في الإسلام» الذي كتبه الباحث محمد الأرمنازي ويدور حول تكون الدولة الإسلامية.
فضلاً عن ذلك، يلفت الانتباه أن حفيدة الخوري الأديبة السورية كوليت التي حررت ونشرت مذكراته في سلسلة من ثلاثة كتب بعنوان «أوراق فارس الخوري» قد ضمّنتها صوراً تجمع الخوري والفرحاني، من بين صور أخرى كثيرة. (الكتاب الأول، الكتاب الثاني، الكتاب الثالث)
في الكتاب نفسه، تورد كوليت في أحد الهوامش قصة تعود إلى العام 1949، تقول فيها ما نصه: «من القصص المشهورة والجميلة والمنشورة أن فارس الخوري عندما عاد من هيئة الأمم مطلع سنة 1949 وكان قد مثل سوريا والعرب والعالم الإسلامي أحسن تمثيل وشهد له العالم بذلك، زحفت دمشق من رئيس الجمهورية إلى أصغر مواطن لاستقباله في المطار، وعندما نزل فارس من الطائرة سأل ابنه سهيل عن طربوشه، لكن سهيل كان قد ترك الطربوش في البيت. وهنا تقدم الشيخ محمد بهجت البيطار وخلع عمامته وناولها لفارس الخوري وسط أمواج التصفيق قائلاً: أنت أولى بها».