يحرص كُثرٌ من المارة بساحة الساعة وسط مدينة إدلب، شمالي سوريا، على التوقف عند «بيت المونة». هناك يقابل الحاج عبد الرحمن شيخ الدبس زوّاره بابتسامته المعروفة.
يجلس أبو أحمد أمام باب محله، يقطع الخُضَر ويقدّم إلى زبائنه وجيرانه ما تبدع يداه. يقول: «هذه الضيافة هي بركة المحل، ثم إنني آخذ رأيهم حول المنتج، خاصة أن جيراني هم ستر وغطا عليّ وعلى محلي».
كان شيخ الدبس قد ورث المهنة أباً عن جد، إذ تعلمها في حلب، وهي مسقط رأسه، قبل أن ينتقل للإقامة في إدلب قبل أكثر من 25 عاماً، حيث استقر وعمل وافتتح العام 2006 «بيت المونة» الذي أضحى معلماً تجارياً يواصل نشاطه إلى اليوم، ويعلم المهنة لأبنائه وعائلته.

يُعرف عبد الرحمن في المدينة بأسماء منها «رحمو»، و«شيخ الدبس». أما «أبو المونة»، فهو اسمه الأشهر، وأطلق عليه كونه اشتهر بتحضير جميع أنواع المؤن «بحب وطيبة نفس»، وفق قوله.
تبدأ مواسم «أبو المونة» باليبرق (ورق العنب)، وبعده تأتي الملوخية، ثم الـ«أرضي شوكي»، ودبس البندورة، ثم الفليفلة ودبس الرمان. يشرح: «لكل فصل منتجاته وموسمه، ففي الصيف يزداد الإقبال على المشروبات خاصة التوت الشامي. أما في الشتاء، فيزداد الإقبال على المربيات كالمشمش واليقطين والورد والفريز».

غير أنّ موسم المخللات يظل المفضل لدى شيخ الدبس، إذ يبدأ الموسم في نيسان ليستمر طوال العام. في الصيف، يُقبل الزبائن على مخللات الخيار، والفليفلة، والقتّة (القثّاء). أما في الشتاء، فيحضر مخلل اللفت، ومخلل العجور.

يفتخر «أبو المونة» بأن محله يحظى بشهرة واسعة في إدلب، ولا سيما منتجه المتميز «مية الحصرم» أو «حمض الحصرم» إضافة إلى خل التفاح الذي يطلبه الزبائن لحرق الشحوم به بسبب صفائه ونقاوته.

كما كل مناحي الحياة، لا بد للحرب أن تترك بصمتها، إذ أثرت المعارك التي استمرت سنوات في مهنة عبد الرحمن، فحرمته الحصول على بعض الخُضَر مثل بندورة حوران، وتفاح الزبداني، وتين كفرنبل. صار يستعيض عنها بأخرى يستوردها من تركيا لكنها لا تعطي الجودة ذاتها.
«ما باليد حيلة وكلنا أمل أن يفرج الله علينا وعلى بلادنا»، يقول «أبو المونة» وهو يقلب يديه.
مع ذلك، أسهمت موجات النزوح إلى ادلب في توسيع إنتاجه، وأدخل التنوع الاجتماعي الذي وفرته فسيفساء النزوح أصنافاً جديدة إلى قائمة منتجاته، أهمها الأطعمة الشامية والحمصية التي لاقت إقبالاً كبيراً من الوافدين، وبعض أبناء المنطقة.