الصورة: (ILO - فليكر)
تصف مي تجربتها في المرحلة الثانوية الخاصة بالفتيات بأنها مرحلة «الانطلاق والحرية» لكن بالمعنى السلبي، فالوقت مساحة للتسلية والضحك فقط.
تستذكر الشابة التي انتقلت حالياً لدراسة الصيدلة: «بعد مدة من بدء الدوام تبدأ الفروق بين الفتيات وبيئاتهنّ بالتوضح أكثر، وقد كنت أشعر بأن المدرسة مكان للاستعراض والتنمر من جهة، ومن جهة ثانية بيئة لزيادة عقد الخجل والانكفاء على النفس».
تستجيب وزارة التربية والتعليم في سوريا في مطلب الفصل بين الجنسين لرغبات البيئة العائلية المحافظة، رغم أن مثل هذا الإجراء «لم تنتج منه أي فوائد تعليمية»، وفق متخصصين، بقدر ما كرس الصورة النمطية للمرأة في المجتمع، ودفع الفتيات نحو الاهتمام بأنوثتهنَّ بالمعنى التقليدي، وبشكلهنَّ على حساب الدراسة والعمل.
تساهم بيئة الفتيات في هذه البلاد في انتشار عدوى الأفكار التقليدية، فيما تغيب عن المدارس الموحدة الجنس أي ضوابط صارمة للسلوكيات الخاصة، لا سيما أن غياب الجنس الآخر يقلص الضوابط على السلوك الفردي.
وعلى الجهة المقابلة، يسهم التعليم المختلط في سعي كل جنس إلى محاولة الظهور بأفضل حال أمام الآخر.
تستجيب وزارة التربية السورية لأفكار محافِظة طاغية في المجتمع عبر الفصل بين الجنسين
تقول ريما التي لم تتح لها فرصة الدراسة المختلطة، بعدما قضت سنوات طفولتها ومراهقتها في مدارس خاصة بالفتيات: «فضّل والدي أن أترك المدرسة على أن ألتحق بمدرسة مختلطة... لم أجد فرقاً كبيراً بين حياة المدرسة وحياة عائلتي المحافظة، فالكادر التدريسي كان بأكمله من النساء اللواتي كنَّ شديدات في ما يخص الأخلاق وفق رؤيتهن، وضرورة عدم اختلاطنا بالجنس الآخر، فتأقلمت مع ذلك، وصرت أشعر بأنه طبيعي، ثم تزوجت بعد حصولي على الشهادة الثانوية بأحد أقاربي».
أما حلا (31 عاماً)، فتتحدث عن تأثيرات عدم اختلاطها المسبق بالشباب في شخصيتها ضمن بيئة العمل. تقول: «استغرق مني الأمر ما يقارب ثلاث سنوات لأجيد التعامل مع الجنس الآخر، أو حتى أن أتقبل وجود زملاء ذكور في مكان عملي... في البداية كنت أخجل من الحديث معهم، وأشعر بأن ذلك ينتقص من أنوثتي ويمس أخلاقي، أما الآن فأشعر بأنني خسرت الكثير من الوقت للتعرف إلى الرجال وطرائق تفكيرهم».

في هذا الإطار، يرى المعالج النفسي أنس الحلبي أن الفصل بين الجنسين في المراحل التعليمية قد «يعزز لدى الفتيات عقد الخجل والنقص وتقدير الذات، والخوف من الجنس الآخر، فضلاً عن زيادة التعلق بالأقران من الجنس ذاته بطريقة غير سليمة».
أما الشبان، فقد يساهم «عدم المعرفة بطبيعة الفتيات في الفشل في تشكيل علاقة سليمة مع الفتيات على صعيد الزمالة، أو حتى الزواج والارتباط».
يواصل الحلبي: «الاختلاط ضرورة في المراحل العمرية المبكرة من أجل بناء علاقة سليمة والتفاعل بشكل صحي بين الجنسين، ونحن عبر عملية الفصل هذه نخلق مجتمعاً غير موجود، فلا وجود لمجتمع أنثوي أو ذكوري بشكل كامل، لأن طبيعة المجتمع تحتم الاختلاط».
فوق ذلك، ترى مريم وهي مدرسة لغة فرنسية في مدارس دمشق أن الفصل بين الجنسين «يعرقل التحاق الطالبات (وأحياناً الطلاب) بالمدارس، فبعض الآباء يرفضون التحاق بناتهم بمدارس مختلطة حتى إن كانت قريبة من مكان سكنهن».
تقول مريم: «تنقلت بين مدارس مختلطة ومدارس الجنس الواحد لسنوات عديدة، ولاحظت أن الفصل بين الجنسين يؤدي إلى تراجع المستوى التعليمي والفوضى، لكن اختلاط الطلاب يحفز دافعاً للمنافسة بهدف نيل الإعجاب والإحساس بالنجاح، بالإضافة إلى الانضباط الذي يفرضه وجود الجنسين من أجل صورة كل منهما أمام الآخر».