يضطر ياسر بطحيش الذي يسكن مدينة الباب في ريف حلب الشرقي إلى شراء المياه من صهاريج التوزيع التجارية، فهو وآلاف السكان لم تصل المياه النظيفة إلى بيوتهم منذ العام 2017. آنذاك، تضررت شبكات النقل خلال معارك طرد تنظيم «داعش» المتطرف من المدينة، ولم تجد إلى اليوم من يصلحها.
يقول بطحش: «لا يتجاوز راتبي الشهري من وظيفتي الحكومية هامش 900 ليرة تركية (نحو 50 دولاراً)، ولا يكاد يغطي احتياجات أسرتي، ومع ذلك نتحمل عبء توفير مياه الشرب التي يصل سعر الخزان الواحد منها المكوّن من 10 براميل إلى نحو 50 ليرة تركية أدفعها مرتين أسبوعياً... يكلفني ذلك شهرياً نحو 400 ليرة، أي ما يعادل نصف راتبي للمياه فقط».

معاناة مضاعفة
أما نور عبد الغني، وهو نازح من مدينة سراقب (ريف إدلب) ويسكن في الباب، فبدأ شراء مياه الشرب لأسرته بـ«البيدون»، وهي عبوة من البلاستيك مخصصة لنقل المياه. يسكن عبد الغني مع أسرته في منزل صغير في أحد الأحياء التي أُنشئت حديثاً في محيط مركز الباب لاستيعاب موجات النزوح، وتفتقر تلك البيوت ذات الطابع العشوائي إلى المياه والكهرباء وتمديدات الصرف الصحي، ما يضطره وسكان الحي إلى شراء الماء مرتين أسبوعياً.
لا يستطيع الرجل تحمل تكلفة الصهاريج، فيشتري مقدار حاجته بـ«البيدون». يقول: «أعمل في المياومة وأحصل على دخل يومي لا يتجاوز 50 ليرة تركية وبشكل غير منتظم، فكيف يمكن أن أوفر الماء لعائلتي؟».
وتفرض الأزمة نفسها بشكل مضاعف على السيدات، لا سيما ربات البيوت اللواتي يولين اهتمامهنّ لتفاصيل إضافية. تقول ياسمين، وهي ربة منزل «ارتفاع درجات الحرارة يزيد من معاناتنا، وتزيد معه حاجتنا إلى المياه، للشرب والتنظيف وغسيل الثياب، وبشكل خاص لنظافة الأولاد».
وتضيف: «شح الماء يسهم في انتشار الأمراض والأوبئة بين الأطفال».

تصل مياه الصهاريج إلى الباب من منطقتي سوسيان وبزاعة، وبسبب المسافة الطويلة التي تقطعها العربات يصل سعر 10 براميل سعة ألفي لتر إلى 50 ليرة تركية، في وقت يعاني أكثر من 300 ألف مدني من انقطاع المياه النظيفة، فضلاً عن تضرر أكثر من 4500 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، ما يعني أن الآلاف فقدوا مصادر رزقهم.
أزمة متجددة
تشتد أزمة المياه في مناطق شرقي حلب خلال فصلي الصيف والخريف، فيما تشهد استقراراً نسبياً خلال الشتاء والربيع.
وفق المهندس مصطفى الأخرس، وهو مدير شركة المياه في الباب، 70 % من أحياء المدينة تحصل على مياه الشرب مرة واحدة أسبوعياً لمدة ساعتين، وبطبيعة الحال لا تغطي تلك الكمية احتياج السكان، بينما لا تحصل 30% من الأحياء على المياه مطلقاً.
يشرح الأخرس: «خزان البلد المخصص للمياه بسعة 10 آلاف متر مكعب يُعبّأ عبر الآبار التي تُستجر منها المياه في منطقتي سوسيان والراعي، وهي آبار حديثة استعان بها المجلس المحلي لتغطية احتياج الأهالي من الماء، لكنها لا تغطي حاجة جميع السكان نتيجة جفاف العديد منها في عولان وسوسيان وغيرها من قرى محيط الباب، وقد شكلت هذه الآبار بديلاً عن محطة عين البيضا».

كانت منطقة الباب تحصل على مياه الشرب من نهر الفرات عبر محطة عين البيضا في الجنوب الشرقي من مدينة الباب، وهي تخضع حالياً لسيطرة الحكومة المركزية في دمشق التي تمنع تشغيلها منذ طرد «داعش» مطلع 2017.
في الوقت نفسه، عجزت السلطات المحلية للسنة الخامسة على التوالي في تأمين مياه الشرب. وكان المجلس المحلي وشركة المياه في الباب قد حاولا الاستعانة بالآبار المحيطة في المدينة في عولان وسوسيان، لكن معظمها جفت أو انخفض منسوبها إلى أقل من النصف، فدفعت تلك الظروف المجلس إلى استجرار المياه من منطقة الراعي التي تبعد أكثر من 20 كيلومتراً عن مركز الباب.
من وجهة نظر الباحث الجيولوجي ثابت كسحة كل الحلول التي جُربت حتى اليوم غير مجدية بسبب انخفاض منسوب المياه في الآبار الجوفية. ويرى أن الحل الأنسب هو العمل على استجرار مياه نهر الفرات، إذ من الممكن أن يسهم نقل المياه عبر قنوات ترابية في ري المزروعات وتعويض فاقد الخزان الجوفي فضلاً عن توفير المياه للمواطنين.
