الرسم: (Mahmoud Rifai - كارتون موفمينت)
بعد أن تعرّفنا إلى الجغرافيا السورية بأدق تفاصيلها، من درعا المحطة إلى درعا البلد، ومن الخالدية إلى بابا عمرو، ومن الجورة إلى القصور، ومن إلخ إلى إلخ، ثم إلى أسماء ومواقع حقول الغاز والنفط من تدمر إلى دير الزور، وبعد أن اختبرنا التدخلات بمختلف جنسياتها، من التركي والإيراني، إلى الأميركي والروسي، وصلت معرفنا أخيراً إلى الصفائح التكتونية وانزياحاتها، ولم يبق الكثير ليتحول واحدنا إلى ChatGPT، يا فرحتنا!
دشّنت الزلازل عهداً جديداً في حياتي، فصار مشواري اليومي يبدأ بالاستيقاظ في الثالثة صباحاً، مع انتهاء مناوبة زوجتي، فأتسلم منها مسؤولية «إدارة الاستجابة المنزلية للنكبات» عند وقوع الزلزال.
مع تتالي الهزات القوية تراكمت عندنا خبرة عظيمة، نفّذنا كل التعليمات: حضرنا حقيبة تضم المستندات الشخصية والمال، وعلّقناها على مقبض باب البيت (من الداخل طبعاً)، جهّزنا كيساً من الأحذية لكامل أفراد الأسرة أمام باب المنزل (من الخارج طبعاً) نحمله ونحن نركض على الدرج الذي صرنا ننزله حفاة مع كل هروب، وحقيبة تحوي ثياباً وأدوية وضروريات، ننساها في كل مرة، لكن لا بأس يمكننا أن نعود ونأخذها بعد هدوء الزلزال (إذا بقي البيت)، ونستعد لرحلة التشرد لأيام قبل اليأس والعودة إلى المنزل.
لا تقتصر خبرتنا على الصعيد الخارجي، إذ وضعنا في كل غرفة قوارير مياه، وكيساً من البسكويت لاحتمال محاصرتنا تحت الأنقاض، وفي كل غرفة خططنا أين يمكننا أن نحتمي: في غرفة النوم نختبئ داخل الخزانة المتينة، وفي الصالون بجانب العمود تحت جسر القص، وفي حال وجود مزيد من الثواني نقف بجانب الشرفة، أو نصعد إلى السطح القريب بحكم كوننا نسكن الطابق الأخير. وطبعاً فنحن لم نلبس ثياب النوم أسابيع، ننام بثياب الخروج مع المعطف الذي يضايقنا قليلًا، نحاول باستمرار أن يكون شحن الموبايل مكتملًا وداخل جيوبنا نضع ولاعة في قفاها ضوء.
لم أعد أتخيل الحياة من دون زلازل وها أنا أعلنه خطاً أحمر لا تفاوض عليه: أضيفوا الاهتزاز إلى رأس قائمة الثوابت الوطنية!
في معركة البقاء لم نقف ساكنين أبداً وأشهرنا كل أسلحتنا، فوضعنا إبريق الماء الشفاف أمامنا كمستشعر للزلازل، لأن السوائل تتراقص بسهولة وأول ما تحطم في البيوت التي لم تقع كان أواني الزجاج التي تحوي سوائل. وحمّلنا تطبيقاً لتنبيهنا مبكراً من الزلازل أو الهزات (بمقدار لا يتعدى 10 ثوانٍ)، وكلّ ما حصلنا عليه المزيد من الضغط النفسي، ومعرفة شدة الهزة بعد وقوعها بدقائق، أي حسب المثل الشعبي بعد أن يكون «اللي ضرب ضرب، واللي هرب هرب»، كما صرنا نصيخ السمع إلى «ولولات» الجيران، إن أحسوا بأي هزة قبلنا، وتطور الوضع عند جار قريب ليتنبأ بوقت وشدة الزلزال، إذ طرق الباب علينا قبل أيام، وأخبرني أن زلزالاً مدمراً سيحدث بعد نصف ساعة، وعلينا التحرك فوراً.
أما شعورنا بالاهتزاز، فمستمر، ونمضي اليوم جيئة وذهاباً من وإلى إبريق الماء للتحقق، أما في الهزات القوية فالتحركات تكون تلقائية.
يُقال إن الساعة المتوقفة تكون صحيحة مرتين في اليوم، أي مهما كان الحدث سيئاً لابد أن تكون له ايجابيات، وإيجابيات الزلازل بيّنة، مثلًا نجحنا في تحسين أرقامنا السابقة في نزول الطوابق الستة من تسعين إلى خمس عشرة ثانية، وربما أهّلنا ذلك للمشاركة في الأولمبياد، واستطعنا الاستحمام الكامل في دقيقة واحدة (ليس من اللائق استقبال زلزال من غير هدوم!)، وأفلحنا في الانطلاق من مرحلة النوم إلى الركض عند الزمن صفر، وفي ذلك كسر لقوانين الفيزياء، كما بدأنا التواصل مع كل أفراد الحي دفعة واحدة، والتعرف إلى أناس لم يكن هناك أي تواصل بيننا، كما أن الرعب يحرق سعرات حرارية أكثر وفي ذلك فائدة صحية كبيرة.
تخيل/ي، ما زلنا في بداية موسم الزلازل وقد اكتشفنا كل هذه المنافع، ومع مرور الأيام سنكتشف المزيد من الإيجابيات بكل تأكيد.
أما الأدرينالين الذي جربناه مع الزلزال، فهو من صنف فاخر، عالي المستوى، ومتفوق بما لا يُقاس، ولكل ذلك فأنا لم أعد أتخيل الحياة من دون زلازل أو ما يعادلها، وها أنا أعلنه خطاً أحمر لا تفاوض عليه: أضيفوا الاهتزاز إلى رأس قائمة الثوابت الوطنية!