× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

التحرُّش بالسوريات: مرض عضال بلا روادع!

حكاياتنا - خبز 07-03-2023

تتعرض نساء سوريا وفتياتها لتحرُّش تتضاعف سطوته بعدما اختلت البنى الاجتماعية، والفكرية، والأخلاقية، والتربوية في البلاد مع مرور سنوات الحرب، وصار الوقوف على الظاهرة المتنامية أمراً لا بدّ منه، مع انعدام وجود قانون يخص التحرش في حد ذاته، بل مجرد مواد في قانون العقوبات تفرض عقوبات بعضها هزيل

الرسم: (صوت سوري)

لا يدَّعي أحد أنّ سوريا، حالها حال بلدان الإقليم والعالم، كانت قبل الحرب دولة طوباوية لا مظاهر تحرُّش أو إساءة للنساء فيها، بل كان فيها ما فيها من العنف لكنه كان مستتراً على الأقل.

في سنوات ما بعد الانفتاح التقني، التي تزامنت مع اندلاع الصراع في العام 2011، بدأ المجتمع يلتفت أكثر إلى قضايا المرأة ومعاناتها، التي كانت تصل حدّ التحقير، والإهانة، والضرب، والسحل أحياناً، والتحرُّش بطبيعة الحال، وغير ذلك من جرائم.

لكن الظاهرة تفشّت بشكل لافت خلال السنوات الماضية، إلى حدّ يكاد ينفلت من أي ضوابط، وهو ما يمكن استخلاصه من روايات فتيات وسيدات تعرضن بطرق مختلفة للتحرُّش مرةً أو أكثر، في الشوارع، والأسواق، ووسائط النقل، وحتى المدارس، والوظائف الخاصة والعامة.

جهاراً نهاراً

«تعرضت لتحرُّش استخدم فيه المتحرِّش أقذع عبارات يمكن أن تخطر في البال»، تقول ميساء (32 عاماً). تروي: «وقفت مصدومة لأنّ التحرُّش وقع في حي الشيخ سعد الأكثر اكتظاظاً في دمشق، كان المتحرِّش يركب دراجة نارية ويسير قربي ببطء... دمعت عيناي، ثم تمالكت نفسي وصحت به لأخيفه، فما كان منه إلا أن نعتني بشتيمة، وانطلق بدراجته بسرعة كبيرة».

فضلاً عن تلك المرة، تذكر ميساء أنها تعرضت لمحاولتي تحرُّش. تقول: «ليست ملابسي السبب، فأنا محتشمة نسبياً، ولكن هل المطلوب أن نرتدي النقاب حتى لا نتعرض للتحرش؟ ثمة قذرون يتحرَّشون بالجميع، وربما حتى بالأموات».

أما الطالبة الجامعية ريم (21 عاماً) فتقول: «لشدّة الالتصاق وشيوع التحرُّش في وسائط النقل العامة قد تشعر الفتاة أنّها ستُغتصب... الحديث مقرف، وما يحدث مقرف أكثر». وتضيف: «في طريقي من الجامعة (أوتوستراد المزّة) في العاصمة، إلى منزلي في جرمانا (ريف دمشق) عليّ أن أستقلّ الباص الأخضر الذي يتسع لثلاثين راكباً، لكننا نكون ستين أو سبعين، وربما أكثر، فنُمضي طريقنا وقوفاً، وتبدأ اللمسات والمعاكسات التي تجعل كلّ فتاة تفكر ألف مرّة قبل الصعود إلى الباص».

تتابع ريم: «أتحدّى أن تقول فتاة واحدة إنّها لم تتعرض للتحرُّش في وسائل النقل العامة... ردود فعلنا غير محددة، فقد نبكي، أو نصرخ، وأعلم أنّ من حقنا تحرير محضر في الشرطة، لكن لو كل فتاة في هذا البلد حرَّرت محضراً بواقعة تحرش لرأينا الناس أمماً في مخافر الشرطة!».

تؤكد الشابة أنّها بحكم انتمائها إلى عائلة محافظة فإنّ أهلها من الممكن أن يمنعوها من ارتياد الجامعة لو دخلت قسم شرطة بسبب واقعة تحرُّش، ولذلك لم تخبر أهلها بما تواجهه، ووجدت الحلّ في أن تزيد ساعات انتظارها لتركب الميكرو (سرفيس)، الذي يكون أضمن للنساء نسبياً.

ثمة قذرون يتحرَّشون بالجميع، وربما حتى بالأموات - الرسم: صوت سوري

حتى في العمل

«حظيت بالوظيفة الحلم، وصاحب العمل الذي نناديه "الحجّي" ليس صغيراً في السن، ويفترض أنّ له ما له من اسم وسمعة ومكانة»، تقول زهراء (28 عاماً). تضيف: «دوام مكتبنا ينتهي في الرابعة عصراً، وفي أحد الأيام استبقاني بحجة إتمام بعض الأمور المستعجلة، ليتبيّن أنّ هناك نية في نفسه».

تكمل: «حاول التحرُّش الجسدي بي، فصرت أصرخ، وهرعت أبكي إلى المنزل. والدي متوفّى، وأعيش مع أمي وأخي الصغير، وكلّ ما أعرفه أنني احتجت بعد ذلك اليوم إلى عام كامل من العلاج النفسي، وصار لدي رد فعل حيال الخروج من المنزل، ومن أي شخص غريب».

مثل زهراء هناك الكثيرات أيضاً، ومنهنّ غيداء وردينة، اللتان تعرضتا لابتزاز لفظي وجنسي في مكان العمل. ومن المنصف القول إنّ ذلك يحدث في القطاع الخاص أكثر بأشواط منه في القطاع العام، الذي تظلّ بعض القواعد والضوابط حاضرةً فيه نسبياً مع وجود بعض الاستثناءات.

دفاع جسدي

«خلعت حذائي وضربته على رأسه وسط سوق الحميدية في دمشق... بكل وقاحة لمس جسدي وهو يمرّ قربي»، تقول أم حمادة (36 عاماً)، مضيفة: «التموا أهل النخوة وأوسعوه ضرباً». وتروي أنّ كلّ مناطق الازدحام يقع فيها تحرُّش بين لفظي أو جسدي، لكن العبرة «في جسارة المرأة وقدرتها على التصرف لتلقِّن المتحرِّش درساً يجعله يفكر ألف مرّة».

أما على صعيد وسائل التواصل الاجتماعي، فلا تكاد فتاة تفتح تطبيق مراسلة حتى تجد رسائل من غرباء فيها تحرُّش أيضاً. وفي حين أنّ القانون متساهل في جوانبه أحياناً ومتشدِّد في جوانب أخرى، فإنّ العرف الاجتماعي ومحاولة «درء الفضيحة» يطغيان غالباً في هذه القضايا التي قلّ ما تصل إلى الشرطة أو المحاكم.

مرحباً قانون

يعاقب قانون العقوبات السوري بحسب المادتين 505، 506 المتحرِّش يدوياً/جسمانياً بسجن قد يصل إلى سنة ونصف السنة، والمتحرِّش لفظياً بكلام مخلّ بالسجن بين يوم وعشرة أيام وغرامة مالية.

يبدو المشرّع منشغلاً بـ«الأخلاق العامة» أكثر من انشغاله بالضحية في حد ذاتها، فالمادتان المشار إليهما تردان عرَضاً ضمن مجموعة مواد تتناول الدعارة، وممارستها، والحض عليها، ويتشدد القانون في المادة 518 منه في عقوبة من يتعرض لـ «الأخلاق العامة» لتكون عقوبته الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وتغريمه ماليّاً.

يبدو المشرّع منشغلاً بـ«الأخلاق العامة» أكثر من اهتمامه بإنصاف الضحية

أما العقوبات الأشد، فمخصصة للاغتصاب (باستثناء اغتصاب الزوجة غير المُجَرّم أصلاً)، أو ممارسة الجنس مع قاصر دون الخامسة عشرة من العمر.

تنص المادة 489 على أنّ «من أكره غير زوجه بالعنف أو التهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة 15 سنة على الأقل» على أن «لا تنقص العقوبة عن 21 سنة إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره».

فيما تحمل المادة 493 صياغة ملتبسة قد تتضمن التحرش الجسدي من دون النص على ذلك بوضوح. تنص المادة على أن «من أكره آخر بالعنف أو التهديد على تحمل، أو إجراء فعل منافٍ للحشمة عوقب بالأشغال الشاقة مدة لا تنقص عن 12 سنة، ويكون الحد الأدنى للعقوبة 18 سنة إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره». وموطن الالتباس هنا أنّ التحرش الجسدي قد يكون بحركة واحدة فقط، وقعت وانتهى الأمر، سواء صمتت عنها الضحية أو صرخت، فهل تُعدّ هنا مكرهةً بالعنف على تحمّل الفعل؟

على أية حال، تتيح الفقرة الأولى من المادة 508، للمعتدي/المغتصب/المتحرش مَهرباً إذا عقد زواجاً صحيحاً على ضحيته، ورغم تعديل هذه المادة في العام 2011 فقد ظل الزواج من الضحية وسيلة لتخفيف العقوبة، بعدما كان سابقاً يعفي منها بشكل كامل. 

تبقى الإشارة واجبة إلى أن القانون بمجمله يعود إلى العام 1949، وقد لحقته بعض التعديلات في العامين 2011، 2022، غير أن معظم تلك التعديلات تعلقت بقيم الغرامات المالية، وبقضايا أخرى مثل «المساس بهيبة الدولة»، و«المساس بالهوية الوطنية والقومية»... إلخ.

وفي المحصلة، يمكن القول إنّ أخذ الحق من المتحرِّش يعتمد مباشرة على الإجراء الذي ستتخذه الفتاة الضحية، إذ لا يمكن للقانون التحرّك دون ادعاء شخصي، بينما تتراكم ضغوط كثيرة قد تمنع الضحايا من اللجوء إلى القانون، مجتمعية، وثقافية، وأخرى تتعلق بالثقة في القانون وتنفيذه، مع لحظ ترهُّل القانون السوري الذي لا يُعرف التحرّش أصلاً، ولا يعير اهتماماً مناسباً للقضية، ولا سيما التحرُّش اللفظي، الأكثر انتشاراً. هذا النوع تحديداً يلاقي مقترِفه أخفّ العقوبات التي تنتهي غالباً بدفع غرامة مالية زهيدة. يضاف إلى ذلك عدم معرفة كثير من النساء باحتمال استحصال حقوقهن قانوناً، بعد تجاوز التعقيدات الاجتماعية الهائلة التي تفضي غالباً إلى «لفلفة» هذا النوع من القضايا، مع العلم أنّ دخول أقسام الشرطة ليس بالأمر اليسير بسبب الروتين، والبيروقراطية، وأساليب أخرى كثيراً ما تفضي إلى تمييع التحقيق.

نساء_سوريا التحرش_الجنسي_في_سوريا قانون_العقوبات_السوري دمشق

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0