الصورة: قرب مدينة سلمية - 2008 (CharlesFred/فليكر)
أمام زحف الصحراء نحو الأراضي الزراعية في سوريا، يقف الجميع عاجزاً، فما الذي يمكن عمله عندما تزحف الرمال إلى مزرعتك، أو عندما تتملح تربة الحقل الذي تزرعه، أو تنعدم المراعي التي تطعم منها مواشيك؟ باختصار: ستفقد مورد رزقك ولا رجعة عن ذلك في الأمد المنظور.
هل تبقى في قريتك؟ هل تهجرها؟ هل أنت قادر على إتقان عمل آخر؟ تلك أبسط أسئلة تواجه فئات كبيرة من السوريين، خصوصاً عندما تدرك أن لا شيء يحميها ولا دولة تسعفها ولا شبكة اجتماعية تنقذها. الصحراء هنا ليست مكاناً فقط، بل كارثة اجتماعية واقتصادية تصيب الأفراد والمجتمعات وترميهم إلى الفقر والجوع، ثم إلى النزوح أو الهجرة، والنتيجة مزيد من الاضطرابات السكانية والاجتماعية.
في مدننا، قد نشعر أن البادية التي تتضمن الصحراء بعيدة عنا، لكن كم يستغرق الوقت أثناء رحلة بالسيارة لترى الأراضي المقفرة من دمشق أو حلب أو حمص؟ ربما نصف ساعة. ومن الحسكة ودير الزور؟ دقائق! أما من الساحل، فتستغرق ساعتين، ومرد ذلك إلى العوائق الجبلية ليس إلا.
للدلالة على حجم هذه المشكلة يمكننا التمعن في المعطيات التالية: تبلغ مساحة سوريا 185 ألف كم2، ويهدد التصحر مساحة منها تقدر بنحو 109 آلاف كم2، أي نحو 59% من مساحتها، وفقاً لمشروع الخطة الوطنية لمكافحة التصحر. وفي دراسة أخرى لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، قد يصل الرقم إلى 80%.

هنا المشكلة ليست بيئية فقط بل مصيرية، فالتصحر على المستوى الفردي يعني فقراً وتشرداً. وعلى مستوى الجماعات يعني النزوح واللجوء نحو المدن المكتظة، وعلى المستوى الوطني مساحات زراعية أصغر وإنتاجاً زراعياً أقل وتقلص المراعي ومن ثم المواشي.
سيعقب ذلك ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الفقر والعوز وستشمل زيادة الأسعار كل شيء من الغذاء والدواء حتى المسكن في دوامة لا فكاك منها، وهذه أحوال سوريا قبل 2011، فكيف الأمر مع سنوات الحرب وانسحاق الليرة؟
حتى المدن التي تبدو محصنة لم يعد تأثير التصحر فيها غير مباشر من قلة الغذاء والهجرة، ولكنه بات مباشراً أيضاً. مثلاً زادت العواصف الغبارية في 2022 بنسبة 450% عن العام الذي سبقه، وفي العقود السابقة، كانت المنطقة الشرقية عرضة لذلك، وتسمى هذه الظاهرة «العجاج»، ثم بدأت تجتاح حمص وحماة، والآن وصلت العاصمة دمشق. وسُجل في الأعوام الأخيرة إسعاف حالات عديدة إلى المشافي بسبب الاختناق، إذ تؤدّي العواصف الغبارية إلى نقْل ملايين الأطنان من الأتربة والغبار، وبذلك تعري بعض المناطق من التربة (تدمرها)، وتلوث مناطق أخرى، ومن نواتجها خراب بعض المحاصيل، وتلوث كل شيء بالغبار: من بحيرات مياه الشرب، إلى داخل البيوت، ليصبح التنفس أمراً صعباً خصوصاً للذين يشتكون من الأمراض التنفسية.
كل ما سبق هي تبعات عدم التحرك لمدة تزيد عن عقد، والأمر مشابه لما جرى في العراق بعد الغزو الأميركي حين تسبب ذلك في زيادة الغبار في هذا البلد بنسبة 500% مقارنة بالسابق.
من الأمثلة البارزة منطقة سلمية التي كانت حتى نهاية الثمانينيات جنة من الأرض الخضراء لكن التصحر قضى عليها
أسباب التصحر تتلخص في العوامل المناخية التي لا يبدو ممكناً التحكم بها وأهمها سنوات الجفاف، والنشاطات البشرية غير السليمة، كالسقاية عبر الغمر، والرعي الجائر، وقطع الأشجار، وزراعة المحاصيل غير المناسبة، ومن الأمثلة البارزة منطقة سلمية التي كانت حتى نهاية الثمانينيات جنة من الأرض الخضراء لكن التصحر قضى عليها. ولولا مشروع استجرار مياه الفرات (من مسافة بعيدة جداً) التي مولتها مؤسسة «آغا خان» لكان من الصعب العيش فيها. وهذا هو حاضر ومستقبل الكثير من البلدات خصوصاً المحاذية للبادية.
في محاولة لوقف هذه الظاهرة، سُجلت إجراءات على مسافات زمنية متباعدة، مثلاً؛ منعت الحكومة الزراعة في منطقة الاستقرار الخامسة التي تشكل 55% من سوريا، وأطلقت بتمويل جزئي من الأمم المتحدة مشروعات كبيرة لوقف التصحر، فزرعت أشجاراً تتحمل الجفاف، بشكل موازٍ للبادية وتعمل كحائط صد.
أيضاً جرى تكثيف الغطاء النباتي في مناطق محددة من البادية، وأنشئت محميات طبيعية لتخفيف الضغط عن المراعي، ولوقف التدهور كمحمية التليلة قرب تدمر، وزُرعت نباتات تتحمل الجفاف كذلك.
بالطبع هذه الأمور جيدة وضرورية لكنها قبل الحرب لم تكن لتكفي وحدها أبداً لوقف التصحر، فكيف الحال بعد توقف هذه الإجراءات طوال أعوام الحرب ودمار غالبية ما بُني في هذه المشروعات؟!
وفيما تستريح الآلة الحربية لا بد من معرفة كمية الضرر الذي حدث خلال السنين الماضية، والعودة إلى إحياء تلك المشروعات، وتوسعتها والاستفادة من تجارب دول أخرى مثل السنغال والصين، استطاعت تثبيت بحار الرمال وتحويلها تباعاً إلى بيئات مستقلة.
مع صعوبة هذه الأحلام حالياً، لكن الأمر لم يعد رفاهية، فببساطة: كيف سيأكل 22 مليوناً إن لم نوقف التصحر؟!