في مسرحية «كاسك يا وطن» باع غوّار أطفاله بعد أن خسر أحلامه في الوطن الذي يحب. لم تفلح خطابات الصمود وشعارات النصر ووعود الإصلاح في إشباع أطفاله، وظلّ الفقر يطرق بابه حتى تخلى عن «أحلامه»، في رحلة قاسية من الألم والاخفاقات، لينتهي به الحال تائهاً وحائراً يكلم الموتى.
ما أشبه حالنا اليوم بحال غوّار في القرن الماضي، ففي ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، وصعوبة تأمين أدنى مقومات العيش يوماً بعد يوم، تجد سوريّات عديدات أنفسهن مُجبرات على البحث عن فرصة ما، أيّ فرصة كانت. شكّلت «الإنترنت» نافذة إضافية حملت للبعض عملاً، سواء في التسويق، أو التصميم، أو الاستبيانات لمن لديها خبرة، فيما تقع أخرياتٌ أقل حظاً وخبرة ضحايا استدراجهن إلى «سوق عمل» مختلفة، في عالم تطبيقات الدردشة والبث المباشر، التي يُروّج لها بوصفها «الطريقة الأكثر سرعةً لكسب المال دون القيام بمجهود يُذكر»، فالمطلوب توافر شبكة إنترنت جيدة، وكاميرا ذات جودة مقبولة، وفتح بث مباشر لبضع ساعات يومياً، والتحدث عن أي شيء، أو عن «اللاشيء»! قد يكفي التمايل مع الأغاني، أو لعب التحديات، وتكوين الصداقات والتفاعل مع المتابعين، ثم يبدأ كسب الهدايا بعد تحقيق نسبة مشاهدات معينة، ليمتلئ الحساب بالدولارات نهاية كل شهر.
«مذيعات البيغو لايف»
تروي لنا حنان (اسم مستعار، 24 عاماً) تجربتها في العمل على تطبيق «بيغو لايف»، الذي يحظى برواج في سوريا، بعد أن فقدت الأمل في العثور على فرصة عمل بعد تخرجها من المعهد المصرفي منذ أكثر من عام.
يعتمد «بيغو لايف» على البث المباشر المستمر، وهو تطبيق أطلقته شركة سنغافورية العام 2016.
تواصلت حنان مع أحد وكلاء التطبيق في لبنان عبر إحدى صديقاتها، ثم تولّى الوكيل فتح حساب لها، لتبدأ العمل بفتح البث والتكلم في العموميات. تشرح حنان بحسرة أنها يتيمة الأب منذ سنوات، ولديها أخ من ذوي الإعاقة، وراتب والدتها لا يكفي يومين في ظل استعار الأسعار.
«بكيتُ كثيراً في البداية، لكن الأوضاع الصعبة جعلتني أتآلف مع الموضوع، وأتصالح مع فكرة أنني أمارس الدعارة الإلكترونية بشكل أو بأخر»
أمام هذه المعطيات اندفعت الشابة لتثبيت نفسها بقوة في ساحة العمل الرقمي، ولم تجد أي مانع من استغلال أنوثتها. تقول إن عملها «يشبه عمل المذيعة في التلفزيون»، ولكن هنا عليها أن تكون المُعِدّة، والمخرجة، والمصورة، والمذيعة في آن واحد. وعن رأي والدتها بعملها، توضح الشابة أن لديها كثيراً من «الصديقات يعملن في هذا المجال»، وأن هذه النقطة ساعدتها في عدم ممانعة والدتها، خاصة أن «الدّخل جيد، ووقت العمل لا يتجاوز ثلاث ساعات يوميّاً، وهو أفضل بكثير من العمل في الشركات الخاصة أو الوظيفة الحكومية».
صوت.. بدون صورة
اختارت حلا، وهي طالبة جامعية، تطبيقاً للدردشة الصوتية والكتابية للعمل فيه، فهو «أفضل من التطبيقات التي تُظهر الفتيات بملابس غير لائقة». تقول الشابة: «عملت في عدد من المطاعم، وكنت أعطي دروساً خصوصية، وبالكاد كان ما أجنيه يكفي، أما هذا العمل فهو مريح ومثمر مادياً، بالإضافة إلى حرية التوقيت إذ أعمل في وقت فراغي، خلافاً للإجهاد وساعات العمل الطويلة التي كانت تستهلك صحتي ووقتي».
ينشط كثير من الفنانين و«المؤثرين» على تطبيقات الدردشة والبث المباشر، قد يتعرض هؤلاء لتعليقات مسيئة وإهانات، لكن أمراً كهذا قد يصب في صالحهم أحياناً، فتتتالى أخبارهم على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ويتصدرون «التريند» بفضل شهرتهم، أما أن الفتيات وخصوصاً الصغيرات منهن فقد يقعن ضحايا للتحرش والمساومة، والاستدراج.
المشكلة الكبرى أن كثيراً من هذه التطبيقات تُستخدم أبواباً خلفية للدعارة الإلكترونية، إذ سهّلت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات انتشار الدعارة عبر الإنترنت في معظم البلدان عبر العالم الرقمي، وأصبحت الشبكة مطرحاً لتبادل السلع والخدمات الجنسية، واستُنسخت «الدعارة الفيزيائية» في الفضاء الرقمي، حيث يعمل قوادون على تجنيد فتيات وسيدات عبر فضاءات افتراضية وتطبيقات دردشة.
تحت رحمة الوكلاء
«بكيتُ كثيراً في البداية، ولكن الأوضاع الصعبة، والغلاء، والحاجات التي لا تنتهي جعلتني أتآلف مع الموضوع، وأتصالح مع فكرة أنني أمارس الدعارة الإلكترونية بشكل أو بأخر»، تقول أم عامر بحرقة.
نزحت أم عامر قبل سنوات من إحدى المناطق السورية إلى دمشق ومعها أربعة أطفال بلا أب. لم يكفها العمل في الخدمة المنزلية لسد رمق أطفالها في ظل الأوضاع المعيشية المتردية، لينتهي بها الحال إلى العمل في أحد تطبيقات الدردشة بعد أن قرأت منشوراً إعلانياً عن توافر فرص عمل من المنزل لسيدات من دون خبرة. سارعت حينها إلى التعليق للسؤال حول ماهيّة العمل، وفي لحظات كانت كل التفاصيل لديها، ودخلت في سلسلة مراسلات مع وكيلة التطبيق، شرحت لها من خلالها أنها ستتحدث لمدة أربع دقائق مع كل زبون حول أي موضوع يختاره الشاب، لتتمكن من جمع حبات «الفاصولياء الذهبية» التي سيزداد عددها، ولاحقاً ستتمكن من تحويلها إلى «العملة الخضراء»، وأن كل ما تحتاجه هو الوقت فقط والكلام المعسول.
يمرّ العمل في مثل هذه التطبيقات من خلال الوكلاء بالضرورة، ويتولى هؤلاء مهمة تحويل النقاط إلى أموال وإيصالها إلى «المذيعات» و«المذيعين».
تقول أم عامر: «قد لا يتعدى ما أجنيه 100 دولار شهريّاً، لكنه يوفر حاجات المنزل لفترة جيدة». تبرر السيدة لنفسها الورطة الأخلاقية التي سقطت فيها بالقول إن «الكلام ليس كالممارسة»، مؤكدة أن الحاجة هي ما أوقعها في هذا الفخ، ووضعها تحت رحمة الوكلاء.
قد تقرر بعض الشابات ترك العمل في لحظة ما يشعرن فيها أن كثيراً من الأشياء باتت على المحك.
تخرّجت داليا، (اسم مستعار لسيدة ثلاثينية مطلقة وأم لثلاثة أطفال) قبل سنوات طويلة في كلية الإعلام بجامعة دمشق. تقول «كنت أبحث عن عمل، فوجدت إعلاناً يطلب مذيعات للعمل من البيت عبر أحد التطبيقات مقابل 80 دولاراً شهريّاً، قابلة للزيادة بحسب عدد الساعات والهدايا التي يقدمها المتابعون، على أن أستلم نقودي عبر حوالة مالية، وأبلغوني أن المطلوب هو المظهر اللائق ومجاملة المتابعين».
بدأت السيدة العمل، لكنها فوجئت بموقف الوكيل حين تعرّضت لموقف أثناء البث. تشرح: «تصديت لشبان أساؤوا الأدب معي عبر التطبيق، لكن الأمر لم يعجب الوكيل، بل شجعني على التفاعل معهم بطريقة مختلفة، زاعماً أنه أمر عادي وأنها وسيلة لزيادة مكاسبي، فتركت العمل فوراً».
تُحذر داليا الفتيات من الانجرار إلى مثل هذه البرامج، فقد «تكون عواقبها وخيمة»، وتأمل «سنّ قوانين تجرم الدعارة الإلكترونية بعد تفشيها بين مختلف الأعمار».