الصورة: (حلب 2016 - UNICEF Italia-فليكر)
مطرٌ غزير، ومواقد نار صغيرة بين التجمعات، تفوح منها رائحة عوادم البلاستيك والورق، وعيون الأطفال شاخصة تطالع ما يحدث حولها، هكذا هي الحرب -كنت أقول في نفسي- الجميع فيها خاسر، من أرادها ومن وجد نفسه محترقاً بنيرانها.
كنّا نتنقّل من خيمة إلى أخرى ومن قصة إلى التالية محاولين فهم ما جرى، لكنّ أكثر ما أدهشني حينها هو عدد المواليد الرضّع الكبير نسبياً قياساً بالظروف الصعبة التي كانت الأسر تعيشها.
«إنها إرادة الحياة، وحقهم الطبيعي»، تكررت هاتان الإجابتان على مسامعي كثيراً، مع أن بعض الأمهات كنّ طفلات بالمعنى الحرفيّ للكلمة. تجنّبت الحديث إلى النساء حول موضوع الإنجاب مخافة أن يشعرن بانتهاك خصوصيتهنّ أو حقوقهن، لكنني في كل مرة رأيت رضيعاً يصرخ من الجوع أو البرد سرى في نفسي شعور سلبيٌّ غير مبرّر تجاه أمّه، فكيف تستطيع امرأة أن تضع مولوداً لا تعرف إن كانت ستجد ما تطعمه أم لا؟! لكنني كنت أعود وأحاول إيجاد تفسير آخر أقل إجحافاً بحق النساء، ووجدتني مرّات عديدة أكيل التهم والشتائم في وجه الجهل، فكّرت أيضاً أن «الذكورية» تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، فكثير من النساء حتى اليوم لا يملكن قرار الإنجاب أو الامتناع عنه في العديد من البيئات والمجتمعات السورية.
لم أكن يوماً أمّاً، وأعتقد أنّني لم أحظَ حتى بفرصة تخيّل نفسي في هذه الرتبة، فنحن جيل أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات فُرضت علينا وقائع متلاحقة ومزدحمة خربت علينا التسلسل المنطقي للحياة الطبيعية. قد لا يعدو هذا التبرير كونه مخرجاً أهرب عبره، لأنني في الحقيقة لا أعرف إن كنت مستعدةً لدخول عالم الأمهات واكتشاف هذا الملكوت الذي لا يشبهه شيء آخر، ولطالما شعرت بالضآلة أمامه أنا التي رصدتني أعين أصدقائي مرات كثيرة أبكي إلى جانب أطفال تلمع أعينهم الصغيرة أمامي من البرد أو الجوع أو الخوف.
هل الإنجاب وحده يحولنا تلقائياً إلى أمهات؟ أليست الأمومة درجة من درجات الكمال وعليها ما عليها من المسؤولية؟
تقول أمّي: إن «الخالة أم»، لم أعِ حقيقة ما تعنيه هذه العبارة إلّا في صبيحة أحد أيام صيف 2018، عندما وضعت أختي مولودها الأول، وكانت أول مرة أرى فيها طفلاً بهذا الحجم، تسمّرت أمام الممرضة وهي تناولني الصبيّ وتعيد عليّ الكلام مرات لتخرجني من ذهولي: «مبروك صرت خالة»، كاد قلبي ينفطر من شدة الفرح وكأن الطبيب الذي قصّ حبل السرة بينه وبين أمه، مدّ حبلاً آخر أقصر وأشد متانة بين عينيه وقلبي، ووجدتني بطرفة عين متلبسة بعشق هذا الكائن الصغير دون أن أستطيع تمييز ملامحه بعد، أنا التي لم أهيئ نفسي يوماً لفعلٍ كهذا، ولم يقل لي أحدٌ من قبل إن لحظة الخلق وتلك الصرخة الأولى لها في الروح وقع العشق دون إذن أو إنذار.
كنت في أوقات الراحة من العمل أقضي ساعات أتأمل تفاصيله وهي تتغير يوماً بعد الآخر، وأعدّ الدقائق أثناء غيابي عنه لأعود فأغرف من رائحته زوّادة تعينني على ما كنت أراه من بشاعة حولي أينما ذهبت، لقد كان هدية العمر في الزمن الصعب والسنين الغارقة بصور الحرب ومآسيها، وبرغم كل هذا الحبّ تقول صديقاتي الأمهات إن الأمومة شيء آخر، أكبر وأعمق، إنه شيء عصيّ على الوصف وأعقد من أن يُشرح بالكلمات.
لا أعتقد أن امرأة لم تسمع - مرةً واحدة على الأقل - في حياتها من أمها أو محيطها أنّ «الأمومة فطرة كل أنثى»، لكنّ هل كل الإناث حقاً لديهنّ القدرة على أن يكنّ أمهات؟ وهل الإنجاب وحده يحولنا تلقائياً إلى أمهات؟ أليست الأمومة درجة من درجات الكمال وعليها ما عليها من المسؤولية؟ كيف تعرف الأنثى أن لديها من الحب والطاقة للبذل والعطاء ما يكفي لتُشبع به هذا الشريك الجديد مدى الحياة؟ لقد شغلتني هذه الأسئلة كثيراً، وفي المرات التي تسللت فيها إلى عوالم الأمهات وقاسمتهنّ قليلاً من الزمن الغزير بالتفاصيل والمشاعر، شعرت بالغيرة لكوني من «جنس النساء» وتحديداً من بين أولئك اللاتي حظين بفرص التعلّم وخوض التجارب، ومع ذلك لم أمتلك مرّة شجاعة الإحساس بأنني جاهزة لأكون أمّاً.