تُشكل «سوق الكيمر والعسل» وجهة أساسية لسكان مدينة القامشلي والمناطق المحيطة بها، ناهيك بأنها قبلة لمعظم زوار المنطقة من المحافظات الأخرى للتلذذ بوجبة فطور شهيّة.
تمتد السوق على ثلاث عبّارات يعود بناؤها وفق روايات السكان إلى زمن الانتداب الفرنسي في ثلاثينيات القرن الماضي.

حالة فريدة
يقول نادر لولو (64 عاماً) وهو صاحب مطعم في السوق، إن أكثر ما يميز هذه السوق اشتهار محالّها بتقديم وجبات فطور تتألف من الكيمر والعسل، في حالة فريدة على امتداد سوريا.
يعمل لولو في السوق منذ 25 عاماً، يشرح قائلاً: «بٌني المجمع على يد الفرنسيين في 1938، ليكون إسطبلاً لخيولهم».
بعد جلاء الاحتلال في 7 نيسان/أبريل 1946، تحول المجمع إلى سوق شعبية يبيع فيها بعض سكان المدينة والأرياف المجاورة منتوجاتهم من الخضار والفواكه والأجبان والألبان والخبز، يفترش بعضهم الأرض وآخرون عبر بسطات صغيرة متناثرة ضمن المجمع.
مع التطور العمراني في 1958 بنت الحكومة مجموعة محال تجارية في المجمع وباعتها للسكان. ومنذ سنوات طويلة تتوزع في السوق العديد من المطاعم الصغيرة المتخصصة بتقديم وجبات الفطور الشهية من «الكيمر والعسل»، إضافة إلى محالّ لبيع المواد الغذائية من أجبان وألبان وزيتون وغيرها.

يشرح محمد زكي (40 عاماً) وهو صاحب بضع مطاعم في السوق أن الكيمر (أو القيمر، مع لفظ حرف القاف/الكاف بطريقة مماثلة للجيم المصرية) هي الطبقة التي تتشكل على سطح حليب الجاموس بعد غليه.
ويضيف: «في فصل الصيف يصطحب بعض مربي الجواميس قطعانهم إلى محافظة الرقة لتوافر المراعي المجانية هناك، لذلك نحرص على دفع مبالغ إضافية لهم للبقاء هنا، وإمدادنا بالكيمر الذي نحتاجه».

أسعار الشتاء والصيف
يراوح سعر الكيلو غرام الواحد من «الكيمر» بين 100 و150 ألف ليرة، ويتباين السعر بين في فصلي الصيف والشتاء، فالكميات تكون أكبر في الشتاء ما يعني أن السعر أرخص، ويحصل العكس صيفاً.
يجلب زكي العسل من مناطق الساحل السوري نظراً لمواصفاته. «نراعي تقديم عسل مناسب للزبائن بحيث لا يضر بصحة الاشخاص المصابين بداء السكري»، يقول.
يتردد الزبائن على السوق منذ الصباح الباكر حتى الثامنة مساءً، ولذلك تستمر المطاعم المخصصة للإفطار بتقديم أطباقها «مراعاة للزبائن» كما يقول زكي.

بصمات الحرب حاضرة
يقول أيوب علي (53 عاماً) وهو من سكان ريف القامشلي، إنه يتردد على «سوق الكيمر والعسل» منذ 25 عاماً، فهي وجهته الأولى كلما قصد المدينة لقضاء حاجة ما، فـ «وجبة الكيمر والعسل طبيعية وصحية، علاوة على لذتها التي لا توصف» على حد قوله.
الأسباب ذاتها كانت وراء توجه جميل محمود (40 عاماً) وهو أحد أبناء القامشلي المغتربين، إلى هذه السوق مع أحد أقربائه. يقول جميل إنه منذ الأيام الأولى لإجازته سعى إلى التلذذ بطعم الكيمر والعسل، والاستمتاع بالجلسة ذات الطابع الشعبي فهي تُحيي في نفسه ذكريات جميلة جمعته مع أصدقائه ذات يوم هنا.

يؤكد عماد حسن (47 عاماً) وهو أحد العاملين في السوق، أن الإقبال تأثر بشكل كبير مع ظروف الحرب، ففي السابق كان يقصد السوق مئات التجار الذي يأتون إلى المدينة من حلب ودمشق وحمص وحماة بغرض التجارة، وكانت هذه السوق «وجهتهم الأولى لتناول وجبة الفطور».
كذلك الأمر بالنسبة لمئات التجار كانوا يقدمون من تركيا، «عندما كانت الحركة التجارية نشطة عبر معبر نصبين قبل الحرب»، أما اليوم فقد بات الإقبال مقتصراً على أبناء محافظة الحسكة، وخاصة مدن القامشلي، والدرباسية، وعامودا، و«قليلاً ما يأتي زوار من المحافظات الأخرى».
ومثل معظم أصحاب المهن في سوريا، يأتي عدم توافر الكهرباء على رأس التحديات التي يواجهها العاملون في السوق، وبات أصحاب معظم المطاعم يعتمدون على ألواح الطاقة الشمسية، أو شراء المولدات الكهربائية الخاصة، حتى لا تفسد مأكولاتهم.
