عانى كثير من مسيحيي سوريا تهميشاً سياسياً على امتداد عقود، شأنهم شأن سائر السوريين والسوريات، مع محاولات إرضائهم ببعض الحريات المتعلقة بممارسة طقوسهم الدينية، والسماح بفتح مدارس خاصة وتعلم اللغة السريانية والآشورية، في نوع من ترويج السلطات لالتزامها «حماية الأقليات». ولم يكن الأمر أفضل في كثير من المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام السابق، بل إن الأمور ساءت في معظم تلك المناطق ووصلت حدّ الاضطهاد.
تشكل مناطق الجزيرة السورية موطناً تاريخياً لآلاف العائلات من مسيحيي سوريا، وقد تناقصت الأعداد في سنوات الحرب مع موجة هجرات مستمرّة، ومع تفجر الأوضاع في الساحل السوري ووصل الانتهاكات حدّ ارتكاب مجازر على أسس طائفية، صار بعض من تمسكوا بالبقاء سابقاً يتخوفون من أن يجدوا أنفسهم مضطرين إلى سلوك طريق الهجرة في نهاية المطاف.
«كلنا أبناء آدم»
يتحدث مطران أبرشية الجزيرة والفرات للسريان الأرثوذكس موريس عمسيح عن الوضع السوري، بعد نحو ثلاثة أشهر من سيطرة أحمد الشرع على السلطة، قائلا: «يشعر الناس بقلق كبير. نأمل أن يسود العدل والمحبة، وأن يكون هناك خوف من الله في الحكم، بحيث يُعامل الناس بالمساواة دون النظر إلى مذهب أو عقيدة، لأننا جميعًا أبناء آدم وإخوة في الإنسانية. يجب أن نتكاتف في هذه الظروف الصعبة، خاصة بعد 14 عاماً من المعاناة والآلام».
«سيكون الخروج من البلاد هو الخيار الوحيد في حال سيطر متشددون على مناطقنا»
وحول مخاوف المسيحيين من شكل الدولة الجديدة، خاصة بعد وقوع انتهاكات كثيرة، يؤكد المطران: «لا نعتقد أن سورياً قد يؤذي أخاه، لكن المشكلة تكمن في العناصر الغريبة التي دخلت مع هيئة تحرير الشام، ولا تفرّق بين إنسان وآخر، بل تحقد على الجميع. نأمل خروج الوجوه الغريبة من بلدنا».
يعبر عمسيح عن أمله في أن تكون سوريا «دولة مدنية تُحكم بمخافة الله. الكنائس اليوم ترفع الصلوات والدعوات لله ليحفظ الجميع ويبعد المصائب عن البلاد.. نحن لا نسعى فقط لحماية أتباع ديانتنا، بل للدفاع عن جميع السوريين».
الحريات بين الماضي والحاضر
رغم فرحة غالبية السوريين بسقوط النظام السابق، فإن يوسف ملكي (48 عاماً)، الذي ينحدر من بلدة تل تمر شمال غرب الحسكة؛ لديه وجهة نظر مختلفة: «بالمقارنة بين النظام السابق والحالي، كانت هناك حرية أكبر للمسيحيين رغم بعض التجاوزات ضدهم، أما الآن فالوضع أصبح أكثر تقييداً على مستوى الحريات والأمان، والمخاوف من تراجع هذه الحقوق تتزايد».
وتابع «إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو، فنحن نعتقد أن سوريا ستواجه المزيد من الانقسامات والصراعات الأهلية. إذا فرض الإسلام السياسي على الشعب، كما نراه حالياً، فسيفتح باب الهجرة بأعداد كبيرة».
ملكي الذي عاد من بلجيكا بعد عام من المكوث هناك، يفكر بالسفر مجدداً، يقول: «قررت العودة لبلادي ومدينتي لأنني شعرت بتحسن الوضع الأمني، إذا ساءت الأوضاع قد أسافر إلى بلجيكا مجدداً، سيكون الخروج من البلاد هو الخيار الوحيد في حال سيطر متشددون على مناطقنا».
ويضيف: «نفضل أن تبقى القيادة الحالية على حالها شمال شرق سوريا، لأن تغييرها سيؤدي حتماً إلى المزيد من الهجرة، وهو ما لا نريده».
يتفق عضو المجلس الشعبي الآشوري سركون صويلو مع يوسف ملكي قائلا: «هناك تخوف كبير لدى المكون الآشوري السرياني الكلداني من التشدد الديني الذي يمارسه بعض من هم في السلطات القائمة حالياً. خلال عهد النظام السابق، كنا نشعر بالأمان في ممارسة شعائرنا الدينية والعادات الاجتماعية بكل سهولة ويسر، كنا ندرس لغتنا الآشورية في المدارس والكنائس خلال العطلات الصيفية، ولدينا مدارسنا الخاصة».
يصف صويلو أوضاع المسيحيين في سوريا بـ«المحاصرين في زاوية ضيقة»، مضيفاً «المغتربون يشعرون بتخوف من العودة إلى الوطن، رغم شوقهم. نتمنى أن تكون الأحداث الأخيرة (في إشارة إلى مجازر الساحل) مجرد غيمة صيفية عابرة، ولا تكون هي الأساس الذي سيحكم حياتنا في المستقبل».
وبالنسبة للقاءات رجال الدين المسيحيين مع أحمد الشرع، علق عضو المجلس الشعبي الآشوري صويلو: «لم نتلق تطمينات واضحة حتى الآن، لم نلتقِ برجال الدين الذين اجتمعوا به، ونحن بانتظار لقاء قريب مع المسؤولين لمعرفة التفاصيل والتطمينات المتعلقة بمستقبل المسيحيين في سوريا».
نزف ديمغرافي مستمر
حول أسباب تناقص أعداد المسيحيين في سوريا منذ بداية الحراك الشعبي في البلاد، يوضح صويلو أن «الهجرة السابقة كانت بغية تحسين الظروف المعيشية، وخاصة لدى الآشوريين بعد تدهور وضع الزراعة نتيجة جفاف نهر الخابور» .
يُذكر سويلو بأن الهجرة أخذت منحى آخر مع ظهور تنظيم «داعش» المتطرف، إذ «تعرض العديد من المواطنين للخطف والمساومة على دفع فدية كبيرة مقابل الإفراج عنهم، هذا أدى إلى تهجير قسري للمكون الآشوري السرياني الكلداني بنسبة تراوح بين 80- 85%، وهو ما شكل ضربة قاضية، إذ انحدر العد بشكل كبير إلى نحو ألف شخص في المنطقة، بعد أن كان عشرات الآلاف».