الرسم: (عماد حجاج - كارتون موفمينت)
«مشاكل عالم أول».. كثيراً ما يُستعمل هذا التعبير الساخر تعليقاً على من يشتكي من مشكلة «تافهة وسطحية» مقارنة بالمآسي الحقيقية التي يعاني منها سكان الدول الأقل حظاً. لكن من الذي قرر هذا التصنيف أصلاً، حتى ولو كان على سبيل المزاح؟
أنا لا أنتمي إلى دولة متقدمة، رغم أنني أعيش حالياً في ما يُعتبر «العالم الأول». في الوقت ذاته، لا أعيش في «العالم النامي أو الثالث»، مع أنني أنتمي إليه بهويتي، ومظهري، ومعتقداتي، والأهم من ذلك بحروبه، كوني مهاجرة أو لاجئة، قادمة من ذلك «العالم الثالث» إلى هذا «العالم الأول». فهل أُصبح جزءاً من هذا النمط الجديد الذي أعيش فيه؟ أم أنني مجرد زائرة مؤقتة، وضيفة قد يُطلب منها الرحيل في أي لحظة؟
توقفت عند هذا السؤال حين بدأت أوروبا تتعامل مع السوريين بطريقة مختلفة، بعدما اعتبرت أن الحرب في سوريا انتهت، أو على الأقل لم تعد بالحدة ذاتها، ما أدى إلى تعليق طلبات اللجوء أو الهجرة. فجأة، أصبح كثرٌ منا عالقين في الفراغ. شعرت بفرحة غامرة عند سماعي خبر سقوط النظام، لكن بعد دقائق قليلة تذكرت أنني مقيدة بالأوراق؛ إقامتي الحالية لا تسمح لي بمغادرة بولندا، ولا أعلم إن كنت سأحصل على إقامة جديدة بعد هذا التغيير.
لم تتأخر الدول الأوروبية التي تستقبل اللاجئين في اتخاذ موقف حاسم، فسرعان ما أُعلن عن تجميد طلبات اللجوء الحالية، وعدم استقبال طلبات جديدة للسوريين.
لم أكن أعلم جيداً ما هي استثناءات هذا القرار أو مدى صرامة تطبيقه، لكنني أتذكر جيداً مشاعري حينها؛ ماذا أفعل؟ هل أستمر في تعلّم اللغة الأجنبية؟ ماذا لو عدت إلى بلدي الآن؟ هل سأكون آمنة بعد قراري خلع الحجاب في أوروبا؟ سقوط النظام لا يعني أننا سنصبح أحراراً فجأة، أو أننا سنتوقف عن تقديم تقرير مستمر للمجتمع عن خطواتنا، وتحركاتنا، وحتى لباسنا!
لا أعتقد أن مشكلاتنا تقتصر على الجغرافيا، رغم أن الأرقام قد تشير إلى ذلك. أعتقد أن مشكلاتنا فردية قبل كل شيء. غياب قيمة الفرد وجوهره هي الأزمة الحقيقية
أتذكر موقفاً مررت به أثناء عملي في مخيم لتدريب الطلاب المحليين في بولندا على اللغة الإنجليزية. كنت الوحيدة من سوريا بين زميلاتي القادمات من المملكة المتحدة، وأستراليا، وأميركا، واليابان. كنا مجموعة من الفتيات في العشرينات والثلاثينات، وخلال الغداء، تحدثت إحداهن، وهي أسترالية تعيش في لندن، عن اضطرارها للعمل في وظيفتين في وقت واحد. أبدى بعضنا الدهشة من هذا الأمر، رغم أنني شخصياً مررت بهذه التجربة في دمشق، وأعرف كثراً خاضوها أيضاً. ومع ذلك، أظهرتُ ردة الفعل ذاتها، ربما كي لا أبدو غريبة عن المجموعة، أو لأنني تأثرت بتوقعاتي المسبقة عن مواطني «العالم الأول».
قاطعتها إحدى الفتيات لتوضح أن هذا الأمر شائع في المملكة المتحدة ومعظم المدن الغربية الكبيرة، حيث يعمل كثرٌ بوظيفتين لتغطية نفقاتهم. استمر النقاش بعدها حول تجارب العمل، وطرق البحث عن الوظائف، وامتصاص صدمة الرفض.
حينها، أدركت محدودية عبارة «مشاكل عالم أول»، ليس لأنها كانت مناسبة للموقف، بل لأنها لم تكن كذلك إطلاقاً! تخلق هذه العبارة تعميماً زائفاً بأن كل من يعيش في بلد متقدم هو بالضرورة مرفّه وسعيد، بينما الواقع أكثر تعقيداً. لا يمكننا إنكار أن دولنا تضع على عاتقنا مشكلات حقيقة نولد معها، لكن الإيمان المطلق بهذا؛ يجعلنا نشعر بالمظلومية والقدرية، وكأن بؤسنا أمر محتوم لا فكاك منه. في المقابل، الاعتقاد بأن سكان الدول المتقدمة محظوظون حتى في مشكلاتهم؛ قد يجعلنا نفقد القدرة على التعاطف معهم.
«مشاكل العالم الأول» ليست مجرد أمور تتعلق بالسياحة أو التسوق. في بعض الأحيان، تكون مشكلات حقيقية، مثل اضطرار البعض إلى العمل في وظيفتين بدوام كامل، فلا يتبقى لهم سوى ساعات قليلة للنوم أو تناول الطعام. صحيح أن مواطني الدول المتقدمة يتمتعون بامتيازات كثيرة، مادية ومعنوية، لكن فكرة أن عالمهم خالٍ من المصاعب والرفاهية المطلقة؛ مجرد وهم.
التقيتُ مرة بفتاة أميركية تخرجت في كلية الصحافة، وكانت تقترب من عامها الأربعين، وأقصى أحلامها كان الزواج من رجل ثري يُريحها من عبء البحث عن سكن مناسب. رغم أن الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم!
لا يمكننا مقارنة هذه التحديات بالدمار الذي عاشته دولنا تحت وطأة الحروب، بكل ما خلفته من تراجع وبؤس وغضب وفقدان جماعي. لكن في المقابل، ألم يخض «العالم المتقدم» حروباً طويلة حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم؟ وكم من فرد في سوريا أو نيجيريا مثلاً قد يكون مستفيداً من هذه الحروب والفوضى، بينما آخرون خسروا كل شيء؟
هل يمكن اعتبار السوريين الذين يعيشون حياة الأضواء في دبي، ويغيّرون سياراتهم بحسب لون الـ«أوتفيت»، والسوريين الذين يعيشون في الخيام، ضمن التصنيف ذاته؟ هل هم جميعاً أبناء «العالم الثالث»؟
لا أعتقد أن مشكلاتنا تقتصر على الجغرافيا، رغم أن الأرقام قد تشير إلى ذلك. لكن هذه الأرقام نفسها تُظهر مثلاً؛ أن هناك نسبة بطالة مرتفعة في إسبانيا، مع أن المقياس يشمل أحياناً أشخاصاً لا يعملون بشكل نظامي، لكنهم يعيشون برفاهية تفوق مواطناً مسجلاً بصفة عامل.
أعتقد أن مشكلاتنا فردية قبل كل شيء. غياب قيمة الفرد وجوهره هي الأزمة الحقيقية. تحت بروباغندا «العالم الأول» هناك خاسرون، وتحت بروباغندا «العالم الثالث» هناك رابحون، وبين هاتين المعادلتين تضيع الحقائق.