الصورة: (خالد حسينو - فايسبوك)
بعد سنوات من النزاع والتهجير، استبشر أهالي ريف حماة الشمالي خيراً بعودة الحياة إلى أراضيهم الزراعية الخصبة التي طالما عُرفت بإنتاجها الوفير من القمح والشعير، وخاصة في مناطق مثل كفرنبودة، والهبيط، وكرناز.
بدءاً من شباط/فبراير الماضي انطلقت جهود حثيثة لإعادة إحياء هذه الأراضي وزراعتها، لتكون مصدر رزق للأهالي ورافداً للأمن الغذائي المنهك في البلاد، لكن سرعان ما تبددت هذه الآمال الوردية أمام واقع قاسٍ جداً، تجسد في فشل ذريع للموسم الزراعي.
السماء تحبس أمطارها
بعد سنوات من الجفاف النسبي والتغيّر المناخي الواضح في عموم سوريا، شهدت المنطقة شحّاً استثنائيّاً في الأمطار خلال المراحل الحاسمة لنمو القمح والشعير، هذه الظروف المناخية القاسية لم تعط البذور فرصة النمو بشكل صحي متكامل، بل أدت إلى ضعف النباتات وذبولها قبل أن تبلغ مرحلة الإنتاج، وقلة الأمطار أعاقت أي محاولة للزراعة في ظروف طبيعية، وقادت بالتالي لإلى الاعتماد على الريّ من الآبار، ما يزيد من هشاشة الأراضي التي عانت طويلًا من الإهمال.
يشرح الصحافي خالد حسينو، المنحدر من قرية كفرنبودة في ريف حماة الشمالي قائلاً: «بعدما تحررت البلاد عاد كثير من أهالي قريتي، وغالبيتهم مزارعون، إلى أراضيهم، أملاً بتعويض جزء من المواسم التي تركوها خلفهم في سنوات النزوح، لكنهم اصطدموا بواقع مؤلم». ويتابع: «مع ذلك زُرعت مساحات شاسعة من القمح و الشعير البعلي، فهذه المحاصيل لا تحتاج الى ريّ، أملاً بوجود الرطوبة داخل التربة، إلا أن النتائج كانت كارثية، إذ راوحت تكلفة الدونم الواحد بين 25 - 30 دولاراً، ثم اضطر المزارعون إلى تأجير تلك الأراضي لرعاة الماشية بقيمة لا تتجاوز 4 دولارات للدونم الواحد، ما سبب خسائر تعدت حاجز الـ 90%».
يستعرض حسينو الواقع الزراعي في ريف حماة الشمالي، إذ «تضرر هذا العام نحو 8000 هكتار من محصول القمح، وأكثر المناطق المتضررة هي الشرقية من سهل الغاب في كفرنبودة وكفرزيتا والهبيط وكرناز». من أسباب الفشل الإنتاجي عدمُ توافر وسائل الريّ لأن جميع الآبار في المنطقة سُرقت معداتها، ورُدمت على يد ميليشيات النظام السابق.
بصمات التهجير عميقة
ترك تهجير الأهالي لسنوات بصماته العميقة على خصوبة التربة وبنيتها، فغياب العمليات الزراعية المنتظمة، وعدم إضافة الأسمدة والمحسنات اللازمة للحفاظ على هشاشة التربة، بالإضافة إلى عوامل التعرية المختلفة، أدت إلى تدهور كبير في جودة التربة، وحدّت قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة والعناصر الغذائية الضرورية لنمو النباتات فيها، هذا الوضع جعل الأراضي أقل قدرة على تحمل فترات الجفاف وبالتالي أقل إنتاجية.
محمد القاسم أحد المزارعين العائدين إلى كرناز، وقد تضرر شأنه شأن سواه في موسم القمح. يقول: «عدت على عجل بعد التحرير ولدي أمل بالاستفادة من الموسم الزراعي، وتعويض شيء من خسارات سنوات البعد عن الأرض التي تبلغ مساحتها 50 دونم، فحرثتها وبذرتها بالقمح ودعمتها بالسماد بتكلفة تعدت 2500 دولار».
ويتابع «أخذت بعين الاعتبار التغير المناخي وقلة الأمطار هذه السنة، ولكن كان لدي أمل بهطول بعض الأمطار في أواخر الشتاء، للأسف بعد انتظار أشهر كانت الصدمة؛ نبتت سنابل القمح ولكنها كانت عاجزة وقصيرة، والنسبة العظمى منها كانت خالية من القمح، فأجرتها لرعاة الأغنام. لم تكن الخسارة بالمال فقط بل في الجهد والتعب والأمل».
عوامل عديدة
عوامل أخرى أفشلت موسم القمح والشعير في ريف حماة الشمالي، منها صعوبة توفير البذور المحسنة والأسمدة والمبيدات الحشرية بأسعار تتناسب مع قدرات المزارعين، بالإضافة إلى محدودية الدعم المقدم للفلاحين العائدين.
يقول المدير العام للهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب، المهندس عبد العزيز القاسم: «تعاني كفرنبودة وكرناز وغيرها من تحديات زراعية من حيث طرق الري وطبيعة التربة، فأراضي "طار العلا" مثلاً طينية حمراء اللون، وقليلة الاحتفاظ بالرطوبة، ما يجعلها غير مثالية لاختزان الماء مدة طويلة».
ويضيف: «زراعة القمح في المنطقة مروية، لكن الري البشري يكون تكميلياً، إذ يُعتمد على الأمطار في بداية الموسم الزراعي. وقد أدى تأخر هطول الأمطار هذا الموسم إلى تأخر في الزراعة. أما الأراضي التي كانت خاضعة للاستثمار من قبل النظام السابق؛ فأعطيت لمستثمرين غير مهتمين بخصوبة الأرض أو الحفاظ عليها، بل كان هدفهم تحقيق الربح فقط، وأدت زراعة القمح في تلك الحقول سنوات متتالية، دون تقديم مستلزمات الإنتاج الكافية، إلى التأثير سلباً على خصوبة التربة».
وفق القاسم؛ أسهمت عوامل أخرى في تدهور الواقع الزراعي، مثل تضرر الآبار الارتوازية، وتخريب قنوات الري في مشروع «طار العلا»، ونقص المياه الواردة من الرستن، إضافة إلى موجة الجفاف التي ضربت المنطقة.
الأمن الغذائي في خطر
يحمل فشل الموسم الزراعي الحالي تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي في المنطقة، كما على سبل عيش السكان الذين يعتمدون بشكل كبير على الزراعة مصدراً رئيساً للدخل، فبدلاً من تحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير الغذاء، سيجد الأهالي أنفسهم أمام تحديات أكبر في تأمين احتياجاتهم الأساسية، مع مواجهة موجات نزوح جديدة بحثاً عن فرص عمل وموارد أخرى.
أمام هذه المعطيات، ثمة خطوات لا بدّ منها، مثل دعم المزارعين في هذه المناطق، وتوفير الموارد اللازمة لتحسين جودة التربة وتوفير المياه، بالإضافة إلى تبني سياسات زراعية حديثة ومستدامة تأخذ في عين الاعتبار التغيرات المناخية، وجميعها خطوات ضرورية لتحويل «جفاف الأمل» إلى «ريّ الغد» في حقول الشمال وجميع الأراضي السورية.