الرسم مولّد بالذكاء الاصطناعي
حاولنا في مقال سابق مقاربة آلية ولادة الرموز وصعودها، ننتقل هنا إلى تتبّع ما يحدث حين تُسقَط رموز وتُستبدل بها أخرى. قد تتيح لنا هذه المقاربة أن نتلمس، ولو جزئياً، ما جرى ويجري في التجربة السورية، من دون ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة، بل في محاولة لقراءة بعض ملامح المشهد الرمزي حين يُعاد تشكيله.
ولادة الرمز البديل
بعد التضحية بالرموز السّابقة في «طقس قرباني»، يُمهّد الطريق أمام الرمز الجديد ليتربّع على العرش الرّمزي دون منازع. لكنّه غالباً ما ينصّبُ على هذا العرش بمهمّةٍ محدّدة، هي تنفيذ «أجندة» أعدّت سلفاً. وتحت تأثير «هيبة» هذا الرمز التي ضُخّمت في الإعلام، تُمرّر تصوّراتٍ جديدةٍ للعالم، ويبدأ تحديد العدو والصديق، وإعادة صياغة مفاهيم الخير والشر، والمصلحة والخيانة، والانتماء و«اللاإنتماء». كلّ ذلك يحدث في مستوى غير واعٍ من الإدراك الجمعي. بالتالي تُمرّر تلك السّياسات المصممة بعناية كخلاصاتٍ نابعةٍ من إرادة الجماعة نفسها، لا من الخارج. وهذا هو جوهر الخداع الرمزي، فالمجتمع يظن أنه يختار، بينما هو، فعليّاً، يُقاد).
هشاشة «المُصطنع»
لقد حصل ذلك غير مرة في أكثر من دولة. كانت القوى المهيمنة تُسقط رموزاً وتُبدلها بقادة أكثر طواعية، ثم تُغدق عليهم الهالة الإعلامية ليُصبحوا رموزاً بديلة تمهّد لسياساتٍ تخدم الشركات الكبرى والبنوك العالمية. لا مجال هنا لسرد هذه الأمثلة الكثيرة. في هذه العمليّة لا يتوقّف دور الإعلام على إخفاء الحقيقة فقط، بل يعمل على بناء «واقع بديل» يخدم مصالح «المشغّلين»، ويُكرِّس شخصياتٍ تُقدّم كمنقذين، بينما هم وكلاء ضمن شبكة مصالح.
بهذا المعنى، لا يكون الرمز المشوَّه مجرد تمثيل لحاجة نفسية، بل أداة تنفيذ في يد بنية أوسع. أداة تُعيد تشكيل الذاكرة، وتُعيد ترتيب الأولويات، وتعيد تعريف معنى الوطنية والكرامة، بما يتناسب مع المشروع الذي خُلق من أجله.
حين نُمعن النظر في البنية الداخلية للرمز المصطنع (المشوّه)، نجد أنه لا يقوم على مشروع حقيقي. إنه مجرد تركيبة محشوة بعناصر اصطناعية خادعة، مزيج من «الخطاب التعبوي» و«الهالة الإعلامية» و«الامتثال للقوة». لا يحمل مضموناً ذاتياً متماسكاً، بل يُعاد إنتاجه يومياً بحسب مقتضيات المرحلة.
هو، بهذا المعنى، ليس رمزاً بذاته، إنما هو رمزٌ بوظيفته المبتغاة. لذا فإنّه يفتقر - غالباً - إلى الرؤية، وإلى الجواب العميق عن أسئلة الجماعة. يخاف المساءلة، ويتحصّن بالهيبة المصطنعة. من هنا يصبح خطابه دائماً هجوميّاً، استئصاليّاً، قائماً على التخوين والتشكيك وربما التكفير، لأنّه هشّ من الداخل. والهشاشةُ حين تتخفّى خلف القوّة تغدو خطيرة، لأنها تُنتج عنفاً يهدفُ إلى إسكات كلّ صوتٍ يُهدّد بكشف بنيته الزائفة. وفي غياب المشروع الحقيقي، يتحوّل الرمز إلى صورةٍ تُكرَّر، وعبارةٍ تُردَّد، ووجهٍ يُبثّ على الشاشات، في محاولةٍ مستميتة لخلق حضورٍ من العدم.
إنّنا، هنا، إزاء «نصّ رمزيٍّ مزوّر»، تكتبُه منظومةٌ أوسع، وتحرص على تغليفه بهالة القداسة، كي لا يُطال بالنقد، ولا يُقارن بسواه، ولا يُسقط من الوعي. لكنّ الوعي، حين يعود، يُعرّي تلك القشرة، ويُعيد طرح السّؤال البسيط الذي يُربك كلّ منظومة التّزييف: «ماذا حقق هذا الرمز؟ وماذا يمثّل فعلاً؟».
بين الهتاف والواقع المركّب
ما يفاقم هشاشة هذا الرمز، ويجعل استمراره محكوماً بالفناء، لا يُردّ إلى خصومه أو خصائصه الفرديّة فحسب، بل إلى التناقض العميق بين بنيته الرمزية التبسيطية، وبين الواقع المركّب الذي يُراد له أن يقوده. فالرمز الذي يتغذّى من مشاعر الغالبية، ويختصر القضية كلها في سردية «المظلوميّة» وحدها، يتجاهل – بالضرورة – التنوّع المركّب: التعدّدية القومية والدينيّة والطائفيّة للمجتمع، وتشعّب هوياته، وتداخل طبقاته. هكذا يتحوّل الخطاب القائم على «الأكثرية» من أداة حشدٍ إلى أداة إنكارٍ لصوت الآخر، حتى حين لا يُقصيه صراحةً.
حذّر إدوارد سعيد من أن غياب المشروع الوطني الجامع، والانجرار وراء التصنيفات التبسيطية، يُفتّت الهوية الوطنية ويفتح الباب أمام القوى الأجنبية للنفاذ إلى المجتمعات التي تختزل السلطة في فئةٍ تدّعي تمثيل الجميع
في المقابل، فالولاء العاطفي للرمز – بوصفه استجابة شعورية مشفوعة بالإحساس بالظلم والتوق إلى الخلاص – يبقى عاجزاً عن توليد بنية حكمٍ قابلةٍ للاستمرار، ما لم يُرفد ببوصلة عقلانية، وخطاب جامع، وشبكات دعم أوسع من جمهور اللحظة. وإذا كان التحليل العلمي لبنية الرمز، كما رأينا، لا يصمد أمام اختبار الزمن من دون توافق مع تحليل بنية الواقع، فإن الرمز الذي لا يستطيع أن يتكثف في مشروعٍ سياسيٍّ مُقنع لن يملك ما يحميه من التآكل، مهما اشتدّت حوله الهتافات.
مع هذه البنية الرمزية المبسّطة، قد تنفلت الأمور من يد السلطة التي يجسّدها هذا الرمز، فيلجأ إلى فرض هيمنته بالقوة، مستثمراً أدوات القمع والتخوين. ويؤدي هذا التصعيد إلى تفاقم هشاشته، إذ يُثير مقاومة من داخل المجتمع ذاته، ويمهّد الطريق لصراعات مفتوحة مع جماعات محلّية معارضة. فإذا استمرّ الرمز القائم في تجاهل ضرورات التحوّل، كصياغة خطاب جامع، وتقديم مشروع سياسي شامل، وتبني رؤية مستقبلية واضحة، والعمل بعقلية الدولة لا بعقلية الفئة، فإن الواقع يتجه نحو سلسلة من النتائج الكارثية تبدأ بانهيار مؤسسات الدولة وتفشي الجريمة وضعف سيادة القانون، ما يهدد الأمن ويزعزع الاستقرار.
من هنا، تتسارع الانقسامات، وتتعمّق التصدّعات بين المكوّنات الاجتماعية والسياسية، ما يرفع من احتمالات الانزلاق نحو اقتتال أهلي وصراعات «مناطقية» تدريجيًا، فتتآكل البنية الوطنية إلى حدّ يفتح المجال لتفكك الدولة إلى كيانات متناحرة، ويجعلها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، سواء عبر وصاية ناعمة أو احتلال مباشر، ما ينتهي إلى فقدان السيادة الوطنية.
بحثاً عن «المشروع الجامع»
لقد حذّر إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» من أن غياب المشروع الوطني الجامع، والانجرار وراء التصنيفات التبسيطية، يُفتّت الهوية الوطنية ويفتح الباب أمام القوى الأجنبية للنفاذ إلى المجتمعات التي تختزل السلطة في فئةٍ تدّعي تمثيل الجميع. ينطبق هذا بوضوح على الحالة السورية، إذ ساهم غياب المشروع الوطني الشامل في تفكك النسيج الاجتماعي، وترك البلاد مكشوفة أمام التجاذبات الإقليمية والدولية. في المحصّلة، حين يعجز الرمز عن التحوّل إلى مشروع جامع، ويكتفي بهالة التمثيل، يتحوّل من تعبير عن الدولة إلى عبءٍ عليها، ومن وعدٍ بالوحدة إلى عاملٍ في التفكك.
قد لا يدرك بعض أبناء الفئة الاجتماعية التي تشكّل الغالبية العددية في المجتمع السوري، حجم الخطر الذي يطرق أبوابهم في لحظات التهديد والتشظي. لا لأنهم خصوم للسلطة، بل لأنهم قد لا يعودون أداةً طيّعة يمكن الاعتماد عليها، ولا احتياطيّاً صامتاً يُستدعى عند الحاجة. وبرغم ما قد تبدو عليه أحوال هذه الشريحة من أمان نسبي، فهي الأكثر عرضةً للاستهداف عبر إعادة تشكيل سرديتها الوطنية، وهويتها الاجتماعية، ودورها في المستقبل.
فالخطط التي تستهدف تفكيك مجتمع ما، عادة ما تبدأ بضرب «الهيئة الأكثر تمثيلاً» فيه، ومحاولة تشويهها وتشتيت نسيجها الاجتماعي والسياسي، ما يؤدي إلى تحييدها أو تغيير دورها بشكل غير إرادي.
هذه «الأكثرية»، التي كانت منذ فجر الاستقلال الحامل الفعلي لمشروع الدولة السورية الناشئة، ليست مجرد جمهور للرمز الحاكم، بل هي قلب الهوية الوطنية. فقد خرج منها قادة شكلوا أسس الجمهورية السورية، من دون أن يطالبوا بأي امتيازات خاصة على أساس طائفي أو مذهبي، بل حملوا على عاتقهم مسؤولية ضمان العدالة والحرية لكل السوريين. لقد مثّلت قيادات مثل شكري القوتلي، وسعد الله الجابري، وخالد العظم، هذا التلاقي الوطني الذي تجاوز الانقسامات الضيقة. إلى جانب شخصيات أخرى مثل نسيب البكري ويوسف الحكيم وفارس الخوري، الذين شكلوا نموذجاً لوحدة وطنية حقيقية داخل هذه الأكثرية وخارجها. لم تكن مفردات «الأكثرية» و«الأقلية» متداولة حينها كهوية سياسية متقابلة، بل كان التنافس يدور بين رؤى ومشاريع لبناء الوطن، مع انفتاح فعلي للجميع للمشاركة في صناعة المستقبل.
إن إدراك هذه الحقائق اليوم، والتفهم العميق لتاريخ ودور هذه «الأكثرية»، هو خطوة أساسية لأي محاولة ناجحة لإعادة بناء مشروع وطني جامع، يضمن مشاركة فاعلة وعادلة لكل فئات المجتمع السوري. فالحلول، في المجتمعات المتفككة، لا تُبنى على توازنٍ حسابيّ بين «المكوّنات»، بل على وعي الجماعة الأكبر بمسؤوليتها التاريخية عن تفكيك التشوّهات الرمزية التي اعتاش عليها الطغيان.
يبدأ الإصلاح حين تتحرّر الكتلة الكبرى من صمتها، وتعيد النظر في دورها بوصفها فاعلاً لا ضحية فحسب. هنا، لا بدّ من تفكيك الرمز المشوّه لا إسقاطه فحسب؛ إذ لا يكفي أن يسقط الرمز، بل يجب أن يُفهم كيف وُلد وكيف استُهلك. لكنّ عبء النهوض لا يقع على «الأكثرية» وحدها، فكما أنّ الاستبداد طمس تمثيلها الحقيقي، استثمر أيضاً في خوف «الأقليات»، وهذا يجعل الشراكة الوطنية ضرورة لا مجرد خيار. المطلوب هنا في المقابل أن تتجاوز الجماعات الأصغر ردّ الفعل الدفاعي، وأن تسهم في إنتاج خطاب جامع، لا يكتفي برفض الماضي بل يتقدّم بمشروع بديل قابل للتجسّد في السياسة وفي المؤسسات.
ليست مجرد صور
ربما لم نجد إجابات نهائيّة لكل تلك الأسئلة التي طرحناها في المقدّمة. مثلما لم نجد تفسيراً واضحاً ونهائيّاً لصوت الرصاصة التي هشّمت تلك الصورة على الجدار القديم، ولا لصمت الذين مرّوا من أمامها دون أن يتوقّفوا عند المعنى وراء ذلك. لكنّنا نعرف، على الأقل، أن الرموز ليست مجرّد صور، وأنّ تمزيقها ليس فعلاً عارضاً، بل ربّما يكون فعلاً قصديّاً لتمزيق المعنى والذاكرة. وما دامت المعركة تُخاض في حقل الرموز، فإنّ استعادة المبادرة تبدأ بفهم بنية تلك الرموز، وتحرير المخيّلة الجمعيّة من أسرها. وحده الوعي، لا الغضب، هو ما يمكن أن يُفشل أي مشروع فتنوي، ويمنع أعادة هيكلة البلاد خلافَ إرادة أهلها الواعية، لتصبحَ بدون ذاكرة، وبدون هويّة.
قد يكون تفكيك الرمز المشوَّه، والوعي بآليات استبداله، خطوة أولى فقط في مسار أطول وأعقد، إذ تتقاطع الذاكرة الجماعية مع مصالح القوى المهيمنة. وما لم يُترجم هذا الوعي إلى مشروع وطني جامع، سنظل ندور في دوامة إعادة إنتاج الرموز نفسها، بأسماء وصور جديدة.