× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

التعليم والعدالة الانتقالية في سوريا: نحو مناهج تُحصّن السلم الأهلي المستدام

عقل بارد - على الطاولة 08-11-2025

يتناول هذا المقال موقع التعليم في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، باعتباره ركيزة لإعادة بناء الثقة والسلم الأهلي بعد الحرب. ويحلّل كيف يمكن للمناهج أن تتحول من أداة للانقسام إلى وسيلة للمصالحة، عبر إصلاح تربوي يعترف بالتعددية وحقوق الضحايا، ويجعل من المدرسة فضاءً لتأسيس عقدٍ اجتماعي جديد

يشكّل التعليم إحدى الركائز الأساسية لإعادة بناء المجتمعات الخارجة من النزاعات، فهو لا يقتصر على نقل المعارف والمهارات، بل يتعدّى ذلك إلى المساهمة في صياغة الهوية الوطنية وإعادة تعريف العقد الاجتماعي.

في سوريا، وبعد أكثر من عقد من النزاع المسلّح والانقسام السياسي والاجتماعي، يُطرح سؤال محوري: هل يكون التعليم جزءاً من مسار العدالة الانتقالية، فيسهم في ترميم النسيج المجتمعي وتعزيز السلم الأهلي المستدام؟ أم يغدو أداةً لإعادة إنتاج الانقسامات وإدامة العنف؟

لقد بيّنت التجارب المقارنة في مناطق متعدّدة من العالم أنّ المدرسة لم تكن فضاءً محايداً، بل ساحةً لصراع السرديّات حول الماضي والحاضر والمستقبل. وعليه، فإن أيّ مشروع للعدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن أن يكتمل من دون معالجة شاملة لقطاع التعليم، بما يشمل المناهج الدراسية، وآليات إعداد المعلّمين، ودور الجامعات والباحثين.

سنقارب، في هذا المقال، دورَ التعليم السوري في سياق العدالة الانتقالية عبر تحليل الإطار النظري، وتشخيص الحالة السورية الراهنة، واستعراض بعض التجارب الدولية والعربية، وصولاً إلى اقتراح توصيات عملية يمكن أن تسهم في بناء مسار وطني جامع.

الإطار النظري: التعليم والعدالة الانتقالية

تُعرَّف العدالة الانتقالية بأنّها «مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي تنفّذها المجتمعات الخارجة من النزاعات لمواجهة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما يشمل المحاكمات، وآليات جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وحفظ الذاكرة» (فراس فحّام، 2025). لا شكّ أنّ هذه العدالة تتجاوز البعد القانوني لتشمل إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة، وترسيخ قيم الاعتراف والمساءلة والمصالحة.

في هذا السياق، يمارس التعليم دوراً مضاعفاً، إذ يُعدّ الأداة الأكثر فاعلية في نقل القيم عبر الأجيال. فالمدرسة جهازٌ اجتماعيٌّ يسهم في إنتاج الهوية الوطنية وإعادة إنتاجها، ويجعلُ من المنهاج الدراسي مجالاً يحدد السرديةَ الرسمية حول الماضي، لترسيخ القيم المطلوب تبنّيها أو محو الوقائع المراد نسيانها.

مستقبل سوريا العادلة والسلمية لن يُبنى في قاعات المحاكم وحدها، بل في صفوف المدارس وقاعات الجامعات أيضاً

تُظهر التجارب أن للتعليم دورين متناقضين؛ فقد يكرّس الانقسام ويغذّي العنف إذا تجاهل الذاكرة الجمعية أو استُخدم لتبرير المظالم، لكنه قد يشكّل أيضاً جسراً للمصالحة إذا اعتمد مقاربة نقدية تعترف بالتعدّدية وتدرّب الطلاب على التفكير النقدي.

يتجلّى ذلك بوضوحٍ في تجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية؛ إذ أسهمت المناهج التربوية قبل الحرب في ترسيخ خطاب الكراهية، بينما سعت المناهج بعد النزاع إلى معالجة هذه المعضلة بالتركيز على الهوية الجامعة. أما في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد شكّل إصلاح التعليم والتاريخ المدرسي أحد الأعمدة الرئيسة في مواجهة النازية وبناء ديمقراطية جديدة.

الحالة السورية: التعليم ساحة للانقسام

منذ العام 2011، شهد قطاع التعليم السوري انقساماً غير مسبوق. فبدلاً من وجود منهج وطني موحّد، ظهرت مناهج عديدة متوازية وفق رغبات سلطات الأمر الواقع. أولها المنهج الرسمي الصادر عن وزارة التربية في دمشق، الذي يسعى إلى ترسيخ شرعية السلطة التي كانت قائمة؛ ثانيها مناهج المعارضة في بعض المناطق الخارجة عن سيطرة النظام سابقاً، بعدما أعادت صياغة المواد بما يخدم رؤيتها السياسية والدينية؛ ثالثها مناهج الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، المرتكزة على أجندات محدّدة خاصة بتلك المناطق؛ ورابعها مناهج المخيمات والمبادرات غير الرسمية، التي غالباً ما تتسم بالفوضى وضعف الإمكانات.

هذا التشرذم جعل المدرسة مرآة للانقسام السياسي والاجتماعي، فالطالب في دمشق تلقّى رواية مختلفة تماماً عن الطالب في إدلب أو الحسكة. وبدلاً من بناء هوية وطنية مشتركة، تعزّزت هويات فرعية مناطقية أو طائفية أو قومية. كما غاب صوت الضحايا وذاكرتهم عن أغلب هذه السرديات، إذ لا تذكر المناهج شيئاً عن الاعتقالات الواسعة، أو الاختفاء القسري، أو استخدام الأسلحة المحرمة، أو المآسي الإنسانية التي عاشها السوريون، وإن ذُكرت فستكون حكراً على مناطق دون أخرى (BBC عربي، 2025).

علاوة على ذلك، أثّرت الحرب على البنية التحتية التعليمية، فدُمّرت آلاف المدارس أو تحوّلت إلى مراكز إيواء أو ثكنات عسكرية. وتفاقمت ظاهرة التسرّب المدرسي، ما أبقى جيلاً كاملاً خارج العملية التعليمية (يونيسف، 2021).

إن غياب مشروع وطني لإصلاح التعليم، يعمّق الشرخ ويضعف فرص بناء سلم أهلي مستدام. ومن هنا، يبدو أن إعادة توحيد الفضاء التعليمي في سوريا على أسس عادلة تشكّل تحدياً محورياً لمسار العدالة الانتقالية، إذ لا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية إذا كانت المدارس نفسها تزرع بذور الانقسام في عقول الأطفال.

الجامعات والباحثون: أدوار ومسؤوليات

تتحمّل الجامعات السورية مسؤولية مضاعفة في هذا السياق، فهي، من جهة، فضاء لإنتاج المعرفة الأكاديمية، ومن جهة أخرى، فضاء نقدي يتيح إعادة التفكير في بنية التعليم ودوره في المجتمع. 

تبرز هنا ثلاث مهمات أساسية:

  1. إنتاج المعرفة المقارنة: عبر دراسات تحليلية تستفيد من التجارب العربية والدولية في إصلاح التعليم بعد النزاعات (عطّور، 2025).
  2. احتضان الحوار الوطني: حول كيفية صياغة مناهج جديدة تعكس التعدّدية وتحترم حقوق الضحايا (الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 2025).
  3. تدريب المعلّمين: على مقاربات تربوية حديثة قائمة على التفكير النقدي وحقوق الإنسان، بعيداً عن التلقين الأيديولوجي.

أما في الشتات، حيث يوجد آلاف الأكاديميين السوريين، فيمكن للجامعات أن تلعب دوراً في تدويل قضية التعليم السوري، عبر شراكات مع مؤسسات بحثية عربية ودولية، بما يساعد على الضغط من أجل إصلاح تربوي حقيقي في المستقبل. وبذلك، يصبح التعليم الجامعي جزءاً من العدالة الانتقالية، لا مجرد أداة لتخريج كوادر مهنية.

توصيات عملية

استناداً إلى ما سبق، يمكن طرح مجموعة من التوصيات العملية التي قد تسهم في جعل التعليم رافعةً للعدالة الانتقالية في سوريا، وهي:

  • أولاً. صياغة منهج وطني جامع يراعي التعددية الدينية والقومية والسياسية، ويضمن الاعتراف بالتجارب المختلفة التي عاشها السوريون، مع التركيز على قيم المواطنة وحقوق الإنسان.
  • ثانياً. إنشاء هيئة مستقلة لإصلاح المناهج تضم خبراء تربويين وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني والضحايا، لتجنب هيمنة طرف سياسي واحد على العملية.
  • ثالثاً. إشراك المجتمع المحلي عبر ورش عمل وحوارات مجتمعية، تساهم في بناء سردية وطنية مشتركة للذاكرة مع مراعاة خصوصيات المناطق.
  • رابعاً. إدماج التربية على حقوق الإنسان كمادة إلزامية في مختلف المراحل الدراسية، مع التركيز على قيم العدالة والمساءلة والمساواة.
  • خامساً. تدريب المعلمين على أساليب تربوية نقدية، تمكّن الطلاب من مناقشة الماضي والحاضر بوعي، بعيداً عن التلقين.
  • سادساً. حماية الذاكرة من التسييس من خلال إدراج شهادات الضحايا، ومواد توثيقية محايدة، بما يحفظ حقوق المتضررين ويعزز ثقافة الاعتراف.
  • سابعاً. الاستفادة من التجارب الدولية والعربية، مع تكييف الدروس المستفادة بما يتلاءم مع الخصوصية السورية.

أخيراً..
إن إصلاح التعليم في سوريا ليس مسألة تقنية تخص المناهج فحسب، بل هو جزء جوهري من مسار العدالة الانتقالية وإعادة بناء الثقة الوطنية. فالمناهج الدراسية تشكّل ذاكرة الأمة، وما يُدرّس اليوم سيحدّد شكل المجتمع غداً.

فإذا استمر الانقسام التعليمي، ستظل فرص السلم الأهلي هشّة؛ أمّا إذا اعتُمدت مقاربة تربوية نقدية تعترف بالتعدّدية وتحترم حقوق الضحايا، فإن التعليم سيتحوّل إلى أداة فاعلة لترسيخ المصالحة الوطنية.

ويبقى الدور المركزي للجامعات والباحثين السوريين، في الداخل والشتات، أساسياً لصياغة رؤية تعليمية شاملة تدمج العدالة بالعلم، وتربط بين الماضي المؤلم والمستقبل الممكن.

إن مستقبل سوريا العادلة والسلمية لن يُبنى في قاعات المحاكم وحدها، بل في صفوف المدارس وقاعات الجامعات أيضاً، حيث تتشكل عقول الأجيال المقبلة.

يُنشر هذا المقال في إطار تعاونٍ بين «صوت سوري» و«شبكة الصحفيات السوريات» يتمحور حول العدالة الانتقالية في سوريا

العدالة_الانتقالية_في_سوريا التعليم_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0