× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

دمشق تختنق: الغوطة تحت الأنقاض وسلّتها بلا خيرات

حكاياتنا - خبز 05-11-2025

يتتبّع هذا التقرير تحوّل الغوطة من رئةٍ إلى أنقاض، ويبحث في الأثر البيئي للأسلحة الكيميائية والذخائر والعمليات العسكرية على التربة والمياه، كما يرصد شحّ الموارد المائية، وتراجع إنتاج الأراضي حتى 2025. يعتمد التقرير على زياراتٍ ميدانية في دوما ومزارع الشيفونية، ومقابلات مع مزارعين ورئيس مجلس دوما المحلي وخبراء في جامعة دمشق، إلى جانب صور الأقمار الصناعة ومراجعة وثائق من الأمم المتحدة ومنظماتٍ دولية

لم يتخيل حسّان غنيمة (أبو إبراهيم)، أن الأرض قد تخذله يوماً ما. «زرعت فاصوليا وفليفلة وخيار وبيتنجان، ما طلع فيها»، يقول متحسّراً.

حين عاد أبو إبراهيم إلى الشيفونيّة (ريف دمشق) بعد سبع سنوات قضاها مهجّراً في الشمال السوري، وجد أرضه تكاد تخلو من عرقٍ أخضر، أو قطرة ماء. سريعاً شمّر عن ساعديه وبدأ محاولات إحيائها، مراهناً على أن «الأرض قد ما أعطيتها بتعطيك»، لكنّها لم تستجب، تحت وطأة ما أحدثه فيها القصف بمختلف أنواع الأسلحة من أذى. 

ليست أرض غنيمة حالة خاصة؛ إذ ينطبق الأمر على أحوال سائر الأراضي الزراعية في غوطة دمشق، بل ويمتد ليشمل كل البيئات التي تماثل الغوطة وشهدت عمليات عسكرية حول العالم: تمتص سموم الذخائر والمتفجرات ثم تنفثها عبر الشجر والنبات والثمر، وبذلك تكون البيئة ضحية غير معلنة، كما وصفتها الأمم المتحدة في اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية.

نعمة خصوبة الغوطة.. ونقمتها!

قديماً؛ وصف كثير من المؤرخين والمستشرقين غوطة دمشق بأنها «جنة الأرض ورئة العاصمة»، تُنعش هواءها وتُبرّد حرارتها، وسلّتها الغذائية التي تمدّها بالخضار والفواكه والحليب والقمح. لكنّ ما كان حزاماً أخضرَ يطوّق دمشق ويُوازن مناخها، تحوّل إلى مساحةٍ مقفرةٍ أنهكها القصف والحصار والجفاف. ففقدت الغوطة أكثر من 80% من أشجارها، وتراجعت أراضيها الزراعية، وباتت العاصمة جزيرة حرارية حضرية، ما أسهم في ارتفاع معدلات حرارتها بين 2 و5 درجات مئوية مقارنةً بما قبل الحرب.

تشكّلت طبيعة تربة غوطة دمشق من رواسب طميّة نهرية (Alluvial) أودعتها السيول والفيضانات القديمة نهرَ بردى، ورواسب سفحية (Colluvial) انجرفت من جبال قاسيون والمرتفعات المحيطة، لذا تميل لأن تكون كلسية غنية بالكربونات، ما جعلها تعمل كإسفنج طبيعي يخزن الماء ويمنح الغوطة خصوبتها التاريخية، إلا أنها أكثر حساسية أيضاً لترسب المعادن الثقيلة المرتبطة بمخلفات الذخائر والمتفجرات.

تتأثّر الجيولوجيا خلال الحروب بالقصف، وحفر الملاجئ والأنفاق، وحركة الآليات الثقيلة، التي تفتت البنية الحبيبية للرواسب السفحية، وترفع نسب معدّلات التعرية والانجراف، وتخفض قدرة التربة على امتصاص المياه.

وفق بحث نشرته «مجلة العلوم البيئية وأبحاث التلوث» حول تأثير الأنشطة العسكرية على التربة، ومن خلال أخذ عينات على أعماق مختلفة (5، 25، 30 سم)، ثم تحليل للزئبق فيها بجهاز AMA-254، كشفت النتائج عن أن الأنشطة العسكرية تُخلِّف فلمينات الزئبق (Mercury fulminate) في التربة، وسُجلت زيادة تركيز للزئبق على سطح التربة الغنية بالمواد العضوية بنسبة 10 أضعاف مقارنة بمناطق لم تتعرض للعمليات العسكرية.

أظهرت النتائج أيضاً، أن الزئبق الأيوني يتحول إلى ميثيل الزئبق في البيئات الرطبة أو الرسوبية، وهو الشكل الأعلى سُمية للجهاز العصبي، إذ يتراكم في المحاصيل والخضراوات بكميات أعلى من التربة نفسها أحياناً، وهو ما يتعرض له الإنسان والحيوان بشكل مباشر.

غوطة دمشق كما عرفها جيل ما قبل الأسد

وردت غُوطَةُ دمشق في قاموس المعاني بوصفها «أحد مَنَازِهِ الدُّنيا السبعة لكثرة ما فيها من الرياض، وفاكهة ورياحين، ومجتمع الماء والشّجر»، وذكر أبو عبد الله بن شداد (توفي عام 684 هـ) في كتابه «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة»، أنها كانت تشتمل على خمسة آلاف وثلاثمئة وخمسة وأربعين بستاناً، وعلى خمسة وخمسين كرماً، وتمتد من شرقي دمشق وشماليها، وفي رسالة «ضرب الحوطة على جميع الغوطة» لابن طولون الصالحي، (توفي في 953م)، يرد أنها تشتمل على 70 قرية، منها «دومة» (دوما)، وهي أكبر قرى الغوطة بل من أمهات القرى.

يتنهّد أبو إبراهيم وهو يصف جمال أرضه ذات 5.5 دونمات في سبعينيات القرن الماضي، حين كان يعمل فيها مع أبيه، يرويانها بيسرٍ من مياه البئر، وتعود بالخير على مدار العام. «بهديك الأيام كانت أرضي بالشيفونية جنة، كل شي فيها».

وفق تصريحات لمدير الاقتصاد الزراعي في وزارة الزراعة: كان موسم 2025 الأدنى مطراً منذ 1958، مع انخفاض المخزون المائي بنسبة 60%

دخلت الغوطة المخطط العام لتنظيم مدينة دمشق 1968، الذي صممه المهندس الفرنسي ميشيل إيكوشار استكمالاً لمخطط 1937م، واشترط أن تكون الغوطة منطقة محمية من التوسع العمراني للحفاظ على قيمتها الزراعية والبيئية. 
تبلغ مساحة الغوطة الشرقية 110 كم مربع، وتضم عشرات البلدات والقرى، أهمها: دوما وحرستا وعربين وسقبا وحمورية وزملكا والمليحة وعقربا وحزّة وكفر بطنا.

وقُدِّر عدد السكان مع بداية الثورة بـ2,200,000، وانخفض إلى نحو 400 ألف نسمة خلال زمن الحصار (2013-2018)، وفق تقرير للأمم المتحدة بتاريخ 6 شباط/فبراير 2018، ومشروع مراقبة الحصار «Siege Watch».

إعدام ربع مليون شجرة

في تصريح نشرته جريدة «الشرق الأوسط» العام 2019، قال رئيس مكتب الزراعة الحكومي في الغوطة الشرقية محمد محيي الدين لوكالة الصحافة الفرنسية إن المنطقة فقدت أكثر من 80% من أشجارها، وأشار إلى أن الفترة الزمنية بين زراعة الشجرة وإنتاج الثمار تبلغ في المتوسط خمس سنوات، وقد تكون أطول قبل أن تصل أشجار الفاكهة إلى أقصى إنتاجية لها.

«عمرك شفتي شجرة بتنسرق؟!»، تتعجب سميحة (أم أحمد) بحزن وغفران، وهي تروي لـ«صوت سوري» ذكرياتها عن الحصار الذي شهدته الغوطة وخاصة مدينتها دوما، وتشير إلى أن شجرتي زيتون قطر كل واحدة منهما 5 أمتار قد حُفر حول جذورهما واقتلعتا من أرض زوجها. تشرح قائلة: «بدها تدفا العالم، شو بدها تعمل؟»، في ظل حصار خانق وصل فيه سعر كيلو الحطب إلى ما يقارب الـ 300 ل.س من نوع خشب الزّان، أي نحو 50 دولار حينها، تضيف أم أحمد: «في ناس عندهم طقم موزاييك بيتباهوا فيه، حرقوه كله للدفا». أمرٌ يؤكده خليل لكّه حين يقول بحسرة: «اضطريت أقطع شجر زيتون عمره 250 سنة لبيعه، أو لنستخدمه للتدفئة والطبخ».

وفق بيانات لـ منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، بتاريخ 28/09/2024، دُمّر ما يزيد عن 250 ألف شجرة في الغوطة خلال سنوات «الأزمة». وبحلول 2017، قُدرت الخسائر الإجمالية للمحاصيل الدائمة في سوريا بنحو 1.5 مليار دولار، وسُجّلت أكبر الخسائر في محافظتي درعا وريف دمشق الجنوبيتين، إذ تجاوزت الخسائر فيهما معاً 400 مليون دولار.

أما أبو إبراهيم غنيمة فيستذكر «أيام الخير» متفاخراً بأنه كان يملك 100 بقرة، ويقول: «لو ما منشتغل بالذرة العلفية والبقر ما بتشوفو الحليب بالشام»، لكن أحواله انقلبت اليوم «الحوش تبعي مهدّم، والنظام السابق ما ترك شجر ولا بقر».

المخلفات العسكرية أم الأسمدة.. أيهما أخطر؟

يتربّع خليل لكّه على الأرض، بينما يحكي لـ«صوت سوري» شيئاً من ذكرياته وأحوال أرضه. يُقلب يديه، ثم يحدّق في الأرض مستذكراً سنوات الحصار التي عاشها في دوما. 

يشرح أن أرضه التي تبلغ مساحتها 2.5 دونم ضُربت بأكثر من 30 صاروخاً، قبل ترحيله في الباصات الخضر عام 2018، وعند عودته بعد سقوط النظام السابق طلب مسح أرضه من المخلفات العسكرية من قِبل فريق الذخائر غير المنفجرة التابع لوزارة الطوارئ في مدينة دوما.

أبلغت مصادر عدّة، من بينها فرقُ الاستجابة الأولى في الدفاع المدني السوري، عن دلائل على استخدام سلاحٍ كيميائي في دوما يوم 7 نيسان/أبريل 2018، وأفادت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة (COI) بأن أسطوانة غاز محمّلة بالكلور أُسقطت من مروحيةٍ حكومية وأصابت مبنىً سكنياً متعدد الطوابق قرب الجنوب الغربي من ساحة الشهداء، وأكدت اللجنة وقوع ما لا يقل عن 49 وفاة، كما خلصت تقارير لاحقة إلى وقوع ثماني هجمات كيميائية على الأقل خلال ذلك العام (سبعٌ منها في الغوطة الشرقية).

تروي أم أحمد، أن أرضها كانت مزروعة بالعنب والدراق والتوت الشامي والإجاص والخرما، وتحتوي مختلف أنواع الحيوانات الداجنة من بطّ وإوزّ وأرانب ودجاج، إلا أن الأرض ضُربت أثناء المعارك بالقنابل، فغمروا الأرض بالمياه حتى تصدأ القنابل وتتلف.

فيما يحكي أبو إبراهيم غنيمة عن محاولاته إحياء أرضه بعد عودته من إدلب، لكنها «مسمومة لكثرة ما نزل فيها من قذائف».

يشرح رئيس مجلس دوما المحلي المهندس سمير بويضاني لـ«صوت سوري»، أن البلدية مشطت أغلب المناطق التابعة لها من المخلفات العسكرية، إلا أن «هناك مناطق تحتوي ألغاماً مضادة للدروع، تحتاج لتعامل معها من قبل الجهات المختصة».

بدوره؛ الدكتور عبد الرحمن السفرجلاني المتخصص في علوم البيئة بجامعة دمشق، يوضح لـ«صوت سوري» أن السارين شديدُ التطاير ويتحلّل سريعاً مع الحرارة، ما يجعل أثره المتبقّي بعد سنواتٍ معدوماً عملياً، أمّا الكلور فعالي الحركية هيدرولوجياً ويتفاعل سريعاً مع عناصر التربة لا سيّما الكالسيوم، إلا أن سميّتُه في التربة تستلزم تراكيزَ مرتفعة جداً (عند حدود 0.02 بالألف للوصول إلى عتبة سُمّية زراعياً).

الخطرُ البيئي الأطولُ عمراً حسب رأي السفرجلاني يأتي من سوء الاستخدام المزمن، مثل الإفراط في استخدام الأسمدة الآزوتية أو الفوسفاتية التي تتحول إلى نترات أو نتريت عالية السُمّية، ومبيداتٍ قد لا تتحلّل لسنوات.

إلا أن عدداً من الكيميائيين في جامعة دمشق أشاروا في أحاديث متفرقة مع «صوت سوري» إلى ضرورة أخذ عينات من التربة المحيطة بالأماكن التي استهدفت بالسلاح الكيميائي للوصول إلى إجابات حاسمة في هذا المجال. 

الجفاف يحصد الأرزاق

قال مدير الاقتصاد الزراعي في وزارة الزراعة الدكتور سعيد إبراهيم بتاريخ 13 أيار لوكالة سانا، إن موسم 2025 هو الأدنى مطراً منذ 1958؛ هطلٌ أقل 350 ملم في أكثر من 90% من الأراضي، ومخزون مائيّ انخفض بنسبة 60% مقارنةً بالمواسم السابقة، مع تراجعٍ حاد في المياه الجوفية وبلوغ التصحّر والجفاف أكثر من 50% في بعض المناطق الحسّاسة، وهو أثر مسَّ أكثر من 4 ملايين سوري مباشرةً، فضلاً عن الإضرار بالزرعات البعلية، والمحاصيل الاستراتيجية، وأبرزها القمح.

يقارن خليل لكّه حصاده من موسم القمح بين 2011 و2025، 900 كيلوغرام قبل الحرب، واليوم بالكاد 450 كيلوغراماً، والذرة العلفيّة هبطت من 800 إلى 550 كيلوغراماً للدونم، ويرجع الأسباب إلى إنهاك التربة وشح المياه، وأضاف أنه يملك بقرتين، كان إنتاج كل منهما 35 كيلوغراماً من الحليب يومياً، واليوم 25 في أحسن الأحوال، مع أمراضٍ أكثر واحتياج للقاحات.

وحذرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) عبر وكالة رويترز، بتاريخ 21 مايو 2025، من أن جفاف هذا العام قد يؤدي إلى فشل يقدر بنحو 75% من محصول القمح المحلّي، بعجزٍ يُقدَّر بـ 2.7 مليون طن، ما يكفي لإطعام 16.3 مليون شخص لعامٍ كامل، وفق ممثل الفاو في سوريا توني إيتل. 

البحث عن مياه الصرف الصحي

يؤكد سمير بويضاني أن المياه غير متوافرة إلا بنسب قليلة، ما اضطر الأهالي إلى حفر آبار جوفية غير مرخصة في أراضيهم، مع الإشارة إلى أنها غير صالحة للشرب وملوثة جرثومياً، إلا أنها تستخدم للأعمال المنزلية.

فيما ذكر لكّه أن عمق البئر الجوفية في أرضه عام 2011 كان 15 متراً فقط، فيما بلغ اليوم 35 متراً ولم يصل إلى المياه.

أما غنيمة فكان في 1980 يملك بئراً على عمق 50 متراً، «كانت تُعطي 3 إنشات من المياه الحلوة الصالحة للشرب، إلا أنها رُدمت بفعل النظام السابق»، ويتطلب إصلاحها نحو 10 ملايين ليرة سورية، حسب قوله، مضيفاً «نحن المهجرين ما حدا طل علينا ولا قلنا مرحبا، والبلدية طفرانة… واللي مستلمها كان مهَجَّر متلنا».

يعتمد المزارعون في ريّ أراضيهم على برامج تزويد المياه من «محطة عدرا لمعالجة مياه الصرف الصحي» في ريف دمشق، التي أنشئت العام 1997م، وبدأ تشغيلها الفعلي في نهاية التسعينيات ضمن مشروع ممول من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA)، وتتكون من شبكة خطوط رئيسية بطول يقارب 100 كم لنقل مياه الصرف إلى المحطة، صُمّمَت لتخدم نحو 2.2 مليون نسمة، وتُعالِج مياه الصرف، ثم تصرفها عبر قنوات ريّ خُصِّصت لاستخدامها في الغوطة، وفق تقرير للوكالة اليابانية عام 2008.

جزيرة حرارية فوق أنقاض الرئة 

وفقًا لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة والمصادر المحلية، دُمّر أكثر من 250 ألف شجرة، وفقدت الغوطة أكثر من 80% من أشجارها بسبب القصف والقطع للتدفئة، ما تسبّب في انهيار الغطاء النباتي الذي كان يبرّد العاصمة ويوازن مناخها الداخلي، هذا التراجع الواسع في المساحات الخضراء، إلى جانب التمدّد العمراني العشوائي، حوّل دمشق إلى بيئةٍ حضرية كثيفة تمتص الحرارة وتحتجزها، تماماً كما تصفها وكالة حماية البيئة الأميركية (EPA) ووكالة الفضاء ناسا في ظاهرة «جزيرة الحرارة الحضرية».

تحدث هذه الظاهرة المناخية حين تكون درجات حرارة المدن أعلى من المناطق الريفية المحيطة بها بدرجات مئوية عديدة، نتيجة امتصاص الأسطح الحضرية -كالإسفلت والإسمنت والأسقف الداكنة- لحرارة الشمس واحتجازها مُدداً طويلة. ومع غياب المساحات الخضراء والمسطحات المائية التي تعمل على تبريد الهواء بعمليات الظلّ والنتح والتبخر، تتحول المدن إلى جيوب حرارية مغلقة تزداد سخونتها نهاراً وتبقى دافئة ليلاً. 

وفق وكالة حماية البيئة الأميركية، يمكن أن يكون الفرق بين المدينة وضواحيها من 1 إلى 7 درجات فهرنهايت (0.6 - 3.9 درجة مئوية) نهاراً ومن 2 إلى 5 درجات فهرنهايت (1.1 إلى 2.8 درجة مئوية) ليلاً. وتزداد شدة هذه الظاهرة كلما ارتفعت الكثافة العمرانية وقلّ الغطاء النباتي، مسببة آثاراً بيئية وصحية واقتصادية تشمل ارتفاع استهلاك الطاقة، وتلوث الهواء، وتراجع جودة الحياة في البيئات الحضرية المكتظة.

وسجّلت الدراسات أن حرارة دمشق ارتفعت بين 2 و5 درجات مئوية خلال سنوات الحرب، نتيجة فقدان الغطاء الشجري واتساع الكتلة الإسمنتية، وفق تقرير لمنظمة «Pax» الهولندية.

يحكي أحمد لـ«صوت سوري» عن طرق تأمين الغاز للاستخدامات اليومية في فترة حصار مدينته دوما. «كنا نحفر حفرة، نحط فيها روث، خضار، روؤس بقر، بلاستيك، أوساخ، ونغلقها، ثم نمدّ خرطوماً، نعبئ منه جرات الغاز للطبخ وميتورات المي». يُعد الميثان (CH₄) أحد غازات الدفيئة الرئيسية بعد ثاني أكسيد الكربون، ورغم أن تركيزه في الغلاف الجوي أقل بكثير من ثاني أكسيد الكربون، فإن قدرته على حبس الحرارة تتفوق بنحو 28 إلى 34 مرة خلال مئة عام، ما يجعله مساهماً أساسياً في الاحترار العالمي.

إعادة الإعمار.. كيف تبدأ؟

قدّر معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب عدد المباني المدمرة كلياً أو جزئياً في الغوطة الشرقية بـ34136 مبنى، وشهدت محافظة ريف دمشق حملة بعنوان «ريفنا بيستاهل»، في 20 أيلول / سبتمبر الماضي، شهدت تعهّداً بتبرعات قدرها 76 مليون دولار، لترميم 700 مدرسة وإعادة بناء 107 مدارس بشكل كلي، بالإضافة إلى 300 مدرسة جديدة.

يرى بويضاني، أن «إعادة الإعمار» في هذا السياق عبارة غير صحيحة، والصحيح «إصلاح الأبنية»، وهو ما تعمل عليه حالياً بعض المنظمات لإعادة تأهيل البيوت المتضررة، إضافة إلى توسيع المخططات التنظيمية وإنشاء أحياء حديثة جديدة ضمن مناطق غير قابلة للزراعة.

لكن التساؤل الجوهري الواجب طرحه هنا: ما هي الخطة الأجدى لإعادة إعمار منطقة زراعية مثل غوطة دمشق؟ وما الأولويات؟

من الدروس العالمية الحديثة نسبيّاً التي يمكن الاستفادة منها وتتشابه مع حالة الغوطة، تبرز تجربة  البوسنة والهرسك (1992–1995) بعد الحرب،  التي انطلقت عبر أربعة مسارات: 

  • المسار الأول: إعادة الإعمار السريع من خلال إصلاح البنية التحتية والزراعة، وتضمن خمسة مشاريع إسعافية، ركزت على تأهيل شبكات المياه والكهرباء، ومساعدة المزارعين في استعادة أنشطتهم الزراعية من خلال تزويدهم بالمواشي والمعدات الزراعية، إضافة لتمويل المشاريع الصغيرة لدعم الأسر الفقير والنازحين لإعادة بناء سبل العيش الريفية، وبذلك أعادت البوسنة تشغيل أنظمة الري والمياه الصالحة للريّ، وساهمت في استعادة الإنتاج المحلي بعد أقل من خمس سنوات على الحرب.
  • المسار الثانية: إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، من خلال مشروع حماية الأراضي الزراعية واستعادتها للزراعة والإسكان، إلا أنه لم يحقق غايته بسبب غياب الخبرة التقنية الذي أدى إلى بطء التنفيذ وارتفاع التكلفة.
  • المسار الثالث: بناء القدرات المحلية بدل الاعتماد على الكامل على المنظمات الدولية، فأنشئت وحدات تنفيذ مستقلة لإدارة المشاريع، فعملت بمعزل عن الوزارات ما أضعف قدرة الحكومة المحلية على المتابعة بعد انتهاء الدعم الدولي، لذا يتطلب النجاح في هذا المسار نقل المعرفة والإدارة إلى السلطات المحلية والمزارعين أنفسهم، بدلاً من ضخ التمويل الخارجي فقط.
  • المسار الرابع: إطلاق مشروع القروض الصغيرة، الذي أثبت فاعلية كبيرة بتمويل أكثر من 50 ألف مشروع صغير، ما ساهم في توفير أكثر من 65 فرصة عمل، واستفادت منه النساء النازحات والأسر التي فقدت أراضيها.

كل ذلك لا يمكن أن ينطلق من دون دراسات رقابية دورية جادّة للتربة، والهواء، والمياه في المنطقة، وهو ما أشار إليه مدرسون من قسم الكيمياء في جامعة دمشق وأكدوا قدرة المخابر الخاصة بجامعة دمشق على إنجازها. 

كما يدعو السفرجلاني إلى إطلاق مبادرة من مخابر وزارة الإدارة المحلية والبيئة والباحثين وخريجي قسم العلوم البيئية للتضامن وتوظيف مراقب بيئي في كل منشأة حكومية أو خاصة، ليضبط تلوث محيط المنشأة بنشاطها، وهدر المياه وتلويث الهواء واستهلاك الطاقة الكهربائية، وكل ما يؤثر على البيئة ويساهم في تعافيها وحمايتها.

أُنجز هذا التقرير في إطار برنامج تدريبي لموقع صوت سوري
الأضرار_في_الغوطة_الشرقية أثر_الحرب_على_البيئة_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0