× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

الفقه الانتقالي في سوريا: هندسة التغيير أمام فخ «تسييس العدالة»

عقل بارد - على الطاولة 15-11-2025

يُعدّ «الفقه الانتقالي» نموذجاً قانونياً خاصاً يظهر في مراحل التحوّل السياسي الجذري. مع تزايد الاهتمام بهذا المفهوم تبدو الحالة السورية ساحة اختبار معقّدة؛ فبين من يراه إطاراً يساعد على توجيه الانتقال السياسي، ومن يحذّر من تحوّله ذريعةً لتسييس العدالة، يصبح النقاش حوله جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل الدولة نفسها: أيّ قانون نريد؟ ولصالح من يعمل هذا القانون؟

في ظلّ التحوّلات الجذرية التي تشهدها سوريا منذ أكثر من عقد، يعود سؤال العلاقة بين القانون والسياسة ليحتلّ مركز النقاش العام: كيف يمكن إعادة بناء الدولة ومؤسسات العدالة في مرحلة تتشابك فيها آثار الماضي بمتطلبات المستقبل؟ في هذا السياق يبرز «الفقه الانتقالي» بوصفه نموذجاً قانونياً يسعى إلى إدارة هذه المرحلة الحساسة عبر مقاربة تجمع بين الاستمرارية والقطيعة، بين معالجة الانتهاكات وتأسيس قواعد جديدة للمستقبل.

ينقل «مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان» فضل عبد الغني، عن البروفيسورة روتي تيتل في عملها الرائد «حول القانون والتحول السياسي»، أنّ هذا الفقه يتحرّك ضمن معادلة دقيقة تتسم بازدواجية مفارِقة: الحفاظ على النظام، وتمكين التحوّل في آنٍ واحد. أي الجمع بين تثبيت الاستمرارية وتسهيل القطيعة، وبين معالجة مظالم الماضي وبناء أطر معيارية للمستقبل.

يُظهر فضل عبد الغني حماساً كبيراً لتطبيق فرضية «الفقه الانتقالي» على الحالة السورية - رغم الملاحظات الوجيهة التي يقدّمها بعض الخبراء القانونيين حول هذا الطرح - ويرى في حديثٍ لـ «صوت سوري»، أن هذا الفقه يُمثّل حقلاً فكرياً قانونياً ناشئاً يسعى إلى تجاوز الثنائية التقليدية «القانون مقابل السياسة». فالقانون، بحسب رؤيته، ليس منظومة قواعد جامدة تتعالى على الواقع السياسي، بل أداة دينامية ترافق عملية التحوّل وتُسهم في توجيهها.

الإطار النظري ووظيفته التحويلية

في مقال له، يقول عبد الغني إن الإطار النظري للفقه الانتقالي «يرتكز على إعادة تعريف جوهر القانون ووظيفته خلال فترات التحول السياسي. وبخلاف المناهج الواقعية والمثالية التي تهيمن على النظرية القانونية التقليدية، يعمل هذا الفقه وفق نموذج بنائي يدرك خصوصية الظواهر القانونية في الظروف السياسية الاستثنائية. يكشف هذا المنظور كيف أن الأشكال القانونية في زمن التحول لا تنهض بوظيفة تنظيمية فحسب، بل تؤدي كذلك وظيفة تحويلية، إذ تتوسط بين أنساق معيارية متنافسة وتيسّر الانتقال من نظام سياسي إلى آخر». 

وفق المقال، يظهر التوتر بين الواقعي والمثالي محدودية المناهج التقليدية في فهم الظواهر الانتقالية:

  • المنظور الواقعي: يختزل الاستجابات القانونية إلى مجرد انعكاس لتوازنات القوة القائمة، ويعجز عن تفسير تعدد أشكال الظواهر القانونية الانتقالية.
  • المنظور المثالي: يتجاهل الخصائص المميزة للعدالة في الأوضاع الاستثنائية، بافتراضاته العالمية حول العدالة.

مخاطر الانزلاق إلى الاستغلال السياسي

يثير هذا الطرح جملةً من الأسئلة حول مدى قابلية تطبيق الفقه الانتقالي في الحالة السورية: إلى أي حد يمكن الالتزام بالقوانين السابقة؟ وكيف يمكن إدماج قيم العدالة الانتقالية والتحرر السياسي في عملية إعادة بناء الدولة؟

ينبغي قرعُ ناقوس الخطر، فما نشاهده من إفلات مجرمين كثيرين من العقاب، مع ما يعنيه من تمييع العدالة الانتقالية، قد يؤدي إلى نتائج شديدة القتامة

يشير فضل عبد الغني إلى نقطة جوهرية في السياقات الانتقالية، كما هو الحال في سوريا اليوم، لا يمكن فصل القانون عن السياسة، فإعادة بناء الدولة والمؤسسات القضائية وتحقيق العدالة للضحايا هي عمليات ذات مضمون سياسي وقانوني في آنٍ واحد. وفي هذا الإطار، يقدّم الفقه الانتقالي منهجاً لإعادة توظيف القانون بما يخدم مسار الانتقال الديمقراطي، لا لتجميده خلف نظريات الشرعية الشكلية.

وبما أنّ الحالة السورية تمثّل نموذجاً بالغ التعقيد في التحوّل من نظامٍ استبدادي قمعي إلى نظامٍ يسعى إلى إعادة بناء الثقة المجتمعية وإرساء العدالة، فإنّ الفقه الانتقالي يقدّم، في مثل هذا السياق، إطاراً نظرياً لتكييف القواعد القانونية مع الضرورات السياسية للمرحلة، من دون أن يتحوّل إلى ذريعةٍ لتبرير الانتهاكات أو الالتفاف على العدالة.

مخاطر الانزلاق

يمكن النظر إلى طرح عبد الغني، بإيجابية عامة، إلا أنّ ذلك لا يعني اكتفاء الفاعلين السوريين بهذا الطرح، إذ يقوم أساساً على فرضية قدّمتها البروفيسورة روتي تيتل، ما يجعلها رؤية مرتبطة بسياق محدد درسته، ولا يُفترض بالضرورة انطباقها على سياقات أخرى مختلفة، مع التأكيد على أنّها ليست قاعدة قانونية مُلزمة.

إحدى الملاحظات التي يمكن توجيهها إلى هذا الطرح، أنّه قد يفتح الباب أمام محاولات إيجاد مخارج لتجاوز القواعد القانونية الثابتة، أو تبرير الإهمال المتعمّد لمسار العدالة الانتقالية وللقانون عموماً، عبر الاحتماء بفرضيات فكرية مرنة لا تُلزم الفاعلين بمسؤولياتهم. وانطلاقاً من هذه الملاحظة، يُطرح تساؤل مشروع: لماذا الإصرار على الدوران في دوامة «المرحلة الانتقالية» بحجة غياب المؤهلات لتحقيق انتقال سياسي حقيقي؟ فربما تحوّل هذا الطرح إلى شماعة تُعلّق عليها حالات عدم النجاح – ولا نقول الفشل – في تحقيق العدالة، رغم وجود أدوات واضحة لذلك، في مقدّمتها فصل السلطات، واستقلال القضاء، بوصفهما الضامن الثابت في معادلة تتبدّل فيها المتغيرات السياسية والاجتماعية.

يرى عبد الغني أنّ تبنّي مقاربة فقهية انتقالية في سوريا ضروري من حيث المبدأ، لكنه يتطلب حذراً كبيراً في التطبيق، لأنّ الخطر يكمن في تحويل الفقه الانتقالي إلى ذريعة لتسييس العدالة أو لتجميد المساءلة تحت شعار الواقعية السياسية. كما يؤكد أنّ هذا الفقه لا يمكن أن ينجح من دون بيئة مؤسسية حقيقية تضمن استقلال القضاء، وإصلاح المنظومة الأمنية، وحياد مؤسسات الدولة. ولذلك، فإنّ الفقه الانتقالي ليس بديلاً عن القانون، بل اجتهاد يهدف إلى تأصيل قانونٍ يخدم التحوّل لا أن يبرّر الإخلال به، وفقاً لما أوضحه عبد الغني في حديثه لـ «صوت سوري».

ضوابط مطلوبة

اطّلع مدير آليات التحقيق في «رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار» ياسر الشلاتي على طرح فضل عبد الغني حول الفقه الانتقالي، وسجّل خلال حديثه لـ «صوت سوري» عدداً من الملاحظات، بدءاً من خطورة تجيير هذا الفقه من قبل السياسيين ليعبّر عن مصالح فئة من المتنفذين بدلاً من أن يخدم صالح الدولة الوطنية، وانتهاءً بنقاط التلاقي بين القوانين السابقة والإجراءات الانتقالية، وحدود إدماج قيم العدالة الانتقالية والتحرر السياسي في إعادة بناء الدولة.

يُنظر إلى القانون في فترات التحوّل الجذري عادةً على أنّه «غير مستقر»، إذ يخرج عن القواعد المعتادة ويتحدّى المبادئ القانونية التقليدية. ويؤكد الشلاتي أنّ هذا ينطبق بصورة خاصة على سوريا، حيث أدّى الصراع المستمر منذ 2011 إلى تغييرات عميقة في القوانين والمؤسسات، وخلق فراغاً قانونياً في مناطق متعددة.

يكمن الخطر في تحويل الفقه الانتقالي إلى ذريعة لتسييس العدالة أو لتجميد المساءلة تحت شعار الواقعية السياسية

يُوضح الشلاتي أنّه، رغم ما يبدو من فوضى خلال هذه الفترات، فالتجارب القانونية السورية تكشف عن أنماط متكرّرة يمكن فهمها ضمن إطار الفقه الانتقالي، مع الإشارة إلى أنّ المراحل الانتقالية بطبيعتها تتّسم بصراعٍ دائم بين التمسّك بالقوانين والمؤسسات السابقة من جهة، والسعي نحو التغيير الجذري من جهة أخرى. في الحالة السورية، يتجلّى هذا الصراع بوضوح في محاولات معالجة الانتهاكات الحقوقية، وإصلاح القضاء، وإعادة بناء المؤسسات الحكومية، وهي جميعها تعكس نهجاً وسطاً أو توازناً مؤقتاً.

يرى الشلاتي أنّ العدالة الانتقالية في السياق السوري لا تعبّر بالضرورة عن العدالة المثالية أو الكاملة، بل عن «حلول مؤقتة وجزئية»، مثل المحاكم الخاصة للانتهاكات، وبرامج التعويض للأسر المتضررة، وتوثيق الانتهاكات التاريخية، في حال تم تطبيقها، وهي إجراءات غير مطبقة حتى الآن في سوريا. 

في هذه الظروف، يصبح القانون أداة للانتقال بين النظام السابق والمرحلة المستقبلية، لا مجرد وسيلة للحفاظ على النظام القائم. فهو يسهم في إعادة تعريف مكانة الأفراد وحقوقهم ومسؤولياتهم، وفي إعادة ترتيب علاقات القوة داخل المجتمع السوري. وبما أنّ القانون في هذه المرحلة يخدم هدف التغيير السياسي، فإنه يتأثر بالقيم السياسية أكثر من التأثر بالقواعد القانونية الثابتة، وهو ما يفسّر التباين بين النظام السابق والحالي في كيفية التعامل مع القانون. 

انتقالية.. لا انتقائيّة

تتصادم القيم الأساسية للقانون، مثل العمومية، والانتظام، والاستشراف، في الأوضاع الانتقالية السورية. فبينما كان القانون في عهد النظام السابق يسعى إلى «حماية المؤسسات القائمة»، ينبغي أن تعمل السلطة الحالية والمجتمع المدني على جعل القانون «أداة لتحقيق العدالة والمساءلة»، حتى لو كان ذلك على حساب «الانتظام القانوني التقليدي»، وفق ما يضيف الشلاتي لـ «صوت سوري».

في ظل النقاشات المحتدمة بين السوريين وأهل الاختصاص حول «تمييع» العدالة الانتقالية، والخشية من تحويلها إلى «عدالة انتقائية»، تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً إلى تقديم أطروحات تتعلق بتطبيق نموذج مخصّص لسوريا ما بعد الأسد، و«الفقه الانتقالي» يُمثل أحد الطروحات التي يوجد من يتحمس لتطبيقها، برغم بعض الانتقادات الموجّهة إليها.

تسير السلطة، كما هو ملموس حتى الآن، نحو «انتقائية غير معلنة» في عملية المحاسبة، ولهذا علينا أن نقرع ناقوس الخطر، فما نشاهده من إفلات مجرمين كثيرين من العقاب، مع ما يعنيه من تمييع العدالة الانتقالية، قد يؤدي إلى نتائج شديدة القتامة، مثل تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، وتعزيز الانقسام الاجتماعي بدلاً من رأبه، وإضعاف ثقة المواطنين بأي مسار سياسي أو قانوني، إضافة إلى تهيئة الأرضية لتكرار الجرائم في المستقبل.

يبقى «الفقه الانتقالي» طرحاً نظرياً يوفّر فرصة لإعادة التفكير في علاقة القانون بالتحوّل السياسي في سوريا، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر واضحة إذا لم يُصَغ ضمن إطار مؤسسي يحميه من التسييس والانتقائية. فغياب المحاسبة، واستمرار الإفلات من العقاب، والتعامل مع العدالة بوصفها مجرد أداة ظرفية، قد يحوّل المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة تُفقد القانون معناه وتعمّق الانقسام المجتمعي.

لا ينجح الانتقال السياسي بمفاهيم مرنة فحسب، بل بإرادة واضحة لتقديم العدالة للجميع، من دون انتقائية، ومن دون إعفاء غير معلن لأيّ مسؤول عن الانتهاكات. وفي هذا وحده يكمن مستقبل قانون يخدم الدولة والمجتمع، لا مصالح السياسيين.

يُنشر هذا المقال في إطار تعاونٍ بين «صوت سوري» و«شبكة الصحفيات السوريات» يتمحور حول العدالة الانتقالية في سوريا
الفقه_الانتقالي العدالة_الانتقالية_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0