× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«وداعاً للسلاح»: نحو خريطة طريق لإعادة دمج المقاتلين في سوريا

عقل بارد - على الطاولة 26-11-2025

بعد سقوط النظام، تواجه سوريا رهاناً وجوديّاً حاسماً: تطبيق برامج «نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج» (DDR) لإنهاء فوضى السلاح وتفكيك المجتمع المسلّح. يحلل المقال الشروط المسبقة اللازمة، والمعايير الدولية للعملية، ليخلص إلى أن نجاح الـ DDR في السياق السوري المعقد يظل مرهوناً بعوامل جوهرية عديدة أهمها توافر الإرادة السياسية والضمانات الأمنية المفقودة.

عقب الإطاحة ببشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، على يد تحالف من فصائل عسكريّة معارضة قادته «هيئة تحرير الشام» التي تولّت مقاليد السلطة لاحقاً، أُعلن رسميّاً عن حلّ الفصائل المسلحة، في 29 كانون الثاني/ يناير 2025. 

شكّل هذا الإعلان لحظةً فارقةً وفرصةً تاريخيةً أمام السوريين للتخلّص من فوضى السلاح التي عمّت البلاد، ولإعادة المقاتلين إلى حياتهم المدنية، وبناء حالة سلم أهلي مستدامة بعد حربٍ دامت أكثر من أربعة عشر عاماً. لكن في ظل المشهد السوري المعقّد، تبرز حاجةٌ ملحّةٌ إلى تطبيق برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) على جميع الأطراف التي شاركت في النزاع، بحيث تشمل مختلف الفصائل وتوجهاتها، والعناصر المساندة لها، والمجتمعات التي احتضنتها. بل قد تمتد لتطال أسر المقاتلين، وعناصر جيش النظام السابق الذين سُرّحوا بعد سقوطه، فضلاً عن ضحايا الخطف أثناء الحرب، وكلّ من تخلّى عن سلاحه وعاد إلى حياته المدنية قبل سقوط النظام، لأي سبب كان. تكمن أهمية هذه البرامج في قدرتها على معالجة التراكمات المعقّدة التي خلّفتها سنوات الصراع الطويلة، وإعادة دمج المقاتلين والمجتمعات المتضررة في نسيج الدولة والمجتمع. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سوريا مستعدة اليوم لإطلاق برنامج من هذا النوع؟ وهل تمتلك القدرة على التعامل مع هذا الطيف الواسع من الفئات، ومعالجة آثار النزاع العميقة، في ظل الانقسام الداخلي وضمان الأمن والسلم الأهلي على المدى البعيد؟

الشروط المسبقة لتطبيق برامج DDR 

قبل الخوض في تفاصيل التطبيق، لا بدّ من التطرّق إلى الشروط التي ينبغي توافرها قبل إطلاق مشروع من هذا النوع. يمكن تلخيص هذه الشّروط في ما يلي:

  1. وقف إطلاق النار.
  2.  نشوء ثقة شعبية (حقيقية) بإمكانية تحقيق السلام على أسس مستدامة.
  3. رغبة الأطراف التي خاضت النزاع المسلح في المضيّ نحو مشروع لنزع سلاح المقاتلين وتسريحهم وإعادة دمجهم.
  4. توافر الحدّ الأدنى من الضمانات الأمنية في البلاد. 

بنظرة سريعة إلى الواقع السوري، يمكن القول إنّ وقف إطلاق النار لم يتحقّق فعلياً في جميع المناطق، إذ شهد المجتمع السوري حالتي عنفٍ طائفيّ في كلٍّ من منطقة الساحل ومحافظة السويداء، مع استمرار احتمال تجدّد القتال مع قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق البلاد. صحيح أنّ هناك ثقةً شعبيةً نسبية تُعوِّل على نجاح الانتقال السياسي في ترسيخ السلم الأهلي، غير أنّ هذه الثقة ليست مطلقة ولا متجانسة، بل تختلف تبعاً للمناطق والفئات الاجتماعية. وهو ما أكّده استطلاع للرأي أجراه «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» في سوريا. أما إرادة الأطراف المعنيّة، وعلى رأسها الحكومة القائمة، للمضيّ في هذه العملية، فتبدو غائبة عن المشهد. وبما أنّ الوضع الأمني هشّ ويمكن أن ينفجر في أيّ لحظة، فمن غير الممكن الحديث عن ضماناتٍ حقيقيةٍ في هذا المجال.

بما أنّ الوضع الأمني (هشّ) ويمكن أن ينفجر في أيّ لحظة، فمن غير الممكن الحديث عن ضماناتٍ أمنيةٍ حقيقية لتطبيق برامج نزع السلاح

بناءً على ما تقدّم، تبدو عملية تطبيق برامج DDR واحدةً من أكبر التحدّيات التي تواجه الحكومة الجديدة في سوريا، ليس فقط بسبب هشاشة الوضع الأمني في الداخل، بل أيضاً نتيجة التدخّل الإسرائيلي المتزايد الذي بلغ مستويات غير مسبوقة، وقد يتحوّل إلى ذريعةٍ جديدةٍ لحمل السلاح بصورةٍ عشوائيةٍ مرّةً أخرى. ومع ذلك، فقد لاح بصيص أملٍ جديد في ضبط فوضى السلاح بعد قرار رفع العقوبات الدولية، وما تضمّنه من رغبةٍ معلنةٍ لدى المجتمع الدولي في ترسيخ الاستقرار داخل البلاد، ومنعها من الانزلاق مجدّداً إلى دوّامة الاحتراب. يتيح هذا القرار إمكانية تخصيص تمويلٍ لبرامج DDR ضمن حزم مساعدات إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد السوري، الأمر الذي قد يشكّل فرصةً عمليةً لبدء هذا المشروع على أسسٍ واقعيةٍ ومستدامة.

خريطة طريق دولية: 10 مبادئ للنجاح

استناداً إلى خبرةٍ تراكمت عبر تطبيق برامج DDR على مدى عقود، وضع المجتمع الدولي عشر إرشاداتٍ رئيسية لضمان نجاح هذه البرامج في أي بلدٍ يخرج من مرحلة نزاع. وتشمل هذه الإرشادات ما يلي:

  1. ضمان الطوعية في عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج المقاتلين السابقين ضمن مجتمعاتهم، بما يكفل مشاركة جميع الأطراف المعنية عن قناعةٍ كاملة.
  2. تمحور البرنامج حول الإنسان، بحيث لا يقتصر على الجوانب التقنية والأمنية (جمع السلاح)، بل يشمل تلبية الاحتياجات النفسية والاقتصادية والاجتماعية للمقاتلين السابقين، مع مراعاة البيئة التي أتوا منها، ودورهم خلال النزاع، ومستواهم التعليمي، ورتبهم السابقة سواء في الجيش النظامي أو في التشكيلات المسلحة، كما حدث في السياق السوري. ويشمل ذلك أيضاً وضع أسرهم والمجتمعات المتأثرة بالنزاع، لما لذلك من أهمية في ترسيخ دعائم السلام.
  3. ضمان مشاركة النساء والرجال على حد سواء، بصرف النظر عن طبيعة أدوارهم أو نسبة مشاركتهم في مرحلة النزاع، تحقيقاً للعدالة والمساواة بين الجنسين.
  4. مراعاة حساسية النزاع في تصميم البرنامج، بحيث يأخذ في الاعتبار خصوصية السياق المحلي وتأثيرات الحرب على المجتمعات المحلية.
  5. مراعاة خصوصية البلد المعني، من حيث ظروفه السياسية والاجتماعية والثقافية، وطبيعة الشعب الذي تضرر من النزاع.
  6. تطبيق البرنامج بمرونة وشفافية مع ضمان المساءلة، بما يعزز الثقة والفعالية في التنفيذ.
  7. تنفيذ العملية بأيدٍ وطنية وبدعمٍ دولي، لتحقيق نتائج مستدامة وتعزيز دور الدولة وقدرتها على إدارة هذه البرامج بكفاءة، مع تطوير خبراتها ومهاراتها بما يضمن استمرارية النتائج.
  8. تأمين دعم دول الجوار والإقليم، لما لهذه الدول من تأثر مباشر بتداعيات النزاع، ويكون هذا الدعم عبر توفير الموارد والخبرات اللازمة.
  9. ضمان شمولية البرنامج وتكامله، بحيث لا يتوقف عند مرحلة دون أخرى، بل تتعاقب مراحله وصولاً إلى الدمج الكامل للمقاتلين ضمن مجتمعاتهم، مع ربطٍ واضحٍ بين عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج من جهة، وبرامج إعادة الإعمار والإنعاش الاقتصادي من جهة أخرى.
  10. الاعتماد على التخطيط السليم، بوصفه عنصراً أساسياً من عناصر النجاح، لضمان تنفيذ البرامج بفعالية وتحقيق الأهداف المرجوة منها.

تعتمد برامج DDR، بشكل كبير، على مسؤولية الحكومة في التنسيق بين وزارات الدولة ومؤسساتها المختلفة، وبين العناصر الوطنية الفاعلة، بما في ذلك المجتمع المدني والعناصر الدولية الشريكة. وتعتمد، أيضاً، على قوة وكفاءة هذه المؤسسات. فعندما تفتقر تلك المؤسسات إلى الخبرة أو الكفاءة في مجال نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، يصبح من الضروري اتخاذ خطوات منهجية لتطوير القدرات الوطنية، بهدف تكوين خبرات وطنية متخصصة في هذا المجال.

في هذا الإطار، تأتي أهمية تشكيل لجنة وطنية للإشراف على هذه العملية. كما يُنصح بإجراء تقييم أولي للأنشطة المخطط تنفيذها في مجال DDR.
وفي خطوة تالية، يجب تحديد العناصر المحلية الشريكة القادرة على المشاركة في التنفيذ، وعلى رأسها منظمات المجتمع المدني. كما ينبغي إشراك المجتمع الأهلي في كل مرحلة من مراحل البرنامج، لما لذلك من أثر مباشر في خلق دعم شعبي وتعزيز جهود المصالحة، بما يسهم في استدامة السلم الأهلي.

تطبيق برامج DDR في مناطق النزاع (السودان – ليبيريا)

عقب توقيع اتفاقية سلام في السودان مطلعَ الألفية الثالثة، تشكلت اللجنة الوطنية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وبدأت تشرف على تلك العمليات منذ ذلك الحين حتى اليوم. وخلال مراحل عدة من عملية السلام، والتي امتدت لعقود، ترأست هذه اللجنة عدداً كبيراً من المبادرات، وعلى رأسها الاستراتيجية المعنية بنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بما يرتبط بها من تخطيط وتنفيذ. وقد اعتمدت في ذلك على آليةٍ للتنسيق شاركت فيها عناصر فاعلة محلية ودولية، شملت منظمات المجتمع المدني. ويرتكز سر نجاح هذه اللجنة على استيعابها لواقع البلد والمنطقة والظروف الدولية المحيطة بها، فضلاً عن درايتها بطبيعة العناصر المسلحة، ودوافع النزاع، وفرص السلام، والنواحي الجندرية وديناميات المجتمع.
غير أن نجاح السودان، في هذا المضمار، لا يقارن بالنجاح الذي حققته ليبيريا في برامج DDR

في ليبيريا، أتاحت حوافز بقيمة 150 دولاراً فقط جمع أكثر من 100 ألف قطعة سلاح خلال عام واحد، في أحد أنجح نماذج DDR

شهدت ليبيريا حربين أهليتين بين العامين 1989 و2003 أسفرتا عن مقتل نحو250 ألف إنسان، بالإضافة إلى موجة نزوح واسعة، وانتشار الجماعات المسلحة التي جندت الأطفال، وظهور فوضى سلاح عارمة.

بعد توقيع اتفاق سلام، بدأ تنفيذ برنامج DDR بإشراف الأمم المتحدة والحكومة الليبيرية الجديدة. أُنشِئت مراكز خاصة لجمع السلاح، وحصل كل من سلّم سلاحه على تعويض رمزي قدره 150 دولاراً، مما أتاح جمع أكثر من 100 ألف قطعة سلاح خلال عام واحد فقط. ثم سرحت الدولة أكثر من 103 آلاف مقاتل من جميع الفصائل. وشمل البرنامج أكثر من 11 ألف طفل مجند أُعيدوا إلى أهاليهم أو نُقلوا إلى دور الرعاية. بعد ذلك، وفّر البرنامج تدريباً مهنياً للمقاتلين السابقين في مجالات مثل الزراعة والنجارة والخياطة والميكانيك، إضافةً إلى منحهم فرصاً تعليمية أو دعماً مالياً وتقنياً لافتتاح مشاريع صغيرة. كما أُطلقت حملات توعية في القرى لضمان استيعاب المقاتلين السابقين وتشجيع المصالحة المجتمعية.

هكذا انخفض العنف المسلح انخفاضاً حاداً في ليبيريا، وعاد أكثر من خمسمائة ألف نازح ونازحة إلى مناطقهم. بعدها أجريت انتخابات ديمقراطية أوصلت إلين جونسون سيرليف، إلى سدة الرئاسة، لتصبح أول رئيسة لدولة في أفريقيا. وبناءً على ذلك، اعتبرت الأمم المتحدة ما طبق في ليبيريا أحد أنجح نماذج برامج DDR في القارة الأفريقية.

مراحل تطبيق برامج نزع السلاح

تمرّ عملية نزع السلاح في العادة بعددٍ من المراحل المترابطة، التي تهدف مجتمعةً إلى إنهاء حالة العنف المسلّح، وضمان عدم عودتها مستقبلاً. ويمكن تلخيص هذه المراحل في أربع خطوات أساسية:

  1. نشر المعلومات والتخطيط المسبق: تبدأ العملية بحملة تواصل واسعة، تُعرِّف المقاتلين والمجتمعات المحلية بمضمون برنامج نزع السلاح وأهدافه ومراحله، مع تحديد آليات دقيقة للتنفيذ ومواعيد واضحة لجمع السلاح، بما يضمن المشاركة الطوعية والثقة بالعملية.
  2. جمع السلاح: تُنفّذ عملية الجمع من خلال نقاط تسليمٍ محددةٍ أو حملاتٍ ميدانيةٍ بإشرافٍ وطنيٍّ ودوليٍّ مشترك. ويمكن، في بعض الحالات، تقديم حوافز مادية أو ضمانات أمنية لتشجيع المقاتلين على تسليم أسلحتهم طوعاً، مع ضرورة توثيق عملية الجمع وإخضاعها لرقابة شفافة.
  3. تأمين التخزين وإدارة المخاطر: بعد جمع السلاح، تُنقل الأسلحة والذخائر إلى مستودعاتٍ مؤمَّنةٍ تخضع لإشراف فنيٍّ دقيق، لتفادي أي حوادث أو تسرب أو استخدامٍ غير قانوني. وتشمل هذه المرحلة عمليات الجرد، والتصنيف، والتخلص من الذخائر غير المستقرة، تمهيداً للإتلاف النهائي.
  4. إتلاف الأسلحة: تُدمَّر الأسلحة بأساليبٍ آمنةٍ ومعترفٍ بها دولياً، كالحرق المنضبط أو التفكيك أو الصهر، مع توثيقٍ رسميٍّ لكل عملية لضمان الشفافية والمساءلة.

بعد استكمال هذه الخطوات، يُفترض بالحكومة أن تسنّ قوانين واضحة ورادعة تمنع حيازة السلاح أو الاتجار به، وتعمل على ضبط الحدود لمنع تهريبه. غير أنّ نجاح هذه الإجراءات يتطلّب إرادةً سياسيةً صلبةً، وقدرةً مؤسسيةً عاليةً على التنفيذ، فضلاً عن شراكةٍ فاعلةٍ بين الأجهزة الوطنية والجهات الدولية المانحة.

في الحالة السورية الراهنة، يبدو هذا الجانب تحدّياً معقداً، نظراً لعدم سيطرة الحكومة الجديدة على كامل الأراضي، وصعوبة ضبط الحدود الطويلة مع دول الجوار، فضلاً عن محدودية السلطة التشريعية الناشئة وقدرتها على فرض القوانين ومراقبة تطبيقها.

تخصيص قيادات سابقة في هيئة تحرير الشام بحقائب وزارية يثير مخاوف من إعادة إنتاج النخبوية المسلحة في مؤسسات الدولة

في جميع الأحوال، يرى بعض الخبراء إمكان الاستعانة بإجراءات (DDR) حتى في حال استمرار النزاع، ما يعني أنّ أيّ نهج متصل بهذا السياق يمكن أن يُفصَّل وفق خصوصية البلد الذي شهد، أو لا يزال يشهد، حالة صراع. وهنا لا بدّ من تحديد مجموعةٍ من المعايير التي تُبنى عليها عملية اختيار الفئات التي ينبغي أن تخضع لبرامج DDR. وتحديد نوع الأسلحة المطلوب تسليمها للدولة. وآليّةٍ لإثبات أنّ حاملَ السّلاح كان مقاتلاً بالفعل، ولم يحمله لأغراضٍ أخرى.

في سيراليون، على سبيل المثال، كان التشدد في وضع تلك المعايير سبباً في استبعاد النساء والطهاة من فئة المقاتلين الذين شاركوا في النزاع المسلّح. أمّا في ليبيريا، فقد أتاح قدْرٌ أكبر من المرونة في تطبيق المعايير لعددٍ كبير من المقاتلين السابقين العودة إلى الحياة المدنية. غير أنّ ذلك تسبّب بظهور مشكلاتٍ مالية لدى المستفيدين ومجتمعاتهم المضيفة خلال مرحلة نزع السلاح، نتيجة فقدان مصدر الدخل. وقد يشكّل هذا الوضع ضغطاً على الخدمات والفرص الوظيفية على المستوى المحلي في المستقبل القريب، الأمر الذي يستلزم بالضرورة تنفيذ برامج دعمٍ اقتصاديٍّ مؤقّتة، ومشروعاتٍ صغيرةٍ لتوفير دخلٍ محدود، بهدف تخفيف حدّة التوتّر وضمان استدامة العملية.

مراحل عملية التسريح

  • تسجيل الأسماء والبيانات: تبدأ العملية بجمع قوائم المقاتلين السابقين المستهدفين بالتسريح، مع توثيق بياناتهم الشخصية وتحديد عددهم ووضعهم العسكري، بهدف إنشاء قاعدة بيانات دقيقة تشكّل أساساً للتخطيط والمتابعة لاحقاً.
  • الفحص الأمني والمتابعة الميدانية: يُخضع المقاتلون السابقون لفحصٍ أمنيٍّ شامل، مع مراقبةٍ وتقييمٍ ميدانيٍّ لوضعهم قبل عودتهم إلى المجتمع، وذلك لتقدير احتياجاتهم الفردية الصحية والنفسية والمادية والاجتماعية، وضمان عدم عودتهم إلى حمل السلاح.
  • التحقّق من الوثائق الثبوتية: يُفترض فحص المستندات الشخصية للمقاتلين، مثل بطاقات الهوية وشهادات الميلاد ودفاتر العائلة، والتأكد من صحتها، مع إصدار وثائق بديلة أو مؤقتة عند الحاجة. وقد شهد السياق السوري مثالاً على ذلك، حين مُنح عدد من مقاتلي جيش النظام السابق، ممّن سلّموا أنفسهم، وثائق تثبت إجراءهم (مصالحةً) مع الحكومة السورية الحالية، رغم أنّها لم تُطلق حتى الآن برنامجاً وطنيّاً شاملاً لحصر السلاح بيد الدولة وتسريح جميع المقاتلين السابقين.
  • التوزيع على معسكرات التسريح: يُنقل المقاتلون بعد ذلك إلى معسكراتٍ منظَّمة أو مراكز استقبالٍ مخصَّصة، حيث يخضعون لإجراءات التسريح النهائية، وبرامج التوجيه، ودورات التدريب المهني، تمهيداً لإعادة دمجهم في المجتمع المدني.

تجدر الإشارة إلى أنّ مدة تنفيذ هذه العملية تختلف من بلدٍ إلى آخر، إذ لم تستغرق سوى بضعة أيام في أفغانستان، بينما امتدّت بين ستة أشهر وسنة في كلٍّ من سيراليون وليبيريا. وتُعتبر هذه المرحلة من أكثر المراحل حساسيةً وخطورةً على حياة المقاتلين السابقين، لأنها تحرمهم «الامتيازات» التي اكتسبوها خلال فترة النزاع، سواء من حيث النفوذ أو المكانة أو الموارد. وخلالها، تظهر عادةً حالة من الشكّ تجاه جدّية عملية السلام وضمان أمن المقاتلين وسلامتهم، كما حدث في البوسنة والهرسك، حيث لم يحصل أكثر من 400 ألف مقاتل سابق على المساعدات المخصَّصة لمرحلة إعادة الدمج، ما أدّى إلى تراجع أعداد المسجّلين في البرنامج وظهور محاولات تسجيلٍ من مدنيين سَعَوا للاستفادة من مزاياه.

مراحل إعادة الدمج

تغطي هذه العملية ثلاثة مجالات رئيسية: الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

في المجال الاقتصادي، يمكن للمقاتلين السابقين الاستفادة من برامج التدريب المهني الملائمة لسوق العمل، ومن مشاريع تطوير الأعمال الصغيرة التي تهدف إلى دعم دخلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع. غير أن فعالية هذه البرامج تختلف من بلدٍ إلى آخر، إمّا بسبب ضعف الطلب على اليد العاملة في بلدٍ خرج لتوّه من حربٍ مدمّرة وما يرافق ذلك من نقص في الاستثمارات والمشروعات، أو بسبب عدم رغبة بعض المقاتلين في الالتحاق ببرامج التدريب أصلاً. ونتيجة لذلك، قد يجد المقاتل السابق نفسه بلا عملٍ أو مصدر رزقٍ ثابت، ما يبرز أهمية أن تتزامن هذه البرامج مع انتعاش اقتصادي عام في البلاد بعد انتهاء النزاع، بما يضمن نجاح عملية إعادة الدمج وترسيخ السلام في المجتمع.

أما في المجال السياسي، فلا يجوز تهميش المقاتلين السابقين في مجتمعاتهم، حتى لا تدفعهم العزلة أو الإقصاء إلى العودة نحو العنف أو الانخراط في جماعاتٍ مسلّحة جديدة. فقد أظهرت تجارب سابقة، كما في السلفادور والسودان، أنّ بعض الفصائل المسلحة تحوّلت إلى أحزاب سياسية سعياً لتحقيق مكاسب ضمن الإطار السياسي الجديد. وفي هذا السياق، يجب مراعاة طبيعة العلاقة بين المقاتلين السابقين وأقرانهم في الفصائل المنافسة، وكذلك مع المجتمع المدني، بما يعزّز المصالحة المجتمعية ويحول دون تجدّد النزاع.

وفي ما يخص الجانب الاجتماعي، المتداخل بالسياسي والاقتصادي أصلاً، يبرز مثال زيمبابوي بوصفه نموذجاً على فشلٍ لاحقٍ لنجاحٍ أوليّ. فبعد أن كانت تجربتها في إعادة الدمج نموذجاً ناجحاً، لم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى تحوّلت إلى قصة إخفاق، بسبب منح الحكومة امتيازاتٍ وفرص تدريبٍ ووظائف للمقاتلين السابقين دون مراعاة لكفاءاتهم أو خبراتهم، بل إنّ بعضهم مارس الترهيب في بيئة العمل، ما اضطرّ الدولة إلى تقليص دعمها لهم لاحقاً. وبالمقارنة مع هذه الحالة الفئوية، يمكن القول إنّ الحكومة السورية الحالية انتهجت مساراً مشابهاً حين خصّت قياداتٍ سابقة في «هيئة تحرير الشام» بحقائب وزارية سيادية ضمن تشكيلتها الحكومية، في خطوةٍ أثارت مخاوف من إعادة إنتاج النخبوية المسلحة في مؤسسات الدولة.

الخلاصة والتوصيات

تُظهر التجارب السابقة، بوضوح، أن نجاح أيّ برنامجٍ لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) يعتمد قبل كلّ شيء على وجود إرادةٍ حقيقية من جميع الأطراف لوقف الحرب وإنهاء العنف في البلد. كما يتطلّب الأمر دعماً مالياً دولياً كبيراً للانطلاق بهذه البرامج، تحت إشرافٍ أمميٍّ محايد يضمن الشفافية خلال مراحل التنفيذ، إلى جانب برامج دمجٍ ومصالحةٍ مجتمعيةٍ مستمرة تُركّز على النساء والأطفال، بوصفهم الفئات الأكثر تأثراً بالنزاع، ولأنّ المجتمع بأسره يُعدّ شريكاً محورياً في هذه العملية.

الشفافية في التمويل والإدارة والإشراف ضرورية، غير أنّ الاستمرارية والمواظبة تظلّان الشرط الأهمّ لنجاح أيّ برنامج DDR، إذ لا يمكن النظر إليه كإجراءٍ إداريٍّ فحسب، بل كعمليةٍ معقّدةٍ تتطلّب فهماً عميقاً للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للبلد الخارج من الحرب. ويعتمد هذا النجاح كذلك على قدرة الدولة والمجتمع على معالجة آثار النزاع بشكلٍ متوازن، ووضع سياساتٍ عادلة، وبناء مؤسساتٍ قوية قادرة على ضمان الأمن والمصالحة واستدامتهما، بما يرسّخ السلم الأهلي في نهاية المطاف.

أما في السياق السوري، فيجب أن تترافق هذه البرامج مع إصلاحاتٍ مؤسسيةٍ شاملة، وتعزيز مشاركة المرأة والمجتمع المدني، وتوفير فرص حياةٍ كريمةٍ للجميع، حتى تتحوّل من برامج تقنية بحتة إلى خطواتٍ عملية لإعادة بناء الدولة والمجتمع بعد سنواتٍ طويلة من الحرب والفوضى. فالنهج الشامل وحده كفيلٌ بضمان استقرارٍ طويل الأمد وسِلمٍ أهليٍّ مستدام، يحمي الحقوق ويمنح الشعب السوري فرصةً حقيقيةً للعيش بأمانٍ وكرامة.

لكن قبل كلّ شيء، يبقى من الضروري توعية السوريين بأهمية هذه البرامج ودورها في ترسيخ السلم الأهلي، خصوصاً بعد الانتكاسات التي أصابت مسار المرحلة الانتقالية. كما ينبغي التأكيد على أن نجاح برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في سوريا لا يجوز أن يظلّ «رهينةً» للتمويل الخارجي أو لـ«النوايا الطيبة» للدول الشريكة، بل هو رهنٌ بإرادة السوريين أنفسهم في طيّ صفحة الاقتتال والانقسام، والسير نحو بناء دولةٍ آمنةٍ تتّسع لجميع أبنائها.

يُنشر هذا المقال في إطار تعاونٍ بين «صوت سوري» و«شبكة الصحفيات السوريات» يتمحورحول العدالة الانتقالية في سوريا

إعادة_دمج_المقاتلين_في_سوريا العدالة_الانتقالية_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0