دخول 1
لكي تكتب عن العدالة الانتقالية، فأنت تحتاج إلى كثير من العدالة وكثير من الانتقال.
غير أن بلادنا لا تملك من كليهما إلا القليل، فهما أشحّ من الماء في هذه الأيام. رغم إدراكي أن كل تاريخ الثورات تخلّلَه الكثير من الظلم والعنف - يكفي أن نعلم أن الثورة الفرنسية، التي تُعدّ نقطة التأريخ الأولى للاعتراف بالكيان الإنساني، كانت فاتحةً لأربع سنواتٍ عُرفت باسم «عهد الإرهاب» - لكن، وبينما تجفّ البحيرات، وتحترق الغابات، وتُختطف النساء، ويُقتل الفلّاحون، وتُهدَّم التماثيل في حلب، ويُصافَح المجرمون، ويُودَع الأبرياء في السجون دون أدنى رقابة أو إمكانية تواصل أو توكيل محامٍ، لا أدري ما فائدة الحديث. خصوصاً أنك لا تحارب سلطة — فهذه قد تجد معها حلاً ما — بل تُجابه غريزةً قطيعيةً وروحاً طائفية أعمت أصحابها عن رؤيتك من الأساس، لا تخضع لقوانين المنطق، ولا تقرأ ما تكتب. وهذا ما يفضي بي إلى الدخول الثاني في الموضوع.
دخول 2
«العمى الذهني» هو مصطلح استخدمه سيمون كوهين، لوصف حالةٍ يصعب فيها على المريض إدراك الحالة الذهنية للآخر أو معرفة مشاعره، وقد تصل به الحال إلى اعتباره لا يمتلك أفكاراً أصلاً. تُعدّ هذه النظرية متفرعة من مفهوم «نظرية العقل»، التي تعني القدرة على رؤية الأمور من منظور عقلٍ آخر، ويطرحها ستيفن ميثان في كتابه «العقل ما قبل التاريخ» على أنها من أهم الخطوات التي امتلكها العقل البشري وأسهمت في تطوّره؛ أي القدرة على التفكير بعقل الآخر.
تلك قدرة يبدو أننا، شعباً وحكومةً، لا نريد امتلاكها. فلماذا عليّ أن أشرح وجهة نظرٍ لا أحد يملك الرغبة - أو ربما القدرة - على فهمها؟ وهذا ما يُفضي بي إلى الدخول الثالث في الموضوع.
دخول 3
الإنسان كائنٌ حكّاء، يفهم من خلال القصص أكثر مما يفهم من خلال النظريات. ومنذ أن اكتشف علم النفس ذلك، بدأ كلّ شيءٍ يتغيّر، وراح الإعلاميّون والسياسيون يستخدمون القصص ليقولوا ما يريدون له أن يُفهم على نحوٍ أوضح.
ولذلك سأحكي ثلاث حكايات — قصيرةً على الصفحات، وطويلةً على امتداد الوطن — بدلاً من تسطير النظريات عن تلك العدالة.
حكاية 1 - دورايمون العائد من صيدنايا
المشهد ليليّ جداً، باردٌ جداً. بيتٌ في إحدى عشوائيات البلاد، في الطابق السابع من المخالفات.
«دورايمون» هذا هو برنامج الأطفال الذي تربّى عليه «خلّودة»، أو خالد من دون دلع، ولذلك تعلّق به كثيراً.
أوّل ما عرف «خلّودة» دورايمون كان على هيئة بالونٍ عائدٍ من سجن صيدنايا.
«خلّودة» هذا يتيم حرب، عاش مع جدّته، وهي حماتي، التي كانت تقطع سبعين كيلومتراً إلى دمشق، ثم تركب باصاً آخر لتقطع خمسين كيلومتراً إضافية إلى صيدنايا، ثم تعيد قياس الطريق في العودة، فيصبح مجموع الرحلة نحو مئتين وخمسين كيلومتراً، عدا المسافات التي كانت تقطعها مشياً.
ركبٌ مهترئة، عباءةٌ قديمة، لا تعرف أحداً - ولا حتى شرطي سير يمكن أن يساعدها - فقط لتحصل على خمس دقائق لرؤية ابنها المعتقل، وهي لا تملك من المال أكثر من أجرة الطريق. اعتُقل ابنها من دون أيّ دليلٍ يُذكَر، ومن دون ما يثبت تورّطه في قضية «الإرهاب» المُسنَدة إليه.
أخبرني أحد أصدقائي، وكان موقوفاً في سجن صيدنايا، في «الفرع الأبيض» من السجن - وهو أقلّ قسوة وجحيمية من القسم الأحمر، لكن هذا لا يعني أنّه لم يكن جحيماً - أخبرني أنه في كلّ مرة كانت أمه تزوره فيها، كان يتلقّى عقاباً على الزيارة في طريق ذهابه وفي طريق عودته، حتى لا يظنّ المعتقل أن قبول طاقم السجن للزيارة يعني أنهم انتموا ولو قليلاً إلى البشر أو امتلكوا مشاعر فجأة. كان عليه أن يعلم أنه في الجحيم، وأن «أمه» جزءٌ من زيادة هذا الجحيم.
رغم معرفتي بذلك، لم أستطع أن أقول لحماتي هذه المعلومة. أدرتُ الأمرَ في ذهني مراتٍ عدّة: هل أحرمها من رؤيته مقابل توفير بضع لكماتٍ وعصيّ على ظهر ابنها؟ لم أكن أعلم ما الذي كان يفضّله هو: رؤية أمه مع العصيّ أم توفير العصيّ عن ظهره؟
غير أن كلّ ذلك لم يمحُ طفولة «خلّودة». فلا صيدنايا، ولا الطريق، ولا العباءة المهترئة، ولا قسوة السجّانين، حرموه من رغبته في امتلاك بالونٍ على شكل «دورايمون». دورايمون الذي كان يمتلك مروحةً في رأسه يستطيع أن يطير بواسطتها - هكذا شرح لي خلودة - مروحةٌ تمنّينا لو أن خال «خلّودة» امتلكها.
حكاية 2 - شعرٌ أبيض طويل، لعمرٍ أحمر قصير
المشهد مسائي، بارد. بيت في حلب القديمة، نصفه منهار من جرّاء القصف. فيه غرفتان بالكاد ينهض سقفهما.
أذكره، كان ذا شعرٍ طويلٍ أشيب، يربطه على شاكلة ذيل حصان - عكس السائد في منطقته، حيث لا يطيل رجال في عمره شعورهم إلا لانشغال ما - ولربما كان انشغاله بموت ابنه (انشغاله المؤبد في ذلك) هو السبب.
ابنه ذو الثلاثة عشر عاماً قُتِل برصاص قناصة أثناء محاولته جلب الطعام في حصار حلب من قِبَل مجموعاتٍ مسلّحة مُعارضة. تمكّن من معرفة اسم من أطلق النار، غير أنه لم يستطع أن يفعل شيئاً.
لاحقاً، أُوصلت إلى الأب رسالةٌ من ذلك «القناص الحر» مفادُها: «كنت أستطيع قتلك أنت أيضاً، لكنني أردت أن يحترق قلبك على ابنك بقيةَ حياتك».
قال لي إنّه سمع أن ذلك الـ «حر» خضع لإحدى التسويات لدى النظام السابق ثم عمل في قوةٍ رديفةٍ لـ«الفرقة الرابعة». لا أدري مَن سيحاسبه، وهو الذي انتمى إلى الطرفين معاً - في سابقةٍ من سوابق الحروب - ومن يدري ماذا ارتكب من جرائم أخرى، ضد أطفالٍ آخرين، أثناء «عمله» لدى «الفرقة الرابعة».
حكاية 3 - «مجرم حرب» يعزف العود بحذاء مهترئ
الزمان والمكان متواصلان.
كان موظفاً في قسمٍ ذي تسميةٍ كبيرةٍ في فرعٍ أمنيّ؛ لم يختر أن يكون في الأمن، إلا لانحداره من قريةٍ جفّ كلُّ ما فيها، بما في ذلك طيبة أهلها ونخوتهم. فتطوّع حاملاً معه عُودَه وذاكرةً مليئةً بالعتابا والألم، وموهبةً في ارتجال العتابا وقرضِ الشعر العموديّ من دون أدنى معرفة بالقواعد، ما عدا الفطرة السليمة. جرّ كلّ ذلك ومضى إلى «فرعه» وإلى بزّته العسكرية، وقضى اثنتَينِ وثلاثين سنةً. يعزف على العود ويقول الشعر ويستدين ثمنَ بطحةِ عرقٍ، وإذا ما أهديته واحدةً فسيظل مخلصاً لك إلى الأبد. يخاطب الجميع بـ «يا أبي».
بخلاف ارتجال العتابا والعزف على العود، لا يملك أيّ موهبةٍ سوى دقّته في الكتابة، ولذلك، ورغم أقدميته العسكرية، لم يأتمنوه على ملفٍّ واحدٍ يتعدّى نقل الأضابير وتنظيمها. يعتاش على ما يُقدّمون له من طعامٍ، ويدعو الجميع إلى صحنه.
كنت أستمع، يوماً، إلى قصيدةِ أمل دنقل «لا تصالح»، فبدأ عِتاباً طويلاً على أن القصيدة تحمل حقداً غير جميل. تعرّض، يوماً، لحادثٍ فأعطيته مبلغاً من المال يعينه على أجر الأطباء، فأخبر الجميع عن «كرمي الطائي».
كلّ ما فيه كان وديعاً ونبيلاً - ما عدا مسمّاه الوظيفيّ - لاحقًا قرأت اسمه في قوائمِ المتّهمين بارتكاب «جرائم خطيرة بحقّ الشعب السوري».
خروج
أخرج كما دخلت: ثلاثةُ مخارجٍ بمضمون واحد. لا أملك أيّ إحساس أو أملٍ بالعدالة.