× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

ما الذي يجعل النساء السوريات ركيزةً استراتيجية للسلم الأهلي؟

عقل بارد - على الطاولة 28-11-2025

لم تكتفِ النساء السوريات بتحمل عبء الصراع والانقسام، بل حوّلن التحديات إلى موارد، والألم إلى مبادرات ملموسة تعزز صمود المجتمع. ودمج هذه الخبرات في صلب أي آلية للعدالة أو مسار للمصالحة يضمن أن يتجاوز السلم الأهلي كونه مجرد اتفاقيات شكلية، ليغدو واقعاً عملياً يُشعر كل فرد بالأمان والاعتراف والعدالة

وسط ركام المدن المدمّرة، والشتات الذي مزّق العائلات، والصراعات التي زرعت الخوف في تفاصيل الحياة اليومية، يبرز سؤالٌ محوريّ: هل يمكن بناء سلم أهلي مستدام في سوريا من دون الاعتراف بتجارب النساء ودورهن؟

هذا السؤال ليس مجرد استفسارٍ نظري، بل معيار حقيقي لقياس جدّية أي مشروعٍ للعدالة الانتقالية أو إعادة البناء الاجتماعي. لم تكن النساءُ السّوريّاتُ مجرّد ضحايا فحسب، بل كنّ عنصراً أساسياً في حفظ النسيج الاجتماعي، يتحمّلنَ مسؤولية استمرار الحياة، وويصنعنَ مساحاتٍ صغيرةٍ للمصالحة وسط الانقسام العميق. 

تكشف جهودُ منظماتٍ ومبادراتٍ ناشطةٍ، مثل «عائلات من أجل الحرية»، التي تعمل على توثيق قصص المعتقلين والمفقودين وجمع شهادات المجتمع المحلي، أنّ كثيراً من أدلةِ الحقيقةِ والذاكرة، تأتي اليوم عبر مبادراتٍ نسويةٍ مدنية، ما يجعل أصوات النساء مادةً لا غنى عنها في أي مسارٍ عادل.

أهمية الاعتراف بدور النساء ليست مجرّد حكمٍ أخلاقي، بل تمثّل ممارسةً استراتيجيةً قيّمةً لبناء سلام فعّال. فالمنظمات النسوية السورية، سواء داخل البلاد أو في الاغتراب، مثل «Women Now»، أصبحت فاعلاً رئيساً في حماية النساء وتمكينهن، وحازت اعترافاً دولياً متزايداً يعكس قوتها المؤسسية وقدرتها على إحداث التحوّل في مسارات العدالة والسلام. كما أكّدت جهات أممية أنّ «أصوات النساء يجب أن تُسمع»، ليس فقط من منطلق الإنصاف، بل لأن مشاركتهن تزيد من فرص تحقيق انتقال سلمي مستقر وشامل. وعليه، فإن أي مشروع للعدالة الانتقالية أو السلم الأهلي ينبغي أن ينطلق من الاستماع المنهجي إلى النساء، وربط توثيق تجاربهن بمسارات قانونية وسياسات عملية تكفل الاعتراف والتعويض والحماية.

لقد أظهرت النساء قدرة استثنائية على التكيّف ومواجهة الأزمات. من إدارة الأسر تحت ظروف النزاع، إلى إطلاق مبادرات تعليمية وصحية صغيرة لدعم المجتمع المحلي، وصولاً إلى لعب دور الوسيط في النزاعات اليومية بين العائلات والمجتمعات المتأثرة بالحرب. هذه الأدوار، على بساطتها الظاهريّة، تشكّل قاعدة صلبة لبناء الثقة المتبادلة، وتسهم مباشرة في استقرار المجتمعات، وهو شرط أساسي لأي سلم أهلي مستدام.

إن تجاهل أصوات النساء وتجاربهن لا يضعف مصداقية مشاريع العدالة والسلام فحسب، بل يهدّد ركائزها الاستراتيجية. فغياب الاعتراف بالمساهمات الحقيقية لهن يجعل أي محاولة لإعادة بناء المجتمع هشّة ومعرّضة للفشل، إذ يُفتقد عنصر الجمع بين الخبرة الحياتية والفاعلية الاجتماعية التي تشكّل جوهر دورهن.

حاملات الذاكرة الجمعية

تنبع أهمية دور النساء في حفظ النسيج الاجتماعي من قدرتهن على توثيق الذاكرة الجماعية للمجتمع المتأثر بالحرب. لقد أصبح تسجيل قصص المعتقلين والمفقودين داخل العائلات والمجتمعات المحلية من أبرز مساهماتهن، إذ عملن على جمع الشهادات وحفظ الوقائع اليومية وتوثيق الانتهاكات التي طالت مجتمعاتهن. وهكذا لم يعد هذا الجهد نشاطاً اجتماعياً فحسب، بل أداة استراتيجية لمقاومة النسيان وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

كثير من أدلةِ الحقيقةِ والذاكرة، تأتي اليوم عبر مبادراتٍ نسويةٍ مدنية، ما يجعل أصوات النساء مادةً لا غنى عنها في أي مسارٍ عادل

تؤكد أمثلة ميدانية هذا الدور. في ريف دمشق، قادت مجموعة نسائية مبادرات لتوثيق الانتهاكات وجمع توقيعات تطالب بوقف العنف، إلى جانب تسجيل قصص المعتقلين والمفقودين، ما ساهم في إبقاء الذاكرة حيّة رغم قسوة الظروف. كما تقود ناشطات سوريّات ومنظمات نسوية محلية جهوداً منهجية في توثيق الانتهاكات، فيما تواصل منظمات مثل «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، بناء قاعدة بيانات ضخمة تضم ملايين الحوادث بعدما أصدرت أكثر من 1800 تقرير منذ 2011. هذه الذاكرة تحوّلت إلى ركيزة أساسية للعدالة الانتقالية، إذ توفر معلومات دقيقة وموثوقة تسهم في بناء ملفات العدالة، وتحديد المسؤوليات، وترسيخ الأسس القانونية للمساءلة.

جسر بين المجتمعات المنقسمة

لم يقتصر تأثير النساء على مواجهة الانتهاكات الفردية، بل امتد ليصبح عنصراً فاعلاً في تقليص الانقسامات الاجتماعية والسياسية بين المجتمعات. فوجودهن في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية منحهن موقعاً طبيعيّاً للتواصل مع مختلف الفئات، ما مكّنهن من بناء الثقة وتحفيز التعاون بين الأطراف المتباينة.

في مناطق ريف دمشق مثلاً، أسست نساءٌ مجموعاتٍ محليةً صغيرة لتقديم الدعم للنازحين وأسر الضحايا، وعملن على تنسيق المساعدات وتنظيم ورش تعليمية للأطفال، وربط المجتمعات المحلية بالمؤسسات الإنسانية. هذه المبادرات، رغم صغر حجمها، لعبت دوراً مهماً في التخفيف من حدة الانقسامات وخلق مساحات مشتركة للحوار والمشاركة المجتمعية، وأكّدت UN Women على دعم مثل هذه المشاريع.

برز كذلك دور النساء في المدن والقرى في حل النزاعات اليومية بين العائلات والجيران، هذا الدور منحهن القدرة على التوسط بين الأطراف المختلفة، وتقديم حلول توافقية تحفظ التماسك المجتمعي. ورغم أن هذه الجهود ليست رسمية أو سياسية بالمعنى التقليدي، فهي فعّالة في إنشاء جسور ثقة حقيقية.

من هذا المنظور، تصبح النساء عنصراً استراتيجيّاً لإعادة بناء النسيج الاجتماعي السوري، إذ يحوّل حضورهن اليومي في العمل الاجتماعي والخدمات الأساسية إلى قوة عملية لتقليل الانقسام، وتعزيز التعاون، وتمهيد الطريق أمام أي جهود مستقبلية للسلم الأهلي.

تجارب النساء في النزوح والشتات: موارد لسلم مستدام 

إذا كان دور النساء داخل سوريا قد تجلى في إعادة بناء جسور الثقة بين المجتمعات المنقسمة، فإن تجاربهن في النزوح والشتات أضافت بعداً آخر أكثر عمقاً واتساعاً. لم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي قسري، بل اختباراً قاسياً أعاد تشكيل البنية الاجتماعية، ودفع النساء إلى ابتكار أشكال جديدة من التضامن والتنظيم، ما يمكن وصفه بـ «بنية تحتية للسلام الاجتماعي». هذا الامتداد الطبيعي لأدوار النساء في الداخل جعل حضورهن في الخارج يتجاوز كونه انعكاساً للمعاناة، ويغدو مصدراً لإنتاج موارد اجتماعية واقتصادية يمكن أن تشكّل أساساً لرؤية سلم أهلي مستدام.

السلام الحقيقي يظل مرتبطاً بالمجهود اليومي للنساء في إدارة الحياة وحماية النسيج الاجتماعي

في المخيمات والمجتمعات المضيفة في تركيا ولبنان والأردن، اضطرت النساء إلى بناء شبكات دعم اقتصادي واجتماعي من الصفر. أنشأن مبادراتٍ تعليميةً لأطفال خارج النظام الدراسي، نظمن وصول العائلات إلى الخدمات الصحية، وأطلق بعضهن مجموعات عمل صغيرة لتأمين سبل العيش. وقد أكدت دراسات ميدانية أن هذه الأنشطة لم تكن استجابات عابرة، بل ساهمت في تعزيز صمود المجتمعات السورية المشتتة، وخلقت مساحات تعاون تتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية التي مزقت الداخل السوري.

على سبيل المثال، وثّق تقرير لمؤسسة Women Now for Development مبادراتٍ نسائيةً في لبنان، وفرت بيئةً تعليميةً بديلةً لأطفالٍ حُرموا من التعليم الرسمي، فيما ركزت مبادراتٌ أخرى في تركيا على تمكين النساء اقتصاديّاً عبر مشاريع صغيرة مشتركة بين السوريات والمجتمعات المضيفة. هذه التجارب لم تعزز فقط من قدرة النساء على البقاء، بل ساعدت أيضاً في تخفيف التوترات بين اللاجئين والمجتمعات المحلية، وهو ما يعكس كيف يمكن لدور النساء في الشتات أن يسهم في إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية بما يخدم فكرة السلم الأهلي عبر الحدود.

لكن الأهم أن تجارب النزوح والشتات أثبتت قدرة النساء على تحويل الألم إلى رصيد اجتماعي. إن مهارات التنظيم، وبناء شبكات الثقة، وإدارة الموارد المحدودة في بيئات قاسية، كلها عناصر استراتيجية يجب أن تؤخذ بجدية عند التفكير في مستقبل سوريا. فهذه الخبرات لا تقتصر على توفير الدعم اليومي، بل تؤسس لثقافة جديدة قائمة على التعاون، والمساءلة، والمبادرة المحلية، وهي قيم لا غنى عنها لأي مشروع مستدام للعدالة الانتقالية وبناء السلم الأهلي.

بهذا المعنى، لا يكون الشتات السوري مأساةً إنسانيةً متواصلةً فقط، بل، يصبحُ، أيضاً، مختبراً اجتماعياً ينتج موارد وتجارب قادرة على تغذية الداخل السوري في مرحلة إعادة البناء، ويجعل من النساء الفاعلات في المنفى جسراً آخر يصل بين سوريا ومحيطها، وبين الحاضر والمستقبل.

العدالة للنساء وصناعة السلام اليومي

يتضح أن السلم الأهلي يعتمد أساساً على مشاركة النساء داخل المجتمعات وبناء جسور الثقة، وأن تحقيق هذا السلم لا يمكن أن يتم من دون معالجة انتهاكات النساء بشكل مستقل ومنصف. فالتجارب الميدانية تؤكد أن تجاهل حقوق ضحايا العنف الجنسي، أو إهمال توثيق اعتقالات النساء وتعذيبهن ووفاتهن في السجون، يحوّل أي محاولة لإعادة النسيج الاجتماعي إلى نسيج هش غير قادر على الصمود أمام تحديات المصالحة.

ومع أن العدالة الانتقالية ضرورية لمعالجة هذه الانتهاكات، فهي لا تكفي بمفردها لبناء مجتمع مستقر. السلام الحقيقي يظل مرتبطاً بالمجهود اليومي للنساء في إدارة الحياة وحماية النسيج الاجتماعي. لقد أظهرت تجارب سوريات في المخيمات والمدن المضيفة أن القدرة على التعافي الجزئي وبناء سبل معيشة بديلة تولد رصيداً اجتماعياً وقيادياً يمكن توظيفه في الداخل. مجموعات التوثيق النسائية جمعت أسماء المختفين والمعتقلين وقدمتها للمجتمع الدولي، فحوّلت الذاكرة الفردية إلى مادة للمساءلة القضائية والسياسية. كما أسهمت مراكز التمكين والدورات التدريبية التي تقودها Women Now for Development في تعزيز القدرات الاقتصادية والقيادية للنساء، وتخفيف التوترات المجتمعية، ودعم صمود الأسر.

غير أن هذه الجهود ما زالت تواجه تحديات ملموسة: القمع والمخاطر الأمنية، والقيود القانونية والاجتماعية في دول اللجوء أو داخل سوريا، وغياب فضاء سياسي حقيقي للمشاركة في صنع القرار. ومع ذلك، فإن استثمار هذه الخبرات في آليات تمويل مستدامة، وتوفير حماية قانونية للمدافعات عن حقوق الإنسان، وربط التوثيق بمسارات العدالة الدولية والمحلية، يمكن أن يحوّل نشاط النساء من مبادرات يومية محدودة إلى قوة استراتيجية لبناء سلم أهلي شامل ومستدام.

هنا تتضح الصورة الكاملة. الأدوار اليومية للنساء، من حماية الأسر وإدارة النزاعات الصغيرة إلى قيادة مبادرات التوثيق والتمكين الاقتصادي، ليست مجرد نشاطات مجتمعية، بل عناصر أساسية في إعادة بناء المجتمع السوري. إن الجمع بين العدالة ومعالجة الانتهاكات وصناعة السلام اليومي يجعل من النساء محوراً لا غنى عنه لتحقيق استقرار حقيقي ومستدام. وأي مشروع لبناء سوريا جديدة مستقرة وشاملة لن ينجح إلا إذا وُضعت النساء في قلبه، لا كعنصر ثانوي، بل بوصفهنّ شريكاً أساسيّاً في صناعة السلم، ورعاية العدالة، وصياغة المستقبل.

المشروع الذي يدرك دور النساء اليوم، سيكون قادراً على بناء غدٍ أكثر أماناً وعدلاً واستدامة لكل السوريين.

يُنشر هذا المقال في إطار تعاونٍ بين «صوت سوري» و«شبكة الصحفيات السوريات» يتمحور حول العدالة الانتقالية في سوريا
العدالة_الانتقالية_في_سوريا السلم_الأهلي_في_سوريا دور_النساء_في_صنع_السلام

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0