تمر سوريا بمرحلة انتقالية حرجة، بعد سنوات من الصراع الدامي والانتهاكات الجسيمة التي طاولت مئات الآلاف من الضحايا. وفي خضم السعي لتحقيق العدالة الانتقالية، يبرز تحدٍ بالغ الأهمية: كيف تُحققُ العمليةُ المساءلةَ وجبرَ الضرر، بدون أن تتحول إلى أداة للانتقام أو تُستخدم لتكريس هيمنة فئة على أخرى؟
في دول عديدة تحولت العدالة الانتقالية إلى أدواتٍ لتسوية حسابات سياسية أو طائفية، ما ولّد مظلومياتٍ جديدةً تعيق المصالحة الوطنية وتؤجج النزاعات المستقبلية. في السياق السوري، حيث التنوع الاجتماعي والتعقيدات السياسية والجروح العميقة، يصبح تحصين العدالة الانتقالية من هذا الخطر، ضرورةً حتميّةً لنجاح أيّة عمليةِ انتقالٍ حقيقيةٍ نحو السلام والديمقراطية.
لقد أوضح الإعلان الدستوري السوري الصادر في آذار/مارس 2025 أهمية العدالة الانتقالية من خلال المادة 49، التي نصّت على «إحداث هيئة لتحقيق العدالة الانتقالية تعتمد آليات فاعلة تشاورية مرتكزة على الضحايا». لكن النص الدستوري وحده لا يكفي لضمان عدالة شاملة، فالأحداث الدامية التي شهدها الساحل السوري، وما أعقبها في السويداء - حيث أسهم خطاب الكراهية في وقوع مجازر طالت المدنيين – تذكّرنا، بشكل مأسوي، بكيفية إنتاج المظلوميات لدورةٍ جديدةٍ من العنف.
إن بناء عملية عدالة انتقالية حصينة ضد إنتاج مظلوميات جديدة يتطلب رؤيا واضحة، وآليات دقيقة، وتوافقاً وطنياً واسعاً.
تواجه مساعي العدالة الانتقالية في سوريا تحدياً مركباً يتمثّل في تحقيق المساءلة عن الجرائم المرتكبة، مع منع انزلاقها إلى مطبّ مظلومية المنتصر أو إنتاج معاناة جديدة لفئات لم ترتكب جرائم. وتتطلب الإجابة الشاملة عن هذا الإشكال تسليطَ الضّوء على المفاهيم بشكل واضح ودقيق، وتحليلاً معمّقاً للسياق السوري، مع تعلّم الدروس من التجارب الدولية، وبناء ضمانات قانونية واجتماعية وسياسية تمنع الإقصاء والتشويه.
الإطار المفاهيمي للعدالة الانتقالية
يشمل مفهوم العدالة الانتقالية مجمل الآليات القضائية وغير القضائية التي تعتمدها المجتمعات للتحوّل من فترات القمع أو النزاع المسلّح إلى مرحلة السلام والديمقراطية. وتهدف العدالة الانتقالية إلى مراعاة حقوق الضحايا، وإحقاق العدالة، وكشف الحقيقة، وتعويض المتضرّرين، وإصلاح المؤسسات، وفي المُحصلة تحقيق المصالحة الوطنية ومنع تكرار الانتهاكات. وفقاً للمركز الدولي للعدالة الانتقالية، فالعدالة الانتقالية هي استجابة المجتمعات لإرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتركز أساساً على الضحايا. كما تؤكد أدبيات الأمم المتحدة أن أركان العدالة الانتقالية المتكاملة تسعى إلى بناء الثقة بالمؤسسات وتقوية سيادة القانون، وتشكل عناصر حيوية في تجسيد التزام الدول بعدم تكرار مثل هذه الفظاعات.
أكبر المخاطر التي تهدد عملية العدالة الانتقالية في سوريا تكمن في تحولها إلى «عدالة انتقائية»، تركز على انتهاكات طرف واحد وتتجاهل انتهاكات الأطراف الأخرى. فالصراع السوري كان متعدد الأطراف، وارتكبت فيه انتهاكات جسيمة من قبل النظام البائد وفصائل مسلحة متعددة، وهذا المبدأ ليس تفاوضياً بل هو أساس شرعية عملية العدالة ذاتها. وباعتبار أن مرسوم إنشاء «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» ركّز على الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام السابق، فإن هذا النهج الأحادي يخاطر بتهميش ضحايا انتهاكات الأطراف الأخرى، مما يولد لديهم شعوراً بأن معاناتهم أقل شرعية أو أهمية.
في هذا الصدد، ترى الصحافية هنادي زحلوط أنه «من الواجب الاعتراف بالجرائم التي ارتُكبت في عهد الأسد، وما بعد الأسد أيضاً، وأنا بصفتي فرداً من عائلات ضحايا ما بعد الأسد، أرى ضرورة قيام عدالة حقيقية تشمل محاسبة جميع مرتكبي الجرائم، وضمن سياق كامل وشامل، بدايتها اعتراف مؤيدي الأسد سابقاً بهذه الجرائم». كما تضيف: «أرفض العفو عن أي أحد ارتكب جرائم على الأراضي السورية منذ تولي حافظ الأسد وحتى الآن، كل الجرائم يجب أن يُحاسب مرتكبوها، ويجب ألا يُعفى أحد حتى لا تكون هذه العدالة انتقائية».
أكبر مُهدّدات العدالة الانتقالية في سوريا تكمن في تحولها إلى «عدالة انتقائية»، تركز على انتهاكات طرف واحد وتتجاهل انتهاكات الأطراف الأخرى
العدالة التي تركز على انتهاكات طرف واحد وتغضّ الطرف عن انتهاكات طرف آخر ليست شاملة، بالتالي تفقد شرعيتها، وتولّد مظالم جديدة، وتغذي الاستقطاب والانتقام. الاستثناء الوحيد المقبول ظرفياً هو نهج تصاعدي ومؤقت يكون جزءاً من استراتيجية واضحة، تقبل بالتحقيق والمساءلة الشاملة لاحقاً، مع ضمانات حماية الضحايا والإصلاح المؤسسي.
التحدي السوري الخاص
يتسم الصراع السوري بتعقيد فائق نتيجة تعدد أطراف النزاع وتنوع الضحايا وتشابك الانقسامات الطائفية والإثنية. من جهة، يمثل نظام الأسد، أحد أطراف النزاع الرئيسيين المسؤولين عن عدد هائل من الضحايا؛ فقد قُتل، حسب إحصاءات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 231000 مدني على أيدي النظام حتى فبراير 2024، واحتُجزَ نحو 157000 من المفقودين أو المغيّبين قسراً، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من ضحايا التعذيب.
ومن جهة أخرى، أسهمت حركات مسلحة معارضة مختلفة في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، إضافة إلى تدخلات عسكرية خارجية، مثل تدخل روسيا وإيران من جانب، وتركيا والولايات المتحدة وحلفاؤها من جانب آخر، وقد أدت أيضاً إلى أعمال عنف وقتل. يوثق التقرير نفسه أن جميع الأطراف المنخرطة في النزاع ارتكبت انتهاكات واسعة ضد «الطابع الإنساني»، وتعمدت تدمير البنية التحتية والقيام بأعمال انتقامية ضد المدنيين.
في الخلفية المجتمعية، برزت عوامل الانقسام الطائفي والعرقي بشكل حاد، إذ تتميز سوريا بأغلبية عددية سنية، وأقليات عددية: علوية وشيعية ودرزية ومسيحية وغيرها، إضافةً إلى أعراق أخرى كالكردية والسريانية والآشورية وغيرها. لعب الصراع دوراً في إشاعة الذعر وفقدان الثقة بين المكونات، ووقعت انتهاكات وعنف وعنف مضاد.
يُعد مفهوم «الذنب الجماعي» بناءً على الانتماء الطائفي خطوة أولى نحو تعزيز الطائفية، وقد يؤدي إلى خلق مظلوميات جديدة قد يعاني منها أفراد ليسوا على صلة بارتكاب الانتهاكات. هذا يعني أن أي مسار للعدالة الانتقالية في سوريا لا بد أن يأخذ في الحسبان هذا التعدد. فعلى سبيل المثال، رأت الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR) أن هيئة العدالة الانتقالية ينبغي أن تضم ممثلين عن مختلف التجمعات السياسية والدينية والإثنية لضمان شرعيتها وفعاليتها.
وبمعنى آخر، يتطلب النموذج السوري نهجاً متعدد المستويات يأخذ في الاعتبار فئات الضحايا المتنوعة، بما في ذلك معتقلو النظام والأقليات وجميع المتضررين من النزاع، بمن فيهم ضحايا الإرهاب والانتفاضة الشعبية وكوارث الحصار، دون إهمال أي طرف متضرّر من أي نزاع أو اضطهاد سابق.
في سياق المحاسبة تقول هنادي زحلوط: «لم تثبت الإجراءات الوطنية ولجان التحقيق الوطنية والقضاء الوطني أهليّة تولّي أمور المحاسبة الفعلية. مع أن هذا الأمر ضروريّ جداً، ومع أنني لا أثق بالقضاء الوطني، فسألجأ إليه دائماً، لأنه إذا لم يقف القضاء الوطني على قدميه فلن تكون هناك عدالة حقيقية في سوريا. وعلى السلطة الانتقالية أن تعبّر عن إرادة حقيقية لمحاسبة الجناة، وهذا الأمر غير قائم الآن. هناك سياق مستمر منذ 8 كانون الأول/ديسمبر يذهب باتجاه معاقبة الأقليات والانتقام منهم بشكل عام، ويسقط الأبرياء — مثل إخوتي وأسَاتذتي وجيراني — ضحايا لهذا الانتقام. وهذا ما يجب أن يتوقَّف. لا ينبغي أن يكون هناك انتقام من ضحايا مجازر سابقة على حساب أبرياء من مناطق أخرى فقط لأنهم من هوية طائفية مختلفة. يجب أن تكون هناك إرادة للعدالة أمام القضاء، بدرجة معقولة من الشفافية، تضمن ألا يحمل أي سوري سلاحه خارج إطار القانون».
للموازنة بين ضرورة المحاكمة وضرورة المصالحة السياسية، يرى الأكاديمي السوري خلدون النبواني أن «المصالحة السياسية جزءٌ أساسيّ من عملية تحقيق العدالة، وهي أشمل وأوسع بكثير من المحاكمات وإجراءات العدالة الاقتصاصية. المصالحة السياسية ليست بالضرورة قانونية، إذ يمكن أن تكون اجتماعية أو شكلاً من أشكال السلم الأهلي تتحقق عبره العدالة ذات البعد القانوني. وعن طريق المصالحة السياسية يمكن تحقيق عدالة اجتماعية واسعة، وإن كانت العدالة الاجتماعية وحدها لا تكفي، فنحن نحتاج، إلى محاكمات لمحاسبة الأفراد المسؤولين مباشرةً عن هذه الانتهاكات، ولكن ضمن إطار المصالحة السياسيّة».
وفي السياق ذاته، يقول المحامي السوري مهند شراباتي: «شخصيّاً، أميل إلى أن تكون العدالة في سوريا على المستوى الوطني، بمعنى تأسيس محكمة وطنية خاصة داخل النظام القضائي السوري بولاية محددة على الجرائم الدولية. هذا الخيار يعزّز الملكية الوطنية للعملية ويجعل العدالة أقرب إلى الضحايا، لكن في ظل غياب إصلاحات قانونية ومؤسسية عميقة قد يكون هذا الخيار عرضة للتسييس وضعف الاستقلال. في المقابل، هناك خيار آخر يتمثّل في محكمة مختلطة داخل سوريا، تضمّ قضاة وموظفين سوريين إلى جانب نظرائهم الدوليين، وتطبّق مزيجاً من القانونين الوطني والدولي. هذا النموذج يمنح المحكمة شرعية أكبر، ويضمن الالتزام بالمعايير الدولية، مع إشراف دولي يحدّ من مخاطر الانحراف والتسييس، لكنه يتطلّب ترتيبات سياسية معقدة ودعماً دوليّاً واسعاً، إضافة إلى تكلفة مادية كبيرة. وهناك خيار ثالث مطروح، هو العدالة المتعددة المستويات، فتُوزَّع المسؤوليات بين محكمة مختلطة أو خاصة تختصّ بملاحقة كبار المسؤولين عن الجرائم، بينما تنظر المحاكم الوطنية في القضايا الأقل خطورة. هذا النموذج يوفّر شمولية أكبر ويستجيب لتنوّع الانتهاكات، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى تشتّت الجهود وتضارب الأحكام إذا لم يكن هناك تنسيق فعّال، وهو ما قد يكون صعب التحقيق عمليّاً».
مفهوم «الذنب الجماعي» بناءً على الانتماء الطائفي خطوة أولى نحو تعزيز الطائفية، وقد يؤدي إلى خلق مظلوميات جديدة قد يعاني منها أفراد ليسوا على صلة بارتكاب الانتهاكات
خطر آخر يتمثّل في تحويل العدالة الانتقالية إلى غطاء لتصفية الخصوم السياسيين أو لإقصاء فئات اجتماعية كاملة كانت مرتبطة بالنظام السابق. فالثورة السورية، مثل كل الثورات، تواجه إغراء استخدام القضاء والقانون أدوات للانتقام من الخصوم. لذا، يجب التحذير من أن العدالة الانتقالية ليست عدالة «المغالبة» أو التمكين لـ«طائفة منصورة»، بل عدالة تُمكّن السوريين جميعاً. فعندما تتحوّل العدالة إلى أداة انتقامية لا تؤدي فقط إلى ظلم جديد، بل تقوّض شرعيتها ذاتها.
من المؤكد أن العدالة الانتقالية التي تركز فقط على المحاكمات والعقوبات وتهمش آليات جبر الضرر والتعويض وإعادة التأهيل والمصالحة، تخاطر بتكريس حالة من الاستقطاب. فالعقاب وحده لا يشفي جراح الضحايا، ولا يعالج الأسباب الجذرية للصراع. كما أن التركيز المفرط على العقاب قد يخلق لدى المجموعات المرتبطة بالمتهمين شعوراً بأنهم مستهدفون ككل، لا أن الأفراد المذنبين هم المستهدفون. وعليه، فإن إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية التي ارتكبت انتهاكات جسيمة هو ضرورة حتمية، لكن تنفيذ عمليات التطهير (الاجتثاث) بشكل عشوائي وواسع النطاق دون معايير واضحة وعادلة، قد يولّد مظلوميات جديدة. فالفرد الذي انضم إلى مؤسسة أمنية بدوافع اقتصادية بحتة ولم يرتكب أيّة انتهاكات، ثم يُفصل من العمل ويُحرم من حقوقه المعيشية دون محاكمة عادلة، سيشعر بالظلم وقد ينضم إلى صفوف المعارضين لعملية الانتقال برمّتها.
ولأن الجرائم المرتكبة تحتاج إلى أدلة، يرى المحامي السوري والمختص في القانون الدولي لحقوق الإنسان مهند شرباتي: أنّ «الأدلة المتوافرة حول الجرائم في سوريا ضخمة، فالنزاع السوري يُعدّ من أكثر النزاعات توثيقاً بفضل جهود منظمات سورية ودولية، إضافةً إلى لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا والآلية الدولية المحايدة والمستقلة. هذه الأدلة كافية لفتح قضايا ضد كبار المسؤولين. لكن في الوقت نفسه، لا يكفي توافر الأدلة وحده، إذ نحتاج إلى آليات قضائية مستقلة وذات مصداقية لضمان توظيف هذه الأدلة بشكل فعّال والوصول إلى محاكمات عادلة. في الوقت الحالي، الإطار القانوني السوري غير مهيأ للتعامل مع هذا النوع من الأدلة، مثل الأدلة الرقمية ومصادر المعلومات المفتوحة، كما يفتقر إلى قواعد واضحة لضمان سلسلة الحيازة والتعامل مع الأدلة السياقية مثل هيكليات القيادة، وهي عناصر جوهرية لإثبات الجرائم الدولية. لهذا السبب، هناك حاجة لإصلاحات قانونية ومؤسسية شاملة لإدماج قواعد واضحة بشأن الأدلة وضمان استقلال القضاء».
العدالة الانتقالية الحقيقية يجب أن تضع الضحايا في صلب عملية صنع القرار وتصميم الآليات. لا يمكن أن تُفرض العدالة من فوق، بل يجب أن تُبنى من خلال مشاركة فعّالة ومباشرة للضحايا وممثليهم. وهذا يتطلّب تمثيلاً حقيقيّاً للضحايا في هيئات العدالة الانتقالية، وآليات تشاور دائمة مع جمعيات الضحايا، ومراعاة احتياجاتهم المتنوعة، النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
على سبيل المثال، يمكن للجان الحقيقة والمصالحة أن توفّر مساحات للجناة للاعتراف بجرائمهم والندم عليها، ما قد يفسح المجال لتخفيف العقوبات في حالات معينة، مع ضمان عدم منح عفو للجرائم الأكثر خطورة، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. فالمساءلة ضرورية، لكنها يجب أن توضع في إطار السعي لتحقيق السلم الأهلي والمصالحة الوطنية. وهذا يتطلّب تصميم آليات تسمح بموازنة دقيقة بين متطلبات العدالة ومتطلبات المصالحة.
ينبغي أن تتمتع هيئات العدالة الانتقالية، وخاصة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، باستقلالية كاملة عن النفوذ السياسي لأي طرف كان. وهذا يتطلب وجود استقلال تشريعي ومالي وإداري. كما تحتاج إلى مجموعة متكاملة من الآليات، لتشمل العدالة الجنائية، ولجان الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي.
ومع كل تلك الإجراءات والآليات، يرى المحامي زكي حجي، النازح من رأس العين، الذي فقد جميع أملاكه، أنه «ضمن الشروط الحالية ووجود الحكومة الانتقالية الحالية لا يمكن حل النزاعات لعدم توافر البنية القانونية من محاكم عادلة وقوى شرطية وقوة إنفاذ بشكل عام». ويضيف: «على هيئة العدالة الانتقالية أن تعمل على إنصاف الضحايا من النازحين واللاجئين، وضمان عودة تتسم بالكرامة والأمان والسلام، بالإضافة إلى العمل على خروج كل القوات الأجنبية من سوريا».
الركائز القانونية لتفادي مظلوميات جديدة
بحسب القانون الدولي، يجب على العدالة الانتقالية أن تحافظ على مبادئ الحياد والإنصاف، وذلك بتطبيق القواعد التي تحظر العقاب الجماعي وتكفل المحاكمات العادلة. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ينص على حق كل متهم في محاكمة عادلة أمام قاضٍ مستقل، والمحافظة على قانونية الإجراءات، بما يمنع إصدار قوانين بأثر رجعي أو اعتقال الأفراد بناءً على اتهامات جماعية.
المعضلة السورية: هل يمكن بناء دولة ديمقراطية على أنقاض «عفو عام» يمحو الجرائم؟ أم أن الإصرار على القصاص الكامل من آلاف الجناة الصغار سيجعل من المصالحة الوطنية مستحيلاً
تحظر الاتفاقيات الدولية العقوبات الجماعية أو تمييز المتهمين بسبب انتمائهم. وعلى سبيل المثال، لا يجوز للسلطات السورية، وفقاً للقانون الدولي، مصادرة ممتلكات مجموعة كاملة أو منع أحد أفرادها من المشاركة السياسية لمجرد انتمائه إلى حزب سابق، فتلك محظورات وصفتها مواثيق حقوق الإنسان بأنها كارثية لمبدأ المساواة.
أما من الناحية الجنائية، فيفرض القانون الدولي الجنائي، (مثل اتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية)، مبدأ عدم الإفلات من العقاب على مرتكبي الجرائم الدولية، كما يكفل حقوق الضحايا أثناء الإجراءات ويشدّد على ضرورة عدم تسوية القضايا بالولاءات السياسية. وتُلزِم أحكام القانون الإنساني الدولي، (مثل اتفاقيات جنيف)، الدول بالكشف عن مصائر المختفين والتحقيق في جرائم الحرب والإبادة، مما يشجع على إنشاء آليات للبحث عن المفقودين وتوثيق الجرائم في دفاتر قضايا رسمية. وبناءً على مبادئ «القانون الدولي لحقوق الإنسان»، يمكن للحكومة الانتقالية السورية تبنّي ضمانات عملية، مثل استقلالية القضاء وإجراءات الطعون، وتأسيس مجلس قومي لحقوق الإنسان كمراقب محايد، وتوفير آلية قانونية لتعويض ضحايا التوقيف التعسفي والاعتقال، بما يعزّز ثقة الجميع بشرعية العملية الانتقالية.
علاوةً على ذلك، ثمة اتفاقيات دولية صادقت عليها سوريا، (مثل اتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقيات حقوق الطفل، واتفاقيات نزع التمييز)، تُلزم الدولة باتخاذ تدابير وقائية تمنع المعاملة التعسفية، وتفرض ضرورة التحقيق الجنائي في جرائم التعذيب والاختفاء القسري. وقد أكدت وثائق دولية على ضمانات عدم التكرار عبر إصلاح التعليم والتاريخ والبنى الأمنية. مثلاً، يوصي خبراء الأمم المتحدة بأن تشمل العدالة الانتقالية إصلاح المناهج المدرسية لتعزيز ثقافة المواطنة، وتدريب الأجهزة الأمنية على حقوق الإنسان، ليصبح العنف مرفوضاً ثقافيّاً بدل أن يستمر كنهج متكرر. وتوفر هذه الركائز القانونية أساساً متيناً يمنع أي انزلاق نحو تطبيقات قانونيّة مزدوجة المعايير، ويكبح محاولات الانتقام المبنية على خلفيات عرقية أو مذهبية.
تمثّلُ الانقسامات الطائفية والهوياتية، في سوريا، أحد أخطر التحديات. ولطالما غذّى نظام الأسد في نفوس المواطنين العلويين شعوراً بالتهديد والخوف من الآخر. لذلك، يجب أن تكون أي عملية عدالة انتقالية حساسة لهذه المخاوف، وتعمل بنشاط على طمأنة الجماعات التي قد تشعر بالتهديد. أصبحت المظلوميات المتنازِعة – المتغذية من الألم والتهميش وسرديات الخوف – المحرك الخفي لتاريخ سوريا الحديث، وكسر هذه الحلقة يتطلب عدالة تعترف بمعاناة جميع المجموعات دون تمييز.
الحجم الهائل للجرائم يجعل من المستحيل محاسبة كل من ارتكب انتهاكات. لذلك، يجب تطوير استراتيجية ذكية تركز على المسؤولين عن الجرائم الكبرى، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بينما يُعالج الجناة الأقل مستوى بآليات بديلة، مثل لجان المصالحة المحلية وبرامج إعادة الإدماج. فقد كانت سوريا، طيلة عقود، أرضاً للإفلات من العقاب، حتى بات هذا الإفلات سمة تكوينية، وكسر هذه الثقافة يتطلب ليس فقط محاكمات، بل أيضاً برامج توعوية وتعليمية تعزز ثقافة المساءلة واحترام القانون.
حول أولوية العمل القانوني في الوقت الحالي، يرى المحامي مهند شرباتي، أن «الأولوية ينبغي أن تكون للإصلاحات القانونية والمؤسسية، كما تؤكد العديد من التجارب الدولية. فهذه الإصلاحات هي التي تضع الأساس لمحاكمات جدية ذات مصداقية، ولضمان حقوق الضحايا في كشف الحقيقة والمشاركة وجبر الضرر. من دون قضاء مستقل وتشريعات متوافقة مع القانون الدولي، ستبقى المحاكمات عرضة للتسييس، وبرامج جبر الضرر مهددة بالفشل. ولكن ذلك لا يعني تأجيل المسارات الأخرى، فالمحاسبة وجبر الضرر وكشف الحقيقة يمكن العمل عليها بشكل متوازٍ، والتأسيس لها بخطوات أولية، على أن تتطور تدريجيّاً مع تقدم الإصلاحات المؤسسية والقانونية. وبهذا تكون الإصلاحات هي القاعدة التي تقوم عليها المحاكمات الفعّالة وضمانات حقوق الضحايا».
الحساسية السياسية وتوازن العدالة والمصالحة
تتطلب البيئة السياسية في سوريا الجديدة حنكةً بالغةً لتجنب فخّ الإقصاء السياسي، أو إعادة إنتاج آليات السلطة السابقة. فمن ناحية، لا يمكن لإجراءات العدالة أن تُسنَّ بمعزل عن السياسة، فضعف استقرار الحكومة أو المجتمع، ما بعد الأسد، قد يغري بتهميش معارضين سابقين أو فرض شروط تتجاوز الحدود القانونية. ومن ناحية أخرى، يُعدّ إهمال المحاسبة غير ممكن سياسياً، إذ يؤدي التأجيل الطويل أو الصمت تجاه الانتهاكات إلى ترسيخ شعور بالإفلات من العقاب وزيادة التوترات الشعبية. لذلك، يجب أن يقوم أي تصميم لـ العدالة الانتقالية على مبدأ المعاملة المتساوية، بحيث يُطبق القانون على الجميع دون اعتبار للولاء السياسي أو الطائفي.
وكمثال على المخاطر السياسية، ما حدث بعد سقوط نظام الأسد، فقد وجّهت السلطات الانتقالية، أحياناً، اتهامات شاملة لمؤيدي النظام السابق، ما أثار قلق «الأقليات المغضوب عليها». وبالمقابل، شهدت بعض قرارات المصالحة مبالغة في التساهل مع مجرمي الحرب، مثل إطلاق سراح ضباط سابقين دون محاسبة، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة باعتباره تفضيلاً للأمن على العدالة. يكمن التحدي، إذاً، في الموازنة، فمن الضروري أن تُنفّذ خطوات المحاسبة بشكل مستمر، وبطريقة تبرر للناس أن العدالة تتحقق، ولا تتحول إلى سلسلة جديدة من الانتقام؛ وفي الوقت نفسه، ينبغي توفير فرص للمصالحة والتوافق السياسي لمنع مزيد من العنف.
كما يجب التحذير من أن تأخير العدالة الانتقالية يهدد السلم الأهلي ويزيد مخاطر تكرار الانتهاكات. لذلك، من الضروري أن تقترن محاسبة المجرمين بتوافق سياسي يضمن عدم إخراج فئات واسعة من الحياة السياسية بشكل كامل، مع مراعاة الالتزام بالقواعد الدولية، وعدم فرض عقوبات طائفية أو حزبية، مع تقديم ضمانات دستورية لاحترام حرية التعبير والمشاركة.
أخيراً، يجب الحذر من أن تُستغل العدالة الانتقالية كأداة لإعادة إنتاج شبكات السلطة القديمة. لتحقيق ذلك، يُنصَح بتشكيل هيئات متعددة الأحزاب والمجتمع المدني للإشراف على العملية، بما يكبح أي انفراد حزبي بها. ويندرج تحت هذا أيضاً منع تمرير قوانين طوارئ غير دستورية باسم مكافحة الانتهاكات. تكمن المعادلة في كسب ثقة الضحايا من خلال إحراز تقدم حقيقي في المحاسبة، مع حماية الاستقرار السياسي عبر إبقاء أبواب المشاركة مفتوحة لكل الأطراف ضمن ضوابط القانون.
خاتمة
العدالة الانتقالية في سوريا ليست ترفاً سياسياً، بل شرط ضروري لإنقاذ البلاد من دوامات العنف المتكررة. لكن تصميمها أو تنفيذها بشكل خاطئ قد يحوّلها من حل إلى جزء من المشكلة. تحصين العدالة الانتقالية من إنتاج مظلوميات جديدة يتطلب التزاماً صارماً بمبادئ الشمولية والاستقلالية، والتركيز على الضحايا، والتوازن بين المساءلة والمصالحة. العدالة الحقيقية ليست انتصاراً لفئة على أخرى، بل اعتراف بمعاناة جميع الضحايا والعمل على مستقبل يضمن عدم تكرار الظلم. إن الالتزام بالشفافية، ومشاركة جميع الضحايا، واستقلال القضاء، وتوجيه الدعم نحو المصالحة سيساعد على تحويل تجربة العدالة الانتقالية إلى فرصة حقيقية لبناء هوية وطنية تقوم على المواطنة والحقوق، بدل أن تكون سبباً في إشعال دوائر انتقام مستمرة.