× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

من التكيّف إلى العدالة النفسية: رحلة الوعي السوري بعد الحرب

عقل بارد - على الطاولة 18-12-2025

يطرح هذا المقال مفهوم «العدالة النفسية» ليس بوصفه رفاهيةً علاجية، بل ركيزة لا غنى عنها في بنية العدالة الانتقالية؛ فبدون الانتقال من «تطبيع الوجع» إلى «الاعتراف بالألم»، سيبقى التسامح السياسي قناعاً هشاً لهدنةٍ مؤقتة. إنها رحلة الوعي السوري من ضيق «النجاة» إلى سعة «الإنصاف»

لم يكن «التكيّف» في سوريا خياراً أمام السوريين والسوريات، بل ضرورة وجودية فُرضت عليهم. فعلى مدى أكثر من عقد، عاشوا في مواجهةٍ يومية مع الخطر، يبدّلون بيوتهم كما يبدّلون مخاوفهم، ويحاولون النجاة من الدمار ومن الاعتياد عليه في آنٍ واحد. هكذا تحوّل التكيّف إلى غريزةٍ جمعية، وإلى ردّ فعلٍ على حرب اخترقت الجغرافيا والوجدان، فصار عنواناً للحياة اليومية ومؤشراً على البقاء. لكنه، في العمق، كان علامةً على الإنهاك الجمعي، وعلى ميلٍ اضطراريٍّ إلى التعايش مع الألم بوصفه قدراً يصعب تغييره.

مع ذلك، لم يكن هذا التكيّف استسلاماً كاملاً، إذ أخذ يزرع ببطءٍ وصمتٍ بذرةَ وعي جديد يبحث عن العدالة ويتساءل عن المعنى: ماذا بعد النجاة؟ وكيف يمكن أن تُستعاد الحياة وهي مثقلة بكل هذا الفقد؟ هل يمكن أن يُبنى مجتمع أو تُقام دولة من دون مصالحة حقيقية مع النفس والذاكرة؟ إنه وعي يطلق أسئلة كثيرة، ويحمل ندوباً عميقة، لكنه يحمل أيضاً بذور التحوّل، وميلًا إلى فهم العدالة باعتبارها شفاءً لا عقاباً، واستعادةً للكرامة قبل أن تكون إجراءً قانونيّاً.

العدالة بالنسبة للسوريين لم تعد مفهوماً قانونيّاً أو سياسيّاً مجرداً، بل أصبحت مطلباً وجوديّاً. والسؤال لم يعد يقتصر على مَن يحاكم مَن، بل امتدّ إلى إمكانية شفاء النفس الجمعية مما عانته، وكيف يمكن للمجتمع أن يتصالح مع ذاته بعد تمزّق نسيجه الإنساني.

من هنا تبرز فكرة «العدالة النفسية» بوصفها امتداداً ضرورياً لفهم العدالة الانتقالية في السياق السوري، وإطاراً إنسانيّاً يتجاوز حدود القانون ليصل إلى أعماق التجربة الفردية والجماعية.

العدالة الغائبة والوجدان الجريح

تُعرَّف العدالة الانتقالية بأنها «مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي تطبّقها الدول لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة والمنهجية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي خلال فترات النزاع أو الحكم الاستبدادي، بهدف إحقاق العدالة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار».

لكنّ هذا التعريف، رغم شموليته القانونية، لا يلتقط بعده الأعمق: العدالة النفسية التي لا تُقاس بعدد المحاكمات أو الملفات المغلقة، بل بمدى استعادة الإنسان لقدراته النفسية والوجدانية. بقدرته على الشعور من جديد، وعلى الثقة، وعلى الحلم، وعلى الضحك بلا خوف أو ذنب.

ليست العدالة النفسية بديلاً من المساءلة القانونية، بل هي امتدادٌ لها، لأنها تجسّد البعد الإنساني للعدالة

في بلدٍ جُرّدت مُجتمعاته من الطمأنينة لعقودٍ من الزمن، لا يمكن اختزال العدالة في الأحكام القضائية أو مذكرات القانون فقط. فالعدالة الحقيقية تبدأ حين يشعر الإنسان بأنه مرئيٌّ، ومعترفٌ بألمه، حين يجد مساحة ليحكي، ليُصدّق، وليٌشْفَى. لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية بدون الحديث أولاً عن العدالة النفسية، تلك التي لا تأتي من قاعة محكمة، بل من إعادة بناء الثقة بالذات وبالآخر، ومن الاعتراف بأنّ الألم الجمعي جزء من هوية هذا المجتمع، وأنّ الشفاء ليس رفاهية، بل شرط لتحقيق العدالة ذاتها.

إنّ العدالة النفسية هي التي تضفي معنىً على النجاة، وتُثمن القصص الصغيرة، وتعيد الاعتبار لضحايا لم تُذكر أسماؤهم، ولنساءٍ ورجالٍ وأطفالٍ ما اندملت جراحهم. إنها عدالة تُعانق الإنسان قبل الدولة، وتمدّ يداً للشعور قبل النظام، لأنها تدرك أن المجتمعات الخارجة من الحرب لا تُرمّم بالقوانين وحدها، بل بمشاعرٍ اندثرت وأُعيد إحياؤها.

حين يغدو الألم جداراً عازلاً

في سنوات الحرب، لم يجد الناس سوى التكيّف مع الفقد والخوف والنزوح ومع أخبار القصف والدمار ونشرات الموت اليومية. أصبحت اللامبالاة درعهم، والنكات السوداء وسيلتهم للبقاء. ومع الوقت، تحوّل التكيّف من آليةٍ مؤقتة إلى بنية داخلية دائمة تُخدّر الألم ولا تُشفِيه. صار الناس يواجهون الصدمة بالتغاضي، والخسارة بالصمت، حتى غدت اللامبالاة مهارةً جماعية مكتسبة. وإن خفَتَ صوتُ المدافع، لم يخفُت صوت الوجع المتراكم في دواخلهم، وصار الألم رماداً يغطي كل شيء دون أن يُرى، نسمعه في الأحياء المهدّمة، في مخيمات الشمال، في ضحكات الناس ونكاتهم، في نظرات أطفال كبروا قبل أوانهم، وفي حذر النساء اللواتي فقدن الثقة بالمستقبل.

إعادة الإعمار الحقيقية ليست في الجسور والطرق، بل في الجدران المهدّمة داخل الإنسان السوري، وفي البيوت التي سقطت في الذاكرة قبل أن تُمحى من الخرائط

لقد أنتجت الحرب ثقافةً جديدة للألم، جعلت من الصدمة الجماعية جزءاً من الهوية اليومية. لكنّ ما يجعل المشهد أشد قسوة هو أن هذا الألم لم يُعترف به رسميّاً أو اجتماعيّاً كما ينبغي. فعندما يتحدث الناس اليوم عن إعادة الإعمار، يقصدون الطرق والجسور والمباني، ونادراً ما يتحدث أحد عن إعادة إعمار الإنسان نفسه: عن الجدران المهدّمة في الداخل، عن البيوت التي سقطت في الذاكرة قبل أن تُمحى من الخرائط.

حين سقط النظام البائد، شعر كثيرون بأن صفحة جديدة فُتحت، وأن مرحلة الألم الطويلة تقترب من نهايتها. كان الفرح في الشوارع عارماً، لكنه كان ممتزجاً بارتباكٍ عميق، فالرماد الذي ظل يغطي الذاكرة تحرّك فجأة، وكشف ما تحته من جراحات قديمة. وكلّ خبرٍ عن «المرحلة الانتقالية» أو «عودة اللاجئين» أو «إعادة الإعمار» كان بمثابة تذكير بما فُقد، بالبيوت التي لن تعود كما كانت، بالعائلات التي تفرّقت، بالأحباء الذين تحوّلوا أسماء في قوائم الموتى أو المغيّبين.

وفيما انشغلت الخطابات السياسية بترسيم الخرائط وإعادة توزيع السلطة، كان الناس في الداخل والخارج يواجهون أسئلة أكثر إيلاماً وصدقاً: كيف يمكنهم العيش مع هذا الكم من الألم؟ كيف تُستعاد الثقة بالحياة، وبالذات، وبالآخر؟ وكيف يمكن أن تعود سوريا وطناً يحتضن أبناءه بعد أن صار مصدر خوفهم؟

ورغم أن الخطاب العام كان يدعو إلى التسامح والبناء والسلم الأهلي، فقد أغفل أهمية العدالة النفسية، وأغفل تلك الحاجة الإنسانية العميقة لأن يُسمع الوجع، وأن يُصدَّق، وأن يُعترف بالظلم الذي طاول الناس وأنهك أجسادهم وأرواحهم وأحلامهم. فبدون هذا الاعتراف، تبقى العدالة ناقصة، والسلام هشّاً، والذاكرة مثقلة بما لم يُقَل. أما الانتقال الحقيقي، فلا يكون بتغيير النظام فحسب، بل بتغيير علاقتنا مع الوجع، بتحويله من عبءٍ خفي إلى وعيٍ قادر على بناء مستقبلٍ أكثر عدلاً وإنسانية.

بين التسامح القسري والعدالة المؤجَّلة

عندما تغيّرت موازين القوى وسقطت العاصمة دمشق بيد المعارضة، رفعت السلطات الجديدة شعار «التسامح» بوصفه مدخلاً للسلم الأهلي، ودعوةً لتجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة. بدا الشعار في ظاهره نداءً إنسانيّاً نبيلاً، لكنه حمل في باطنه بذور الالتباس بين المغفرة بوصفها قيمة روحية، والتسامح من حيث كونه أداة سياسية. لقد وُضع «التسامح» في مقدمة الأولويات، متقدّماً على العدالة، وكأن الاعتراف بالضرر أو محاسبة الجناة قد يهدّدان الاستقرار والسلام. بهذا المعنى، تحوّل التسامح من قيمة سامية إلى عبءٍ أخلاقي يقع على عاتق الضحايا والناجين والمتضررين.

الانتقال إلى سلمٍ أهليّ مستدام غير ممكن بدون المرور عبر جسر العدالة النفسية: الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، ويتيح التصالح مع الذاكرة بدل محاولة طمسها أو تجاهلها أو نسيانها

فالتسامح الذي لا يقوم على اعترافٍ صادق بالانتهاكات لا يمكن أن يشفي ما تراكم في النفوس من جراح، بل يضيف إليها جرحاً جديداً. وهكذا بقيت العدالة المنشودة رهن الإذن بالولادة، وبقيت العدالة النفسية معلّقة بين الإنكار والرغبة في المواجهة، الأمر الذي خلق أشكالاً جديدة من الصدمة الجماعية تعيد إنتاج الألم.

كثيرٌ من السوريين والسوريات اليوم يتحدثون عن «العودة إلى الحياة» وكأنها مشروع ناشئ، لكن أيّ حياة يمكن العودة إليها إن لم نعترف أولاً بأن ما جرى تجاوز حدود السياسة، وأن الجرح لم يكن جرح وطن فحسب، بل جرح وعيٍ جمعي؟ إن الانتقال إلى سلمٍ أهليّ مستدام غير ممكن بدون المرور عبر جسر العدالة النفسية: الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر، ويتيح للناس التصالح مع ذاكراتهم بدل محاولة طمسها أو تجاهلها أو نسيانها.

تميل الثقافة الاجتماعية السائدة إلى اعتبار النسيان وسيلةً للبقاء، فيُطلب من الناس أن «يتجاوزوا»، أن «يتركوا الماضي خلفهم»، أن «ينظروا إلى الأمام»، وكأن الألم خطيئة، وكأن التذكّر ترفٌ لا يليق بمن يريد النجاة. غير أن هذه الثقافة، على الرغم من حسن نواياها أحياناً، تُعيد إنتاج إنكارٍ مشابه لذلك الذي صنع الصدمة في الأصل. لأن العدالة، سواء كانت سياسية أو نفسية، لا تُبنى على النسيان، بل على الاعتراف.

من هنا يمكن فهم أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن أن يقتصر على لجان الحقيقة أو محاكم الجنايات، بل يحتاج إلى فضاءات للبوح، للحوار، للتعبير عن الغضب والخسارة، وإلى سرديات بديلة عن تلك التي كُتبت بلغة المنتصرين، سرديات نابعة من الذاكرة الحيّة للمجتمع.

الصدمة المزمنة والطريق إلى الشفاء

لعلّ أخطر ما خلّفته سنوات النزاع في سوريا ليس الدمار المادي ولا انهيار البنية التحتية، بل ذلك الانهيار الصامت في الداخل: الشعور الجمعي بالـ «لا جدوى»، والإحساس العميق بأن شيئاً لن يتغيّر، وأن العدالة - إن جاءت يوماً - ستأتي متأخرة، باردة، بلا روح. هذا الإحساس لا يُرى في الصور ولا يُوثَّق في التقارير، لكنه يسكن تفاصيل الحياة اليومية: في الوجوه المتعبة، في النظرات الخائفة، في الصمت الممتد بين الجمل، وفي الإيماءات الصغيرة التي تحمل ألف حكاية عن الخذلان.

يسمّي علماء النفس هذه الحالة بـ «الصدمة المزمنة»، وهي ليست لحظة انهيار نفسي أو انفجار عاطفي، بل حالة ممتدة من التأقلم القاسي مع الألم، حين يتكيّف الإنسان مع ما لا ينبغي التكيّف معه. إنها الصدمة التي لا تُشفى لأنها لا تُعاش دفعة واحدة، بل تُعاد يومياً: في كل فقدٍ جديد، في كل ذكرى، في كل خبر عن اعتقال أو قصف أو اغتراب. تصبح الحياة كلها مشهداً مكرّراً للنجاة المؤقتة، ويغدو الخوف خلفية دائمة للوعي الجمعي.

لكنّ هذه الحالة من «التكيّف مع الصدمة» ليست قدراً محتوماً. يمكن فهمها أيضاً كبدايةٍ لرحلةِ وعيٍ مختلفة، رحلة شفاء. فالمجتمعات التي عاشت الحروب لا تُشفى بالوقت وحده، بل بالاعتراف، بالبوح، بالمشاركة، وبإعادة المعنى لما حدث. من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة للعدالة الانتقالية تمنح معناها التقليدي بُعداً إنسانياً يتجاوز التحقيقات ولجان الحقيقة والمحاكمات، إذ إن هذه الأدوات تتعامل مع الوقائع لا مع الوجدان، ومع الفعل لا مع الأثر. أما العدالة النفسية فتتعامل مع ما تبقى: مع الحكايات التي لم تُسمع فتُسمَع وتُروى، مع خوف النساء من الفقد والغياب، مع ذاكرة الشباب التي احتفظت بظلال الخسارات، ومع المساحات التي تُفسح للبوح كي تتحقق «عدالة الذاكرة»، تلك الضمانة الوحيدة لعدم تكرار الألم.

ليست العدالة النفسية بديلاً من المساءلة القانونية، بل هي امتدادٌ لها، لأنها تجسّد البعد الإنساني للعدالة. فالمحاسبة دون شفاء تفتح جروحاً جديدة، والشفاء دون محاسبة يُكرّس الظلم ويترك للوجع مجالاً ليصبح ثقافة صمتٍ وموتاً رمزيّاً للضمير. وبين هذين الحدّين تقف العدالة النفسية كجسرٍ دقيق يربط بين الذاكرة والأمل، ويتيح للمجتمعات فرصة إعادة صياغة علاقتها بماضيها وبمستقبلها - فرصة أن تتذكّر من دون أن يتقيّح الألم، وأن تغفر دون أن تنسى، وأن تعيش في وطن يحمل في ذاته إمكانية السلام النفسي والاجتماعي.

يُنشر هذا المقال في إطار تعاونٍ بين «صوت سوري» و«شبكة الصحفيات السوريات» يتمحور حول العدالة الانتقالية في سوريا

العدالة_الانتقالية_في_سوريا السلم_الأهلي_في_سوريا الصحة_النفسية_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0