حين تتكلم الحجارة في الأزقة القديمة، تقول إنّ ما حفظ حياة السوريّين، في أشد ساعات العصف، لم يكن فقط جدران البيوت المسقوفة بالخشب والقرميد، بل تلك الخيوط غير المرئية التي نسجها الناس فوق خرائط الانتماء. الأهل والعشيرة، الطائفة والحيّ، المدينة والريف، الجماعة المهنية والدينية، وحتى رفقة المدرسة والدرب. هذه الروابط، التي اعتدنا المرور بها مرور المسلّمات، خرجت إلى مسرح السياسة والأمن خلال الحرب، فبدت أحياناً قاربَ نجاة يعيد الثقة بين خصوم الأمس، وأحياناً عودَ ثقاب يشعل حطباً يابساً.
في اللحظة الراهنة، إذ يقف السوريون على كتف حربٍ لم تذهب تماماً ولم تبقَ تماماً، يصبح السؤال أشد وضوحاً: كيف استقرت الروابط الاجتماعية التقليدية في معادلة السلم الأهلي في سوريا؟ متى صنعت جسوراً، ومتى أقامت متاريس؟
السلم الأهلي في سوريا: مدخلٌ إلى المفهوم والواقع
قبل أن نَلِج إلى التفاصيل، لا بُدّ من تعريف عملي يقرّب المصطلح من أرضه. السلم الأهلي في سوريا ليس توقيعاً على ورقةِ هدنةٍ ولا غياباً للأصوات العالية في نشرات الأخبار. هو في الواقع شبكة من الاتفاقات اليومية الصغيرة التي يصنعها الناس، حقن دمٍ بين جارين، صلحٌ على ثأرٍ قديم، إعادة فتح طريقٍ مسدود، قبول المختلف دينياً أو لغوياً بوصفه مواطناً كاملَ الحقوق.
في مجتمعٍ متعدّدِ القوميات والطوائف والمناطق ارتكز بقاء هذا السلم، تاريخياً، على توازن دقيق بين قانون الدولة وأعراف الجماعات. كانت الدولة تُمسك بعصا النظام العام، بينما تتولّى الروابط التقليدية تفكيك نزاعات الحياة اليومية عبر مجالس الصلح والجاهات والوساطات، فتُحافظ على ماء الوجه وتمنع الكسر الاجتماعي.
مع اندلاع النزاع، تحوّلت الروابط إلى فاعلٍ سياسي وأمني واجتماعي. دفعت هشاشة مؤسسات الدولة في مناطق كثيرة الناس إلى اللجوء إلى أقرب مظلة اجتماعية: العائلة الممتدة، العشيرة، الطائفة، أهل الحيّ أو القرية. ففي لحظة فراغٍ سلطوي، بدا طبيعياً أن تُعاد هندسة الثقة حول من نعرفهم ونطمئن إليهم. غير أن الأمر لم يقف عند حد التعاضد؛ أحياناً استُخدمت هذه الروابط للتجنيد والتحشيد ولشرعنة العنف العشوائي أو الانتقامي، فتحوّلت العصبية من وسيلة حمايةٍ إلى سلاح تعبئة.
ما بين هذين الحدّين - الحماية والاحتقان - تحرّكت التجربة السورية خلال سنوات الحرب والمرحلة الحالية. وهنا محاولةٌ لقراءة ملامح تلك الحركة، بأمثلةٍ حيّةٍ من مناطق مختلفة، مع استشراف ما يمكن فعله كي تبقى الروابط رافعةً للسلم الأهلي على مساحة البلاد، لا وقوداً لحروبٍ صغرى لا تنتهي.
من الحرب إلى الـ«لا حرب»: كيف تبدّلت وظيفة الروابط؟
في سنوات القصف والنزوح والحصار، انقسمت الوظائف العميقة للروابط الاجتماعية على محورين.
- المحور الأول وظيفته وقائية: حماية الضعفاء، وتنظيم النزوح الداخلي، وجمع الأموال، وتأمين الدواء والغذاء، ومنع الانهيار الأخلاقي عبر أعراف «إصلاح ذات البين» ومنع الثأر.
- المحور الثاني وظيفته تعبويّة: التماس الشرعية من الانتماء الأولي لتبرير السلاح، تجييش الخطاب الهويّاتي، وصناعة سرديات تمجّد «نقاء الجماعة» وتحفر خندقاً بين «نحن» و «هم».
سرعان ما تبيّن أن المحورين قد يعيشان في المكان نفسه وفي اللحظة نفسها، وأن العشيرة أو الحيّ قادران على ترميم جرح هنا، بينما يولدان جرحاً آخر هناك.
ومع انحسار العمليات العسكرية الكبرى في مناطق واسعة، دخلنا طوراً رمادياً، لا حرب شاملة، ولا سلمٌ شامل. في هذا الطور، تتقدّم وظيفة الروابط كجزءٍ من حوكمةٍ محليّةٍ هجينةٍ إلى جانب البلدية أو المجلس المحلي أو المخفر، وكمزوّدٍ للشرعية الاجتماعية للقرارات الحساسة: من فتح طريق، إلى تبادل معتقلين، إلى ضبط السلاح الفردي. تتقدّم أيضاً وظيفة «الوساطة بين العوالم»: بين الدولة والمجتمع، بين الأجهزة والإدارة، بين الفصائل والسكان، وبين الجهات الخارجية والأرض.
العشيرة: من خيمة الضيافة إلى طاولة التفاوض
ليست العشيرة جسماً واحداً أو عقيدة سياسية. إنها شبكة روابط تمتدّ وتتقلّص بحسب المصالح والمخاطر. وفي مناطق الجزيرة والفرات، من دير الزور إلى الرقة والحسكة، برزت العشائر بوصفها خزّان قوة بشرية وتنظيمية. في لحظات بعينها، كما خلال مقاومة تنظيمات متطرفة منعت الحصاد وأحرقت البيوت، تشكّلت مجالس من وجهاء العشائر لفض النزاعات ومنع الانزلاق إلى حرب ثأر لا تنتهي. وفي لحظات أخرى، دخلت العشائر في منافسة على الموارد ومعابر التجارة وأنابيب النفط، فأصبحت المصالح الاقتصادية جزءاً من تعريف «الكرامة» و«الاعتبار»، وامتزجت لغة الأعراف بلغة الجغرافيا السياسية.
لم تكن الهويّة الطائفية في المجتمع السوري مصدرَ نزاع بالضرورة، لكن الحرب أخرجتها من حيّزها الروحي والاجتماعي إلى حيّز التعبئة السياسية
في دير الزور، على سبيل المثال، أظهرت عشائر كبيرة وصغيرة قدرة على التدخّل في مسارات الخطف والاغتيالات والاعتقالات المتبادلة. حين تُختطف امرأة أو شيخ، يتحوّل الأمر من جريمة فردية إلى قضية عشائرية تهدّد السلم الأهلي، فتُرفع الجاهات وتُقدّم «العطوة» وتُحدّد الديات، ويُعاد تدوير الغضب إلى «تفاهم» يمنع الانفجار. هذه الأدوات التقليدية، وعلى بدائيتها قياساً بمؤسسات العدالة الحديثة، نجحت مراراً في منع الرصاص من الاندلاع، وكرّست مفهوم «الصلح سيّد الأحكام» بوصفه باباً واسعاً للسلم الأهلي. لكن الوجه الآخر ظلّ حاضراً: حين تُستدعى العصبية لتبرير الاحتشاد العسكري، أو فرض «الجباية» أو حماية مهرّبين، يصبح الانتماء القبلي حاجزاً أمام العدالة، وغطاءً للعنف، ومولّداً لدوامة انتقام معقّدة.
الطائفة: هوية روحية واجتماعية بين المظلّة والشرنقة
ليست الهويّة الطائفية في المجتمع السوري وافداً جديداً، ولم تكن في ذاتها مصدر نزاع بالضرورة. فقبل الحرب، عاش الناس عقوداً في سياقٍ من مجاورة طويلة، يتبادلون الأعياد والخبز والماء. لكن الحرب أخرجت هذه الهوية من حيّزها الروحي والاجتماعي إلى حيّز التعبئة السياسية. في بعض البيئات، لعب رجال الدين ووجهاء الطوائف دور «صمّام أمان». صدّروا بيانات نبذ الثأر، حثّوا الشباب على عدم الانزلاق إلى الاصطفافات المسلّحة، وشاركوا في لجان مختلطة لفض النزاعات. وفي بيئات أخرى، تحوّلت الهوية الطائفية إلى شرنقة مغلقة تُبرّر الانعزال، وتشتبه بأي غريب، وتُضفي قداسةً على قرار السلاح.
في السويداء مثلاً، شاركت الزعامة الدينية والاجتماعية، مع وجهاء العائلات، في دور الوساطة لوقف سلسلة عمليات خطف متبادل، وأُطلقت مبادرات محلية لـ «حماية الأرزاق والطرقات» دون تحويل المحافظة إلى جبهة حرب مفتوحة. وعلى المنوال نفسه، في مدن مثل حمص وحلب وريف دمشق، أُعيد تنشيط قيم «الجار قبل الدار» عبر مجالس صلح تضم رجال دين وناشطين وأكاديميين، فتكوّنت منصّات كلام تمنع تدحرج سوء التفاهم إلى خراب جماعي.
لكن في المقابل، حين يُعاد تعريف السياسة بلغة «دفاع الطائفة»، يصبح أي تنازل خيانة، وأي اختلاف من داخل الجماعة خروجاً على السرب. هنا تُعطّلُ الروابطُ الطائفية آلياتِ النقد الذاتي والمحاسبة، وتُسخّر شبكة التضامن العائلي لتغطية المرتكبين، فتختنق مبادرات السلم الأهلي في مساحة الشك والخوف.
المنطقة والحيّ: خرائط جديدة للعلاقات
مع انتشار النزوح الداخلي وتهجير أحياء بكاملها، نشأت خرائط اجتماعية جديدة. أصبح لاسم الحيّ أو البلدة وظيفة تعبويّة. بطاقةُ تعريفٍ وانطلاقةُ شبكةِ مساعدة.
في ريف دمشق، ظهرت لجان وساطة محلية لعبت دوراً في فتح الطرق وإعادة الخدمات الأساسية بعد سنوات الحصار، وتولّت التوسط لإطلاق سراح معتقلين، وجمعت تبرعات لإصلاح المدارس والآبار. في حلب، نظّمت جمعيات الأحياء دوريات أهلية لحماية الأسواق من السلب والسرقة بعد تراجع القبضة الأمنية، واستعانت بوجهاء معروفين لدى الجميع لتسوية خلافات على الملكية والإشغال.
وفي إدلب، حيث اختلطت سلالات النزوح بأهل الأرض، وُجدت لجان تشاركية بين مخيم وقرية مجاورة لتنظيم توزيع المياه والخبز ومنع الاستفزازات اليومية من التحوّل إلى مواجهات.
هذا المستوى «المناطقي» أثبت بالتجربة أنه سريع الحركة وقريب من الأرض، وقادر على قراءة تفاصيل الاحتكاك اليومي: طابور خبز، محطة وقود، مدرسة مزدحمة، شارع تتحوّل فيه مشاجرة بين مراهقين إلى حدث يتداوله الجميع. فالقدرة على التدخل المبكر - قبل أن يُستدعى السلاح - هي المكسب الأكبر للسلم الأهلي. لكنه مستوى هشّ أيضاً: ضغط اقتصادي عابر أو خطاب كراهية على وسائل التواصل قد يطيح بما تراكم من ثقةٍ خلال أشهر.
خرزات في سبحة واحدة
لإبراز الوجوه الإيجابية والسلبية، نقترب من حالاتٍ بعينها وسمت مسار السلم الأهلي في سوريا.
في درعا، التي عُرفت تاريخياً بهوية ريفية متماسكة وبـ«روح حوران الجامعة»، لعبت الروابط العائلية والعشائرية دور المفاوض غير المعلن في محطات كثيرة. وحين تتصاعد موجات الاغتيال، تظهر مبادرات أهلية لصياغة «مدوّنة سلوك» غير مكتوبة، تمنع إطلاق النار في الأسواق والمساجد والمدارس، وتدعو إلى تسليم المطلوبين للوجهاء بدلاً من اللجوء إلى الكمائن. ساعد ذلك في إخماد نيران كثيرة، لكنه لم يمنع عودة الجمر من تحت الرماد كلما تغيّرت موازين القوى أو توترت خطوط التجارة مع الشمال والشرق.
في دير الزور، بدت الصورة أعقد بسبب تداخل خطوط النفوذ وتعدّد مصادر السلاح. هنا صاغت العشائر «بروتوكولات» محلية للتعامل مع حوادث الثأر، تضبط زمن الغضب عبر «عطوة أمن»، وتمنع الاقتحام المتبادل للقرى، وتُلزم الخاطف بإطلاق سراح المخطوف خلال مهلة محدودة مقابل التفاوض على التعويض. نجحت هذه البروتوكولات غير الرسمية في حماية ممرات إنسانية وفتح الأسواق، لكنها تعثّرت حين تداخلت المصالح الاقتصادية غير المشروعة، أو حين جرى توظيف العصبية لتغطية المهرّبين وإجبار الخصوم المحليين على الخضوع.
لا يمكن بناء سلامٍ على معدة خاوية. فالاقتصاد يحدّد إيقاع العلاقات الاجتماعية، وأزمات الخبز والوقود والكهرباء تخلق بيئة خصبة للتوتر
أما في السويداء، حيث تشابك الانتماء الديني مع عراقة الروابط المناطقية والعائلية، أسهمت لجان مشتركة في كبح جماح مسلحين خارجين عن القانون، وأطلقت مبادرات شبابية ثقافية لإعادة الفضاء العام إلى الناس لا إلى قبضة السلاح. ومع ذلك، ظلّت ظاهرة الخطف المتبادل شبحاً يقفز في الفراغات الأمنية، لتذكّر بأن أي سلام أهلي بلا سيادة قانون قابلة للإنفاذ، محكومٌ بأن يبقى محدودَ الأثر.
وفي الحسكة والقامشلي، حيث يتجاور عرب وكورد وسريان، واجه السكان تحدّي إدارة التنوع تحت سقف سلطات متعددة. وساعدت الروابط التقليدية في ردم الفجوات اللغوية والثقافية عبر «مضافات مفتوحة» ومجالس حوار محلية وعلاقات مصاهرة قديمة. كما أُبرمت تفاهمات بين العشائر العربية واللجان الكردية لتفادي الاحتكاكات عند الحواجز وفي الحقول. لكن لحظات التوتر السياسي كانت تعصف بهذه التفاهمات سريعاً، فتتحوّل تصريحات إعلامية لطرف إلى شرارة احتجاجات من الطرف الآخر.
وفي ريف دمشق وحمص وحماة، ظهرت طبقة من الوسطاء «الهجناء» تجمع بين رصيد اجتماعي ودرجة من القبول لدى السلطة والأطراف المؤثرة. هؤلاء لعبوا دوراً مهماً في المصالحات المحلية، وفي تسهيل عودة بعض النازحين، وفي إعادة انتظام الخدمات الأساسية، وفي إنهاء حالات تطرف فردي بالإقناع لا بالقوة. وبقدر ما نجحت تجاربهم حين تمتّعت بدعم مجتمعي وبتفاهم مع الأجهزة، تعثّرت أخرى حين غابت الشفافية أو اتُّهم الوسطاء بالانتفاع الشخصي.
الاقتصاد السياسي للسلم الأهلي
كل ذلك يدفع إلى القول إنّه لا يمكن بناء سلامٍ على معدة خاوية. فالاقتصاد يحدّد إيقاع العلاقات الاجتماعية، وأزمات الخبز والوقود والكهرباء تخلق بيئة خصبة للتوتر. وحين تتراجع فرص العمل وتغيب العدالة في توزيع الدعم، يغدو الانتماء بطاقة أولوية على طابورٍ طويل. هنا تتحوّل الروابط إلى قنوات للحصول على خدمة أو فرصة أو حماية، فتقوى عصبية «أهل فلان» و«جماعة علّان»، فيما يضمر شعور العدالة العامة.
وعلى العكس، كلما تكثّفت المبادرات الاقتصادية ذات الطابع التشاركي – جمعيات تعاونية، صناديق دوّارة، أسواق مجتمعية صديقة للمزارعين، أعمال صغيرة تستند إلى الثقة – استعاد الناس الإحساس بأن المصير مشترك أكثر من كونه منافسة صفرية. بهذا المعنى، يرتبط السلم الأهلي بالقدرة على بناء اقتصاد محلي مقاوم للهشاشة، يوفّر بدائل أخلاقية عن اقتصاد الحرب والتهريب.
الإعلام والذاكرة: بين رواية الجرح ورواية الجسر
بطبيعة الحال، يظلّ الإعلام في قلب الحدث. فمستوى الثقة الاجتماعية يتأثّر اليوم بمنصّات التواصل أكثر ممّا نتصوّر. إشاعةٌ عابرة، فيديو مُجتزأ، أو منشور يتبنّى خطاباً تحقيرياً، قد يكفي أيٌّ منها لإشعال مواجهة في بلدة صغيرة. لذلك يغدو وجود منصّات محلية موثوقة، ولجان تطوعية تراقب خطاب الكراهية وتردّ عليه بسرعة، جزءاً أصيلاً من هندسة السلم الأهلي.
في المقابل، تحتاج المجتمعات إلى رواية صادقة لذاكرة الجرح: الاعتراف بما جرى، الإصغاء إلى الضحايا، وتجنّب القفز فوق الألم أو توظيفه سياسياً. فبغير ذاكرةٍ مُداواة، تُبعث الأحقاد مع كل موسم جديد، وتظلّ الروابط التقليدية عرضة للاستغلال.
العدالة التصالحية: كيف تتكلم الأعراف مع القانون؟
لا يمكن لأي مشروع سلم أهلي أن يقوم على الأعراف وحدها، ولا على القانون وحده. فالأعراف تمنح شرعية القبول الشعبي وتسهّل الوصول إلى القلوب والبيوت، لكنها قد تنزلق إلى حماية القويّ على حساب الضعيف. أمّا القانون فيقدّم معياراً عاماً ومساءلة، لكنه قد يعجز عن ملامسة التفاصيل الدقيقة إن لم يستند إلى أعرافٍ معروفة ومقبولة.
في التجربة السورية، ظهرت «جسور» عملية بينهما: مجالس صلحٍ توقّع محاضر تُرفع إلى القضاء لتكتسب حجّية التنفيذ، قضاةٌ يحضرون جلسات وساطة في المضافات، محامون يصوغون اتفاقاتٍ تراعي كرامة كل طرف، ورجال دينٍ يباركونها أمام الناس بما يمنحها طابعاً أخلاقياً رادعاً. هذا المزج هو ما تحتاجه المرحلة كي يتحوّل السلم الأهلي من مبادرة موسمية إلى نظام حياةٍ يومي في البلاد.
كما أنّ الروابط التقليدية ليست حكراً على الرجال أو كبار السنّ. ففي مدن وقرى كثيرة، حملت النساء عبءَ الوساطة في الخلافات العائلية، وأدرن شبكات دعمٍ للنازحين والأرامل، وقُدن مبادرات تعليمٍ للأطفال المنقطعين. وفي أحياء متعبة، ابتكر الشباب منصّاتٍ ثقافية ورياضية تجمع الخصوم في ملعب واحد، فتجرّدهم من هويات متصلّبة وتعيدهم إلى بساطة «فريقين يتنافسان ثم ينصرفان إلى الضحك». وكلما أُتيح لهذه الطاقات موقعٌ داخل مؤسسات الصلح الأهلي، تغيّر وجه الروابط من عصبيةٍ مقفلة إلى شبكةٍ مفتوحة، وتعزّزت فرص استدامة السلم الأهلي.
الشتات والداخل: خطوط ممتدة
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أثر ملايين السوريين في الشتات. فهؤلاء ليسوا حكاية بعيدة؛ تحويلاتهم المالية تموّل التعليم والعلاج والمشاريع الصغيرة، وشبكاتهم تضغط لوقف انتهاكات أو لإطلاق سراح معتقلين، وخبراتهم تُستدعى لتصميم مبادرات تعافٍ تناسب المجتمع. وفي حالات كثيرة، لعبت روابط القرابة والمكان دور «الوكيل المحلي» للشتات: ابن عمٍّ في أوروبا يموّل صيانة بئر ماء في قريته، أو جمعية أبناء حيٍّ في إسطنبول ترسل أجهزة طبية إلى مستوصف البلدة الأم.
ولذلك، حين تُدار هذه المساهمات بشفافية ويُراعى فيها العدل بين الفئات، تصبح الجسور بين الخارج والداخل جزءاً من بنية السلم الأهلي. أمّا إذا تحوّلت إلى قنوات محاباةٍ لفئة دون أخرى، فإنها تُعيد إنتاج شعورٍ بالغبن يفتّت الثقة.
خريطة طريق عملية: كيف نثبّت الممكن؟
الطريق إلى تثبيت السلام الأهلي ليس وصفةً سحرية، بل سلسلة قراراتٍ صغيرة متراكمة. يبدأ بضبط السلاح الفردي عبر تعهّداتٍ اجتماعية تُحوّل حمله من «رمز رجولة» إلى عبءٍ أخلاقي، ثم بإنشاء مراكز وساطة مجتمعية دائمة تتصل بالقضاء والشرطة والإدارة، وتُسجّل محاضر الصلح وتتابع تنفيذها. ويترافق ذلك مع تدريب وسطاء محليين على أدوات حلّ النزاعات الحديثة، من الاستماع الفعّال إلى تحليل المصلحة المشتركة، بحيث تتطور الأعراف من «كلمة وجاهة» إلى مهاراتٍ قابلة للقياس والتقييم. وبالتوازي، تُبنى صناديق تضامنٍ شفافة لتمويل الغرامات والتعويضات، كي لا يتحول الصلح إلى ابتزازٍ للفقير. ويُعزَّز هذا كله بمناهج تعليمٍ تُدخل مفردات المواطنة والاختلاف والتفاوض إلى الصفوف، وبميثاق شرفٍ إعلامي محلي يجرّم خطاب الكراهية ويحتفي بقصص التلاقي.
ولأن الثقة تُبنى بالعدل، فإن أي استراتيجية للسلم الأهلي تحتاج إلى بوابة عدالةٍ انتقالية واقعية: الاعتراف بما جرى، والكشف عن مصير المفقودين، وضمانات عدم التكرار، وحقٌ الضحايا في كشف الحقيقة. حين يشعر الناس أن الألم لم يُمحَ، وأن الكرامة استُعيدت، تصبح الروابط التقليدية حليفاً طبيعياً للدولة والمجتمع المدني، لا أداةً للابتزاز أو الاحتكار.
خلاصة القول، إن الغد ليس وعداً وردياً ولا قدراً أسود أيضاً. فإذا تحركت البنى المحلية نحو شراكاتٍ شفافة، واستعادت مؤسسات الخدمة العامة بعضاً من جدارتها، وتحوّلت الروابط التقليدية إلى معابر بين الناس والقانون، ارتفعت قابلية السلم الأهلي في سوريا للدوام. ولا شك أن انفجاراتٍ صغيرة ستظل قائمة، فالحروب لا تنتهي بين ليلة وضحاها. لكن كل صلحٍ يُكتب، وكل طريقٍ تُفتح، وكل شائعةٍ تُطفأ سريعاً، هي حجرٌ آخر في جدارٍ يحمي الحياة اليومية من الانزلاق بعيداً عن السلم. وفي ذلك، تتجدد براعة السوريين في تحويل المِحنة إلى مدرسةٍ للحكمة: أن تكون لنا انتماءاتٌ نحبها ونفخر بها، لكن من دون أن نجعلها سيفاً على رقابنا أو قفصاً يحبسنا عن جيراننا.
لقد علّمتنا الحرب الطويلة أن المجتمع السوري ليس هشاً كما يبدو، وأن الخيوط التي نسجها الناس طويلاً قادرة على حمل أوزانٍ أثقل مما ظننا. لكنها علمتنا أيضاً أن هذه الخيوط قد تُستخدم لربط الأيدي إن لم تُصَن بعين العدالة. ليست العشيرة شراً ولا الطائفة خطراً ولا الحيّ عائقاً؛ إنّها أدواتٌ تتلوّن بغايات مستخدميها. فإذا رُشّدت القوّة المحلية بميزان القانون، وشُحنت بروح العدالة التصالحية، وزُوّدت بعتاد الاقتصاد الحقيقي والتعليم والإعلام المسؤول، صارت الروابط جسوراً تعبر منها البلاد إلى غدٍ أهدأ وأكثر إنصافاً.
المراجع
-
بيان خبراء الأمم المتحدة عن الهجمات والانتهاكات التي طالت مجتمعات درزية في وحول السويداء منذ 13 تموز/يوليو 2025، وتضمينه وقائع عن القتل والاختفاء والخطف. (الرابط)
-
تحليل كلّي لمعهد RUSI يوضح الشرارة الأولى (خطف على طريق دمشق–السويداء) وكيفية تحوّلها إلى دائرة خطف متبادل وتصعيد، مع سياق سياسي محلي. (الرابط)
-
مقالة في Atlantic Council تروي تسلسلاً زمنياً دقيقاً لواقعة الخطف وردود الفعل المتبادلة والوساطات خلال 13–14 تموز/يوليو. (الرابط)
-
تغطيات تحليلية إضافية ترصد دوامة «الخطف–الخطف المقابل» وقصف أحياء مختلطة ودور الحواجز المسلحة. (الرابط)
-
تحقيق حديث لمنظمة العفو الدولية يوثّق أدلة على إعدامات خارج القانون بحق مدنيين دروز، ويشير أيضاً إلى عمليات خطف متبادلة بين مجموعات درزية ومقاتلين من عشائر بدوية (17–19 تموز/يوليو). (الرابط)
-
خلفية أقدم عن ظاهرة الخطف في السويداء (2019) تشرح جذور المشكلة قبل انفجار أحداث 2025. (الرابط)
-
خبر ميداني عن صلح عشائري في الرقة (أيار/مايو 2025) بوصفه نموذجاً عملياً لدور مجالس الوجهاء في احتواء النزاعات المدنية. (الرابط)
-
تقرير إنساني/مناطقي عن مشروع منظمات مدنية لتشكيل لجان وساطة مجتمعية بدير الزور (2024) تجمع بين القانون المدني والشريعة والعرف بحسب الحالة. (الرابط)
-
مادة إخبارية من «الشرق الأوسط» (2022) حول تشكيل لجان وساطة أهلية في ريف دير الزور تحت شعار «الصلح خير» لمعالجة الفراغ القضائي. (الرابط)
-
تقرير «عنب بلدي» (2021) عن معوّقات المساءلة الناتجة عن نفوذ بعض الوجهاء، بوصفه الوجه الآخر للوساطة العشائرية حين تُستَخدم لحماية نفوذ لا لحماية السلم. (الرابط)
-
قراءة تحليلية عن عامٍ من الاضطراب في دير الزور (2024) تسجّل دور الفاعلين المحليين والإدارة الذاتية ومنظمات المجتمع المدني في الحدّ من الاحتقان. (الرابط)
-
تقرير صحفي محلي (North Press: كانون الثاني/يناير 2024) يوضح أن «مجلس الأعيان» يعمل كصلة وصل بين المجتمع والهيئات المدنية/العسكرية، ودوره في حل النزاعات وإرساء السلم الأهلي. (الرابط)
-
أمثلة توثيقية متفرقة عن جلسات صلح عشائرية في الرقة عبر صفحات رسمية/محلية تُظهر نمط العمل اليومي للمجلس. (الرابط)
-
تقرير «سوريا دايركت» (2022) عن مساعي تحديث «القضاء العشائري» وقواعد الصلح بعد سنوات الحرب، وكيف تُدار النزاعات عبر الشيوخ والوجهاء ورجال الدين. (الرابط)
-
مادة من «العربي الجديد» (2023) عن «الجلو» كآلية تقليدية في الجزيرة السورية لوقف الثأر ومنع الاحتكاك المباشر بعد الجرائم الكبرى. (الرابط)
-
خلفية عن فسيفساء المكونات السورية وتمثيل الأقليات، من تغطيات وتحليلات دولية حديثة تُشير لنِسَب تقريبية وتركيبة المجتمع. (الرابط)
-
مواد تحليلية تشرح كيف يتحوّل الخطاب الطائفي، في لحظات الفراغ والاحتقان، إلى مُحرّك للنزاع، مع أمثلة من الجنوب والوسط ربطاً بأحداث 2025. (الرابط)
-
تحليل حديث لمعهد «كارنيغي» حول نموذج «الحكم الهجين» وتشكّل مجالس محلية وشبكات مدنية لسدّ فراغ الأمن والخدمات، وكيف بدأت لاحقاً بالتماهي مع هياكل إدارية أوسع. (الرابط)
-
خلفية أقدم (2017) من «كارنيغي» تُوثّق انسحاب الأجهزة من الشمال الشرقي عام 2012 ونشوء صيغ حكم محلية بديلة، تمهيداً لفكرة دمج الأعراف مع الإدارة الحديثة. (الرابط)