× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

رغم قلّة ما تجنيه التكسي يتعلّق كثير من سائقيها بمهنتهم - Gail Baird1/فليكر

التكسي الصفراء في سوريا: خدمة منهكة في مدن متهالكة

حكاياتنا - خبز 26-01-2026

يتناول التقرير واقع سيارات الأجرة بوصفها مرآةً لتحولات ما بعد الحرب: طرق متهالكة، سيارات هرِمة، وسائقون يكافحون. من «السابا» التي غزت الشوارع ثم تآكلت مع الزمن، إلى غياب التعرفة والزي الرسمي، وصعود تطبيقات التكسي الحديثة التي سحبت الزبائن، يرصد التقرير تدهور الخدمة، وتراجع الأمان، وضيق العيش، ويطرح سؤالاً مفتوحاً عن مصير عشرات آلاف سيارات الأجرة وسائقيها في بلد أنهكته الحرب والاقتصاد الهش

شتاء حلب قاسٍ على ساكنيها. شوارعها المتهالكة المليئة بالحفر والأنقاض ومياه الأمطار والوحل تجعل التنقل اليومي مهمة شاقة. ومع تغيّر خطوط وسائل النقل العامة بعد سقوط نظام الأسد، وعودة سكان إلى مدن لم تعد طرقها عالقة في الذاكرة، تعود سيارة الأجرة «التكسي» لتكون خياراً اضطرارياً لكثيرين.

اللون الأصفر الذي ارتبط بـ «التكسي» يفرض حضوره وسط أرتال السيارات المزدحمة. على مفارق الشوارع تصطف عشرات منها، معظمها من نوع «سابا»، الأكثر شهرة في المدن السورية، إلى جانب عدد قليل من سيارات «لانسر» القديمة، وأنواع أخرى مثل «ماتيز» و«تيكو» و«كيا ريو».

صُفرة باهتة على هيكلٍ مغبّر، تآكل لونه في أماكن كثيرة وتحول إلى صدأ. أضواء مكسّرة، آثار حوادث، أبوابٌ بأقفال وأخرى بلا أقفال، وزجاج غير محكم الإغلاق يحتاج كلتا يديك لرفعه. سائقون يجلسون داخل سياراتهم بألبسة مختلفة، بعضهم يحتسي قهوة باردة، وآخرون ينفثون دخان سجائرهم في هواء الشتاء. هكذا يبدو المشهد عند الوصول إلى مواقف غير رسمية اختارها السائقون بخبرتهم في المكان.

ما إن تدخل سيارة الأجرة حتى تستقبلك رائحة البنزين، وصوت باب يئنّ تحت ثقل الزمن. تعتذر للسائق عن قسوة الإغلاق، فيجيبك بهدوء: «لا عليك، لا يؤلم الضرب الموتى». داخل السابا، مقاعد قديمة بجلد متشقق، يخرج الإسفنج من زواياها. تتكور في مكانك خوفاً من اتساخ ملابسك وتجنباً لألم سيتركه أي اهتزاز فوق المقعد الحديدي. تبحث عبثاً عن حزام الأمان أو تحاول سحبه من غمده الذي لم يُفتح منذ سنوات، يلتفت السائق إليك قائلاً: «ما في داعي».

الطقس داخل سيارة الأجرة لا يختلف عن خارجه. هواء بارد يتسلل من فتحات أحدثها الزمن والاهتراء في حواف النوافذ والأبواب، تختلط فيه رائحة المحرك و«الكوليات». في لوحة القيادة مكان فارغ لمسجل مفقود، وعلى الأرضيات ذرات سجائر ورمادها، فيما يهتز جسدك مع كل حفرة أو مطب، وما أكثرهما في الطرقات. 

مشهد يصف حال سيارة الأجرة المتهالكة، ويشبه حال مدن أنهكتها الحرب على مدى عقد ونصف العقد، ويعيد طرح السؤال عن مصير مئات آلاف سيارات التكسي في سوريا، المقدّر عددها بأكثر من 159 ألف سيارة، وما إذا كانت مستمرة بتقديم خدمة نقل بالمعنى الحقيقي للكلمة.

«السابا».. هدية باهظة الثمن!

حضرت «السابا»، وهي ماركة سيارات إيرانية المنشأ، في الشوارع السورية منذ بداية الألفية الجديدة، وسرعان ما ارتبطت في الذاكرة الجمعية بسيارات الأجرة، حتى بات من النادر رؤية «سابا» خاصة أو بلون غير الأصفر.

ومع انتشارها في سوريا، وضع حجر الأساس لمصنع تجميع لسيارات «سابا» في المدينة الصناعية بحسيا جنوبي حمص نهاية العام 2003، وفتح أبوابه في العام 2007 تحت اسم «سيفيكو». قسّمت أسهمه بين شركة «سابا» بنسبة 80% وحكومة نظام الأسد بنسبة 20%، على حائط المصنع تصدّرت لافتة «سابا هدية إلى بلد صديق».

مع اندلاع الثورة السورية توقّف العمل في المصنع الذي كان ينتج يومياً بين 50 إلى 60 سيارة يوميّاً، ليعاد تشغيله في العام 2016 بإنتاج لا يتجاوز ثلاث سيارات يومياً، إلى أن قُصف في تشرين الأول 2024 بغارة إسرائيلية، وأُغلق نهائياً منتصف تشرين الثاني/نوفمبر من العام ذاته. 

خلال تلك الأعوام، أزاحت سيارة الأجرة من نوع «سابا» مختلف الأنواع الأخرى من سوق «التكسي»، وأبرزها سيارة «لانسر» التي يزيد عمرها عن ثلاثة عقود، وذلك لما كانت توفّره في استهلاك الوقود، إضافة لقطع التبديل الرخيصة. 

لم تكن السابا هديّة، كما يروّج، إذ وصل سعر السيارة الواحدة منها إلى نحو 12 ألف دولار، وكانت القطع تأتي من الشركة الأم في إيران عبر طرق برية، من إيران إلى العراق فسوريا، قبل أن تغلق هذه الطرق، وتتخذ الشركة الطريق البحري قاطعة مئات آلاف الأميال للوصول إلى ميناء اللاذقية. ومع تراجع الاقتصاد السوري وضعف الرواتب السورية باتت محدودية الطلب عاملاً في توقف العمل أو تناقصه تدريجاً قبل إغلاق المعمل. 

لم يبق منها سوى الاسم

ليست كل سيارات السابا التي تجوب شوارع سوريا اليوم قديمة ومتهالكة، هناك نماذج يعود تاريخ إنتاجها إلى 2014 و 2017 وتعرف بالـ«سابا المحدثة»، أنتجت في معمل تجميع الشركة (سيفيكو)، لكن أغلبها يزيد عمره عن عقدين من الزمن.

ورغم ملاءمتها لاستهلاك الوقود، يؤكد سالم أبو اصطيف، سائق ومالك تكسي سابا موديل 2007، أن محركها قصير العمر ولا يتحمل مشقة العمل المتواصل، إذ يقدّر عمرها الافتراضي بنحو خمس سنوات قبل أن تبدأ بزيارة ورش التصليح أسبوعياً على الأقل. 

تبدأ المشكلات من «تآكل الدوزان» ما يزيد من اهتزاز السيارة، واستهلاك محركها للبنزين وزيت التبريد، وصولاً إلى أعطال «الكاربارتور والبستونات» وغيرها من الأعطال، عند هذه النقطة يقف مالك السيارة بين خيارين، صيانة خاسرة ما يجعلها عبئاً على مالكها، أو ترك السيارة بدون تصليح ما يفاقم مشكلاتها، يكمل أبو اصطيف.  

أبو بلال، صاحب ورشة في حي الراموسة بحلب، يُعرف بلقب «دكتور السابا» بحلب، وهي من الورش القليلة المستمرة في استقبال «السابا»، يقول إن «المحرك الأصلي الذي خرج من الشركة لم يتبق منه سوى الاسم». 

أسبوعياً يستقبل أبو بلال في ورشته أكثر من عشر سيارات سابا بأعطال مختلفة، أغلبها خضع لإصلاحات أكثر من مرة، حتى لم يعد هناك ما يمكن إصلاحه، وهو ما يرى فيه أصحاب الورش سبباً للإحجام عن إصلاحها لما تستنزفه من وقت وجهد لا يتناسب مع الأجر. 

يقول محمد جلول، وهو صاحب ورشة في حي الميدان بحلب: «فك البراغي لمحرك سابا قديمة فيه مجازفة أحياناً، فقد ينكسر هو أو مكان تثبيته في الشاسية الذي اهترأ بفعل عوامل الطقس والزمن».

جهاز التوازن المعروف (بالدوزان) يأتي في مقدمة الأجزاء الأكثر قابلية للعطب في سيارات السابا، هذا ما أخبرنا به أحمد دشو، صاحب ورشة دوزان للسيارات في حي بستان الباشا بحلب، ويرجع دشو ذلك إلى أن «السابا لم تصمم في الأصل للعمل لفترات متواصلة وطويلة، وهي غالباً سيارة عائلية صغيرة، ولهذا فسيرها لمسافات طويلة مع أحمال تفوق ما صنعت لأجله يتسبب في عطب الدوزان».

يؤيد أبو اصطيف ما قاله أصحاب ورش الإصلاح عن واقع السابا اليوم، ففي مدينة دمشق حيث يسكن ويعمل، توجد أربع ورش إصلاح فقط في المدينة وريفها لا تزال تستقبل السابا حتى اليوم.

يتغاضى أبو اصطيف، وأصحاب سيارات أجرة آخرون عن كثير من الأعطال، إلى أن تتوقف السيارة تماماً، عندها سيكونون مضطرين لإصلاحها. ليس ذلك بدافع الإهمال ولكن بسبب ارتفاع أجور الصيانة مقابل الدخل. 

لا يتجاوز سعر سيارة سابا أجرة اليوم ثلاثة آلاف دولار وسطياً، بعضها معروض للبيع بنحو ألف وخمسمائة دولار على وسائل التواصل، فيما يبلغ ثمن إصلاح المحرك نحو أربعمائة دولار، وتغييره يكلّف ضعف المبلغ، أما تبديل الدوزان فيحتاج نحو 300 دولار، ومثلها للإطارات، ناهيك بتكلفة الطلاء.

سائقون بلا زي رسمي

لا تقتصر آثار الزمن والحرب، على سيارات الأجرة، بل طاولت سائقيها أيضاً، إذ تغيب اليوم صورة السائق بالزي الذي اعتمدته إدارة المرور، البنطال الكحلي أو الأسود والقميص الأزرق السماوي. 

سائقو التكسي اليوم يرتدون ألبسة مختلفة اللون والشكل: بنطالاً من الجينز أو القماش، بيجاما رياضية، لباساً تقليديّاً (جلابية)، قمصاناً أو كنزات بألوان مختلفة، قبعة من الصوف أو شماخاً، منهم من يرتدي حذاء رسمياً أو رياضياً، أو صندلاً أو «شحاطة بلاستيكية». 

يرجع محمد العلي 75 عاماً، وهو سائق تكسي منذ ما يزيد عن ثلاثين عاماً، هذا التنوع في اللباس لأسباب عديدة، أهمها تراجع الرقابة المرورية وعدم تدقيق الضابطة الشرطية على زي السائق، إضافة لدخول أشخاص إلى المهنة لا يعرفون القوانين، وربما لا يمتلكون شهادة سياقة، بما أفرزته الحرب من حالة فوضى. 

يقول العلي إن «الصورة القديمة لسائق التكسي الذي كان يعتبر مصدر أمان وطمأنينة تلاشت، هذا ما كان يمنح التكسي أفضلية على وسائط النقل الأخرى، فقسم كبير من زبائنها كانوا من النساء أو الباحثين عن وصول سريع ورحلة مريحة»، وهو ما يفتقدونه اليوم. «لم تعد المهنة كما كانت في السابق» يضيف أبو علي، برأيه «تغيرت مفاصل المهنة كما حال كل الأشياء التي تغيرت من حولنا».

مفردات جديدة لسائقي التكسي

الشكوى من الغلاء والمشكلات الاقتصادية وعبارة «ما عم توفي معنا الله وكيلك»، تحضر في كل رحلة مع سائق تكسي في مختلف المدن، يقول محمد العلي ممتعضاً إنها «صارت لازمة تشبه التسّول»، وهو ما أفقد حالة الود التي كانت تنشأ بين الزبون والسائق، فالزبون «متحفّز يخاف أن تسرقه»، والسائق يحاول جاهداً تحصيل أكبر قدر من الاستعطاف طمعاً في «زيادة الأجرة التي لم تعد تسدّ الرمق». 

تقول داليا عبد الكريم، وهي صحافية من مدينة اللاذقية، إن مفردات «ما عم لحق، وراي كوم لحم، الفقر، التعتير، دفعت اليوم مبلغاً كبيراً للتصليح»، هي الأكثر حضوراً خلال تنقلها بسيارة الأجرة. 

تعزو داليا سبب اختيار طريقة الحديث هذه، إلى «طمع السائق في زيادة الأجرة عند وصولي لوجهتي»، ما دفعها لابتكار ردّ جاهز: «الحال من بعضه ولا تشكي لي ببكي لك». عندها يلوذ السائق بالصمت ويعلم عدم جدوى محاولاته.

تفكر مديرية النقل جديّاً بفرض تغيير سيارات الأجرة القديمة، والاستعاضة عنها بسيارات كهربائية تبيعها شركاتٌ لأصحاب السيارات القديمة بالتقسيط

سامر الخطيب، سائق سيارة أجرة من مدينة دمشق، يقول إن الأمر لا يتعلق بالاستعطاف، فهذه المفردات حديث الشارع اليومي، وهي لا تغيب عن أي اتصال بين صديقين أو الزوج وزوجته في المنزل، ونسمعها في محالّ بيع الألبسة، وعند بائعي الخضار، وفي كل مكان. 

الحرب والهشاشة الاقتصادية أفرزتا مفردات جديدة، يطلب سامر منا جميعاً أن «نراجع تسجيلاتنا الصوتية في هواتفنا، أليست المفردات نفسها حاضرة». 

تكسي بلا زبائن 

انتشرت تطبيقات التكسي في مختلف المحافظات السورية، تُقدّم خدمة التوصيل من المنزل إلى الوجهة التي يختارها الزبون بمتابعة من الشركة، بأجرة محددة سلفاً، وبواسطة سيارات خاصة وحديثة، ما دفع كثيراً من الزبائن إلى اعتمادها عوضاً عن التكسي الصفراء، خاصة النساء والعائلات، لما توفّره من أمان ورفاهية. 

يقول عمر زين الدين، مدرس في مدينة حلب، إنه وأفراد عائلته يعتمدون على التطبيقات الالكترونية، وإنه منذ عامين لم يركب سيارة أجرة صفراء. 
يتحدث عمر عن التكسي بصفتها «خدمة ورفاهية»، وكيف أنها فُقدت مع السيارات الصفراء، ويقارن الخدمات المقدمة من تكييف في الصيف ونظافة الفرش، والأهم من ذلك السعر المحدد الذي يقلّ في التطبيقات عمّا يطلبه سائقو سيارات الأجرة. 

تشعر نوال بالأمان بوجود مثل هذه التطبيقات، هي لا تضطر، على حدّ قولها، إلى المفاصلة، أوالاستماع إلى أحاديث مختلفة، والأهم من ذلك هي ترى عبر شاشة الهاتف طريقها. 

لا يخفي محمد قطان، المدير العام لمديرية النقل إعجابه بالخدمات التي تقدمها تطبيقات خدمة التاكسي عبر الإنترنت، مثل تطبيق «يلا غو»، أو «وديني»، وغيرهما، وهي تطبيقات تديرها شركات خاصة منحتها المديرية تراخيص عمل ضمن الأراضي السورية، ليصل عددها بحسب قطان 22 شركة وتطبيقاً. 

توفر هذه التطبيقات، بحسب قطان، مزايا عديدة لا تتوافر في خدمة التاكسي بصورتها المعروفة سابقاً، لجهة الراحة التي يشعر بها الراكب، لما تمتلكه شركاتها من سيارات حديثة ومجهزة بتقنيات رفاهية وأمان متطورة، كذلك ما تتميز به من سهولة الحجز عبر جهاز الموبايل الخاص، مع تحديد مسبق لأجرة المشوار، يضاف إليها حيز جيد من إحساس المستخدم لها بالأمان، كون الشركة تملك كوادر تعمل على مراقبة سير السيارة حتى وصول الراكب إلى وجهته، وأنها تستقبل أي شكوى ترد بحق أي من السائقين لديها. 

يرى قطان في عمل هذه التطبيقات حلّاً لمشكلة سيارات التاكسي القديمة، إذ تسعى المديرية لربط تلك التكاسي بتطبيقات مشابهة، يقول: «ربط تلك التكاسي القديمة العاملة بتطبيقات إلكترونية سيسهل على الركاب عملية التنقل ويحقق سرعة الاستجابة والالتزام بالمسار والأجرة».

تطبيقات التكسي الإلكترونية وافد حديث إلى سوريا زاد من مشكلات سائقي التكسي الصفراء، ما دفعهم لتنظيم وقفات احتجاجية طالبوا فيها بالحدّ من انتشارها، لما تركته من أثر سلبي على عملهم.

«نحن نخسر المنافسة، هم يعملون بسياراتهم الخاصة ويطلبون من منازلهم، لا يضطرون للوقوف في الطرقات ولا ينتظرون الزبائن مثلنا، سياراتهم حديثة ولديهم في الغالب مهن أخرى، وعملهم في هذه التطبيقات هو عمل إضافي»، يقول العلي. 

إضافة للتكسي الإلكترونية، كما يطلق عليها سائقون، دخلت إلى مهنة التكسي سيارات أخرى غير مسجّلة، كل ما تحتاجه شراء فانوس إنارة مكتوب عليه عبارة «أجرة» أو «تكسي» باللغة الإنكليزية لتبدأ العمل. يصف أبو اصطيف عمل هذه السيارات بـ «غير القانوني»، ويقول: «يزيل سائقو التكسي الخاصة الفانوس عن سياراتهم بعد صعود الركاب، خصوصاً حينما يتوجهون إلى داخل المدن الرئيسة كدمشق، لأنهم سيتعرضون لمخالفة مرورية في حال رؤية شرطي المرور للفانوس».

الخوف سبب آخر لعزوف الزبائن عن استقلال سيارات التكسي، لما ارتبطت بها من حوادث اعتقال واختفاء، خلال سنوات الحرب السورية، فلا تزال هناك صورة نمطية تفيد بأن سائق التكسي قد يكون عنصراً في أحد الفروع الأمنية أو ميليشيات الشبيحة. 

وبعد سقوط نظام الأسد، وما شهدته مدن سورية من حالات خطف، صار من غير المريح الركوب في تكسي، خاصة عند النساء اللواتي بتن تفضّلن استقلال وسائل النقل العامة، تقول زينب من مدينة اللاذقية. 

مساحة الخوف شملت السائق كما مست الزبون أيضاً، فكثير من سائقي التكسي اليوم يخشون مغادرة حدود المدينة التي يعملون ضمنها، خاصة إن كان الوقت متأخراً، هذا ما حدث مع أبو اصطيف حين دخل مخيم اليرموك ليوصل أمّاً وابنتها إلى منزلهما في آخر الحي، فتسلل الخوف إليه، كذلك ما تعرّض له حسام أبو علي، سائق تكسي، من سلب لهاتفه وما يملكه من نقود بعد توصيلة في حلب، والحوادث كثيرة حول ذلك. 

«معارك» الاتفاق على الأجرة

ليست حالة الخوف وحدها ما يسبب عزوف كثيرين عن استخدام التكسي في تنقلاتهم، فغياب التعرفة الموحدة والعدادات الإلكترونية التي كانت موجودة لهذا الغرض، أو إطفاؤها من قبل السائق نفسه، لعدم جدوى وجودها اليوم، يشكل حالة من عدم الرضا لدى ركاب التاكسي، إذ تحول تحديد أجرة المشوار لعملية مساومة بين الطرفين، غالباً ما تنتهي بـ مشاحنة أو مشادات كلامية. 

يرى من تحدثنا معهم، وما خبرناه بأنفسنا خلال عملية «المفاصلة» مع سائقي تكسي لغرض كتابة التقرير أن «الأجرة غالباً ما تكون مرتفعة ولا تتناسب مع طول المسافة»، كذلك يُلاحَظ الفارق بين سيارة وأخرى وبمبلغ يتجاوز النصف أحياناً. 

في المقابل يبرر السائقون هذا الاختلاف بغياب تعرفة موحدة تصدرها إدارة النقل يراعى فيها حال السائق وارتفاع ثمن البنزين الذي يصل سعر الليتر منه إلى نحو دولار، فضلاً عن الازدحام وقلة الزبائن وتهالك الطرقات وارتفاع أجور التصليح. 

حول ضبط التعرفة لسيارات الأجرة يقول محمد قطان: «ستُحدد تسعيرة للكيلومتر الواحد، وتُضبط إما بعدادات إلكترونية، أو بوساطة تطبيقات الدفع الإلكتروني منعاً للاستغلال، كما هو متبع في تطبيقات التكسي اليوم».

تراوح الغلّة اليومية للسائقين الذين التقيناهم من 15 إلى 20 دولاراً، يؤكد العلي وأبو اصطيف، بأن أكثر من نصفها يذهب ثمناً للوقود، وربعها للتصليحات، ولا يتجاوز متوسط دخل سائق التكسي 150 دولاراً شهريّاً لا تسد أجرة المنزل. 

يعيدنا العلي بالذاكرة إلى بداية الألفية الثانية، ويصف ذلك الوقت بـ «أيام عز التكسي»، إذ كانت تكفي أسرتين بكامل احتياجهما، ويقدّر متوسط ما كانت تجنيه بنحو 600 دولار. 

يُقدّر محمد قطان مدير مديرية النقل عدد سيارات الأجرة العاملة اليوم ضمن المدن السورية بنحو 88 ألف سيارة منها 30 ألفا في دمشق وريفها وحدهما.

يصف قطان الخدمات التي تقدمها سيارات الأجرة اليوم بـ «الرديئة والسيئة، من حيث جودة السيارات والتعرفة الباهظة وغير المنضبطة التي يدفعها الراكب، كما أنها تعكس مظهراً غير لائق حضارياً لسوريا أمام زائريها»، مبيناً تفكير الإدارة جدياً بالاستعاضة عنها بسيارات جديدة تعمل بالطاقة الكهربائية وتُباع لأصحاب سيارات الأجرة القديمة بالتقسيط، وهي عملية تنفذها شركات سيجري التعاقد معها، لتتسلم الشركة السيارة القديمة وتتصرف بها حسب طريقتها. ويوضح أن البداية ستكون انطلاقاً من محافظة دمشق لما تتمتع به من أهمية كونها عاصمة البلاد. 

رغم قلّة ما تجنيه التكسي يتعلّق سائقوها بمهنتهم، قسم منهم لعدم وجود فرص عمل أخرى، آخرون لأنهم لا يمتلكون «مهنة أخرى»، أو مدفوعون بـ «الشغف». 

يرى العلي في سيارته السابا جزءاً من حياته، هي «لا تختلف عن أحد أبنائه»، أما أبو اصطيف فلا يمكنه تخيل حياته «بدون الصفرا» في إشارة لسيارته السابا، وهو ما يدفعهما للتمسك بها «خاسرة كانت أم رابحة» على حدّ قولهما. 

يترجل الراكب في حي السليمانية بحلب بعد أن دفع أجرة المشوار، وإكرامية للعلي الذي تهلل وجهه ولهج لسانه بالدعاء، قبل أن يتابع سيره مختفياً وسط زحام سيارات أجرة أخرى تجوب شوارع المدينة، ببقايا صفرة عفا عنها الزمن، بحثاً عن راكب جديد. 

أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة

سيارات_الأجرة_في_سوريا مواصلات_سوريا يلاغو وديني

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0