× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

صورة لجبل العرب 1938 - من أرشيف مكتبة الكونغرس

صورة لا تعود: الغابات التي اختفت من السويداء

حكاياتنا - ملح 28-01-2026

بين صورة من عام 1938 وواقع اليوم، خسر جبل العرب في السويداء 90% من غطائه الحراجي. رحلة بصرية توثق تحول الجبال الخضراء إلى تلال عارية، حيث لم تعد الأشجار ضحية لأزمة الوقود والحرب فحسب، بل هدفاً لعصابات منظمة تقتلع الجذور وتغتال التوازن البيئي للمنطقة

في صورة تعود إلى العام 1938 ومحفوظة في مكتبة الكونغرس الأميركية، تبدو سفوح جبل العرب جنوبي السويداء مغطاة بغابة سنديان كثيفة. اليوم، بعد أقل من قرن، أصبح التقاط الصورة نفسها من الزاوية نفسها مستحيلاً. الغابة التي كانت تملأ المشهد اختفت بالكامل، وما تبقى هو الأرض العارية، صورة تحكي ما لم يعد بالإمكان تصويره.

في العام 2012، بعد أن قلّص نظام الأسد مخصصات الوقود في السويداء، ظهر أثر ذلك سريعاً على التدفئة في المحافظة، فبدأت الأشجار تختفي تدريجاً من الأحراج. في البداية، كان القطع متفرقاً، شجرة هنا وأخرى هناك، نتيجة صعوبة تأمين المازوت. من بعيد، بدا الغطاء الغابي موجوداً، لكنه فقد حضورَه شيئاً فشيئاً. 

في العام 2020، صدر قانون عقوبات قيصر على سوريا، واشتدت أزمة الوقود. ازداد الاعتماد على الحطب للتدفئة، وظهرت عصابات منظمة تفتك بالغطاء الحراجي للسويداء. في يوم واحد فقط، قُطعت مئات الأشجار حول محيط سدّ الروم، في وضح النهار، في موقع يُفترض أنه محمي بسبب وظيفته المائية.

لم يقتصر القطع على الحراج فحسب، بل امتد إلى الأراضي الزراعية وأشجارها المثمرة، حتى أصبح أصحاب البيوت كأنهم متجمدون داخل منازلهم يحرسون أشجارهم من الاقتلاع. في بيت حجري قديم داخل الجبل، يعيش أبو عمر، الستيني، محاولاً حماية ما تبقى من أشجاره.

يقول أبو عمر: «أجد الحياة هنا، بين هذه الأشجار»، لكنه يقرّ بأنه لا يستطيع المغادرة إلى المدينة خوفَ أن يعود فلا يجد ما أحاط به مكانه طوال الوقت.

مع التحطيب الجائر للأشجار المثمرة، برزت مهنة حراسة البساتين بشكل واضح، إذ بات مالكو الأراضي المتجاورة يوظفون حراساً لحماية أشجارهم.

 في أحد بساتين التفاح داخل الجبل، يعيش أبو حسن معظم أيامه داخل البستان، لا بوصفه مزارعاً فقط، بل وحارساً لكل شجرة فيه. يقول: «أصرخ، أتشاجر، أهدد أحياناً… لكن لا أستطيع فعل أكثر من ذلك في ظل غياب القانون». 

فقدان الغابة أثر أيضاً على الزراعة، فالحشرات التي كانت تتحملها الأشجار البرية بدأت تهاجم مباشرة التفاح، مخلفة آثارها على كل زهرة وثمرة.

خلال العقد الأخير، فقدت محافظة السويداء نحو 90% من مساحتها الحراجية. الكوادر الحراجية قليلة، وأي محاولة للحماية قد تُقابل بإطلاق نار، ما جعل المجتمع المحلي عاجزاً عن المواجهة. بحسب المهندس الزراعي نضال أبو عسلي، غياب الحماية والردع لم يؤثر على الغطاء الأخضر فقط، بل أطلق سلسلة من النتائج الكارثية: انخفاض الهطول المطري، اختلال التوازن المناخي المحلي، وزيادة تعرض الأراضي للتدهور البيئي، ما يضع المحافظة على حافة أزمة مستمرة لن تتوقف آثارها في السنوات المقبلة.

في الأشهر الأخيرة، لم تعد بعض المجموعات تكتفي بقطع الأشجار، بل بدأت باقتلاع جذورها أيضاً بُغية البيع. الحفر العميقة التي خلّفتها هذه العمليات ألغت أي إمكانية للتجدّد الطبيعي، ما يحرم الغابة من فرصتها في الاستعادة 

هذه الصورة الأخيرة تترك المشهد خاوياً، شاهدة على نهاية حقبة الغابة، وتحمل تحذيراً صامتاً لما يمكن أن تؤول إليه الأرض إذا استمر الاقتلاع والتحطيب الجائر.

أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة
الأشجار_في_جبل_ألعرب الغطاء_النباتي_في_سوريا التحطيب_في_السويداء

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0