× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

ترميم الأسواق القديمة ليس كافياً لإعادة حلب إلى مركزيتها الاقتصادية - hanming huang/flickr

على هذا الجسر ما لا يكفي للسلام

عقل بارد - شعوب وحروب 29-01-2026

يُستخدم التراث، في كثير من تجارب ما بعد الحرب، بوصفه أداة لبناء السلام أو لتعويض غياب السياسة. لكن تحويل الرموز إلى بديل عن العلاقات قد ينتج طمأنينة زائفة ويؤجّل مواجهة الأسئلة الأصعب. يناقش هذا المقال، انطلاقاً من تجربة البوسنة والهرسك، مخاطر السلام الرمزي وإمكانات التفكير بتراث حيّ يتشكّل من الأسفل، في السياق السوري

أكتب هذا المقال في ضوء قراءتي لمقال الزميلة كيندا شاهين «على جسر موستار: دروس البوسنة والهرسك للسلم الأهلي في سوريا»، الذي أثار لديّ مجموعة من التساؤلات حول حدود استخدام التراث بوصفه أداة لبناء السلام، واعتباره خياراً إيجابياً يُلجأ إليه حين تفشل الاتفاقات السياسية في خلق سلام حقيقي، ولا سيما عند التفكير في إسقاط تجارب دول البلقان على السياق السوري.

فخ الرمزية

أتفق مع المقال حول أهمية محاولات بعض نشطاء السلام في الجمهوريات الجديدة التي نشأت عن تفكك يوغسلافيا، في توظيف المتاحف لخفض التوترات الإثنية. هذا المسار، بطبيعته، سياسي وتفاوضي، ويعتمد على خلق مساحات للنقاش وإعادة تأطير السرديات المتصارعة. لكنّ هذا يختلف جذرياً عن اعتبار ترميم جسر ستاري موست في مدينة موستار، بمشيئة من اليونسكو وبدعم من البنك الدولي وجهات دولية ووطنية أخرى، خطوةً في بناء السلام، في سياق سلام هشّ لا يقوم على حوامل اجتماعية أو سياسية قادرة على منحه المصداقية أو الوظيفة.

بناء التراث الحي، القائم على علاقات الثقة بين الناس والمؤسسات، أكثر جدوى من إعادة إعمار مبانٍ يلتقط المانحون صوراً فوقها، بينما يظلّ السلام الحقيقي غائباً

هنا يبرز تساؤل أساسي: هل هناك ضرورة لترميم موقع أو إعادة تأهيل مَعلم لخلق سلام، أو لدعم شعور مصطنع به؟ وهل يمكن اختزال عملية شديدة التعقيد، مثل المصالحة بعد الحرب، في حل رمزي واحد؟

برأيي، لا تكمن المشكلة في انعدام الضرورة فحسب، بل في وجود ضرر حقيقي. تتجلى خطورة هذا المسار على أكثر من مستوى. أولها محاولته إضفاء شعور زائف بالطمأنينة، عبر إقصاء القيم والعلاقات الحقيقية التي كانت قائمة بين الناس والمَعلم قبل النزاع، والاستعاضة بقيم جديدة تُقدَّم بوصفها «كونية» و«فريدة» بعد تدخل المنظمات الدولية، كما في حالة جسر ستاري موست. هذا التحول لا ينتج طمأنينة فعلية، بل نوعاً من الهدوء القلق، سرعان ما تتحول تداعياته إلى عائق أمام نشوء محاولات أخرى حقيقية لبناء السلام، أو ابتكار طرق بديلة للتعبير عنه.

في هذا السياق، يطغى الحل الرسمي الجاهز على الأجيال الجديدة، ويُقزِّم قدرتها على التفكير بوسائل إبداعية تعبّر عن رغبتها في سلام حقيقي، وفق إيقاعها الخاص وفي الزمن الذي تراه مناسباً. ما يُقدَّم بوصفه إنجازاً نهائياً يتحول، عملياً، إلى سقف يُمنع تجاوزه.

من جسر موستار إلى أسواق حلب

تَحضُرني هنا مدينة حلب. لن يكون ترميم سوق أو اثنتين، أو حتى عشر أسواق في المدينة القديمة، كافياً لإعادة حلب إلى مركزيتها الاقتصادية وشبكتها الواسعة التي كانت تمتد حتى الجزيرة السورية. لعل الأجدى هو العمل على دعم شبكات التعاضد والمعرفة بين التجّار أنفسهم، وتعزيز قدرتهم على العودة وقراءة السوق وفهم تحوّلاتها، من خلال خلق مناخ آمن ومؤسسات يثقون بها. عندها فقط، قد يتمكّن التجّار، بموارد أقل، من إعادة ترميم أسواقهم بأنفسهم، بوصف ذلك فعلاً اقتصادياً حيّاً، لا مشروعاً رمزياً معزولاً عن الحياة.

في امتداد هذا الطرح، أتوافق مع الفكرة الواردة في المقال «السلام لا يبدأ بتوقيع اتفاق، بل بالاعتراف بالألم، ومنح كل طرف مساحة لرواية قصته دون خوف أو إنكار». غير أن إسقاط ما حدث في دول البلقان على سوريا يتطلب خبرات تشاركية حقيقية مع الناس، قادرة على إدارة الحوار بين الأطراف، وتقديم قراءة تحليلية للسياق، تنقذنا من السقوط في ثنائية الضحية والجلاد. فالحرية في البكاء، والمساحة للكلام، لا تنتجان سلاماً بحد ذاتهما، ما لم تُؤطَّرا ضمن عملية تعيد الإنسانية إلى الآخر، وتبني معنى مشتركاً للمستقبل. وهذا يستدعي مواجهة ما تسعى السلطات غير التشاركية، في العادة، إلى تكريسه من ذاكراتٍ حصرية وإقصائية.

أحد أهم دروس تجربة البوسنة أن الإصرار على الهويات الدينية والعرقية بوصفها هويات مغلقة هو طريق زائف إلى السلام

لنتخيّل في سوريا، وبعد انفجار ذاكراتنا ومظلومياتنا غير المعالجة، المتراكمة منذ عقود من القمع البنيوي وتفشي خطاب الكراهية، أن تقرر كل مجموعة إحياء ذاكرتها الخاصة من دون أي عملية ضبط أو إدارة جماعية. هذا المسار، الذي راح يظهر للأسف في ظل ضبابية التعاطي مع مفهوم العدالة الانتقالية، لن يكون سوى بيئة حاضنة لظواهر شبيهة بحالات الانتقام، بوصفها نتيجة مباشرة لهذا الانفلات. وقد أصبح لدينا عدد لا يُحصى من عمليات التحريض و«الفزعات» بوصفها أمثلة حيّة على ذلك.

مأزق «الـ» التعريف

واحدٌ من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة البوسنة والهرسك أن التضامن لم يكن حقيقياً بالقدر الكافي، وأن الإصرار على الهويات الدينية أو العرقية بوصفها هويات مغلقة، معزولة عن غيرها، مع افتراض أنها تمثل بالطريقة نفسها كل من ينتمي إليها، هو طريق زائف إلى السلام.
تخيفني «أل» التعريف، لأن السؤال الجوهري يبقى: كيف يمكن تعميم ظواهر وممارسات عميقة، أو إطلاق توصيفات مطلقة إيجابية أو سلبية، نتجت عن تفاعل معقّد بين الجغرافيا، والإثنوغرافيا، والثقافة، والدين، والسياسة، والاقتصاد، داخل فئة واحدة مختزِلة؟ كيف نقول: «السنة في سوريا يريدون»، «العلويون لا يريدون»، «الكورد يحاولون»، «الشركس يخططون»، «الدروز اتفقوا على»؟ إلخ، وكيف يمكن بناء مفاهيم مثل «حماية الأقليات» أو «حماية الأكثريات» على هذا الاختزال؟

هذا المسار يقود في النهاية إلى أن يُغني كل طرف على مظلوميته الخاصة، والاحتفاء بحرية التعبير بوصفها بديلاً عن الحوار، فيما يتآكل المجال العام وينهار البلد.

درس من أسواق بيروت

من الضروري التفكير في نتائج إبدال الإيديولوجيا الاشتراكية في يوغوسلافيا، القائمة على هوية العمال، بنموذج نيوليبرالي همّش وأضعف الصوت العمالي العابر للإثنيات، وكأن هذا الصوت خطأ بحد ذاته لمجرد انتمائه إلى مرحلة تُصنَّف دولياً على أنها مُظلمة ويجب التخلص منها. وليس خافياً أن هذا التحول جرى أيضاً بدعم من ممولين من الاتحاد الأوروبي، ركزوا على تمويل النُّصُب والتذكارات التي تحتفي بالاختلاف الإثني بوصفه القيمة المركزية.

يذكّرنا ذلك بما جرى في أسواق مدينة بيروت خلال مرحلة إعادة إعمارها بعد الحرب، حين تقرر الحفاظ على المساجد والكنائس، مقابل استكمال هدم الأبنية التي لم تكن الحرب قد دمّرتها. تلك الأبنية كانت تشكّل الفضاء التفاعلي الحي بين سكان بيروت، بعيداً عن انتماءاتهم الطائفية، لكن اختفاءها لم يُنظر إليه بوصفه خسارة تستحق التوقف عندها.

لا أعتقد أن هذا هو النموذج الذي نسعى إليه عندما نطالب بدولة قائمة على مواطنة تنبثق من معرفة عملية بالمحليات، لا تفرضها قواعد معيارية من الأعلى. لِنفكّر، بدلاً من ذلك، في الروابط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تجمع السوريين أكثر مما تفرّقهم انتماءاتهم الدينية والإثنية: تعاضد الفلاحين، طقوس استدعاء المطر وحب الأرض، تضامن تجّار الأسواق، حيوية العلاقة بين الريف والمدينة، وتدوين السرديات والاعتراف بأدوار من هُمِّشوا عبر التاريخ، ومن أخرجتهم السرديات الرسمية من الذاكرة العامة. هنا فقط تأخذ مفاهيم الأكثريات والأقليات أشكالاً أخرى، ربما نحن بأمسّ الحاجة إليها في سياق بلد متشظٍ ومدمَّر.

لا يعني ذلك الدفاع عن أنظمة قمعية ألغت هذه الانتماءات، بل هي دعوة للانتباه إلى كيفية تسييسها، وإلى ماهية التوجّهات السائدة والتمويلات المرافقة لها، وعدم رمي كل ما نملكه من إرث جماعي بحجة أنه «إرث الأسد».

من هنا، يصبح البحث عن هذا النوع من التراث الحي، وإعادة التفكير في كيفية تشكيله عبر علاقات ثقة بين الناس والمؤسسات، عملاً قد يكون أكثر أهمية وجدوى من إعادة إعمار مبنى يقف عليه المانحون والسياح لالتقاط الصور والقول: «ما أجمل السوريين»، فيما نعلم، في قرارة أنفسنا، أن الواقع أبعد ما يكون عن ذلك.

جسر_موستار التراث_والسلام السلم_الأهلي_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0