أقف على جسر موستار في البوسنة والهرسك. مكانٌ شهد على انهيارَ الدولة العثمانية، وتفككَ يوغسلافيا، ثم مجزرةَ سربرنيتسا، وحرباً أهليةً مدمّرة.
أتساءلُ: هل يمكن أن أختبر موقفاً مماثلاً في سوريا؟ أن أقف في بقعة ما، وأرى من انتصر ومن انهزم، يمرّون على جسر واحدٍ متناسين ما حدث؟ يتجسّدُ الماضي الدموي أمامي كلما عبرت هذا الجسر. في الوقت ذاته، أرى جبالاً خضراء لا تمتّ لذلك الماضي بصلة.
لفهم ما أوصلَ البوسنة والهرسك إلى هذا الانقسام، لا بدّ من العودة إلى السبب الأساسي للحرب. نزاعٌ دموي بين الصرب والكروات والبوشناق (المسلمون البوسنيون)، تفجّر بعد أن أعلن الكروات في البوسنة والهرسك، بدعم من حكومة كرواتيا في زغرب، كياناً ذاتياً خاض حرباً انتهت بارتكابِ مجازر بحق البوشناق في الهرسك عقب انهيار جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية الاتحادية.
عن السّلم الأهلي في البوسنة والهرسك.
لا تقتصر دلائل السلم الأهلي على انتهاء العنف فحسب، بل تشمل تحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء الثقة، وتوفير الأمان بين مكونات المجتمع.
في البوسنة والهرسك، ورغم أن اتفاقية دايتون في العام 1995 أنهت الحرب، ظلّ الانقسام العرقي حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية. صحيح أنّ تلك الاتّفاقيّة أسست لدولةٍ فيدراليةٍ معقّدةٍ أوقفت القتال، لكنها كرّست الانقسام السياسي الّذي ما زال يتجلى حتى اليوم في أحاديث الشباب الذين لم يعيشوا الحرب، لكنهم ورثوا ذاكرتها عن آبائهم.
هذا ما يجعل السّلمَ الأهليّ هشّاً وقابلاً للكسر. ففي مثالٍ صارخٍ عن هذه الهشاشة، تنتظر المدينةُ ليلةً صاخبةً من إطلاق النار والصدامات والشّجارات، مع كل مبارةٍ لكرة القدم يلعب فيها فريقُ FK Velež (المحسوب على البوشناق) ضد فريق Zrinjski (المحسوب على الكروات)، في انعكاس مباشر لذاكرة الانقسام. هو مشهد يبيّن أن آثار اتفاقية دايتون ما تزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وأن الانقسام السياسي أعاد إنتاج ذاكرة جمعية منفصلة لكل طرف.
اليوم تُقسَّم البوسنة والهرسك إلى ثلاث وحدات سياسية: فيدرالية البوسنة والهرسك، وجمهورية صربسكا، ومنطقة برتشكو. تحتضن كل واحدة منها غالبية عرقية مع تداخل محدود لأعراق أخرى، ما ساعد في ترسيخ سرديات تاريخية متوازية بدل كتابة تاريخ وطني جامع. إن غياب العدالة الشاملة والرؤية الموحدة للذاكرة الوطنية يترك المجتمع عرضة لإعادة إنتاج الانقسام، بينما بناء سلم أهلي حقيقي يتطلب مصالحة مجتمعية جادّة تقوم على العدالة والاعتراف المتبادل والعمل المشترك، بعيداً عن منطق «المنتصر» و«المهزوم».
وفرت المتاحف في البوسنة مساحة للاستماع إلى الطرف الآخر، لا بهدف إعادة إنتاج الكراهية، بل لبناء فهم مشترك يقوم على الاعتراف بالمعاناة الجمعية والضحايا
عند النظر إلى سوريا، تظهر ملامح الانقسام الطائفي المؤهلة لإعادة إنتاج مشهد قريب مما عاشته البوسنة والهرسك، رغم اختلاف السياقات. تواجه سوريا عقبات عدة أمام ترسيخ السلم الأهلي، أبرزها النزوح الذي أدى إلى تفكك البيئات والثقافات بين أبناء الشعب الواحد، والانقسام الطائفي الذي يعكس صورة مشابهة للانقسام العرقي في البوسنة، مع تاريخ مليء بالدماء بين مختلف الطوائف والأعراق. هنا تبرز ضرورة بناء ما يُعرف بـ«السلام السلبي» في مناطق النزاع خلال المراحل الانتقالية الأولى. لعل سوريا تفتقد إلى «دايتون سوريّة» لتجنب الوقوع في أخطاء المرحلة الانتقالية، التي شهدنا كثيراً من مظاهرها، ما أعاد السلم الأهلي خطوة إلى الوراء بعد أقل من عام على سقوط نظام الأسد وبداية المرحلة الانتقالية.
يضاف إلى ذلك ما خلّفه النزاع من انقسامات مناطقية عمّقت صعوبة إعادة بناء عقد اجتماعي يوحّد السوريين والسوريات. وذاكرة الألم التي ما زالت حاضرة لدى كل طرف من أطراف النزاع بروايته الخاصة عن الأحداث والضحايا. وفي ظل غياب العدالة الشاملة، تزداد أهمّيّة الدور المنوط بالمجتمع المدني. غير أنّ هذا الدور، كثيراً ما يُختَزَل في برامج سطحية للتعافي القصير الأمد، متجاهلةً الإصلاحات البنيوية المطلوبة على المدى الطويل.
التراث المادي أداة لبناء السلام
يُعَدّ التراث المادي وسيلة مهمّة لتفعيل العدالة الانتقالية، وبخاصة عبر المتاحف. خلال سنوات عيشي في البوسنة، زرت متاحف عدّة تتبنّى عرض روايات جميع الضحايا. فمع أنّ الأمم المتحدة اعترفت بالطرف الصربي بوصفه مرتكباً للمجازر، ظلّت لضحايا الكروات والصرب صروحهم التاريخية شاهدةً على الأحداث، سواء عرضتهم بوصفهم ضحايا، أو وثّقت الجرائم التي عانى منها البوشناق ضمن سياق الحرب الأوسع، ما ساعد في تكوين ذاكرة وطنية متعددة الأوجه.
من أبرز المعالم في البوسنة والهرسك جسر موستار (Stari Most)، الذي بُني في القرن السادس عشر رمزاً للتعايش بين المسلمين والكروات والأرثوذكس. دمّره قصف مجلس الدفاع الكرواتي العام 1993 بحسب تقارير الأمم المتحدة، ثم أُعيد بناؤه بدعم من اليونسكو والبنك الدولي، وافتُتح مجدّداً في 2004. لم يكن الجسر مشروعاً هندسيّاً فحسب، بل خطوة رمزية لإعادة ربط مجتمع موستار المنقسم، ورسالة بأن التعايش ممكن رغم الصراع.
اليوم يحتضن الجسر أهمّ احتفال محلي في موستار تنظّمه مدرسة دولية في «اليوم العالمي للسلام»، فتُرفع أعلام دول العالم، ومن بينها البوسنة وكرواتيا وصربيا، جنباً إلى جنب، بالتوازي مع إدراجه على قائمة التراث العالمي لليونسكو. وإلى جانب الجسر يقع متحف صغير يروي قصّته باللغات الثلاث، إضافة إلى العربية والإنجليزية، ويعرض مجموعة من الأدوات الحربية التي استُخدمت آنذاك.
عند النظر إلى سوريا، تظهر ملامح الانقسام الطائفي المؤهلة لإعادة إنتاج مشهد قريب مما عاشته البوسنة والهرسك، رغم اختلاف السياقات
أمشي خطوات قليلة في المدينة القديمة فيظهر متحف آخر هو The Museum of War and Genocide Victims، الذي يتبنّى رواية البوشناق المسلمين. يوثّق هذا المتحف معسكرات الاعتقال والمقابر الجماعية والجرائم المرتكبة بحق الأطفال، إلى جانب صور ورسائل من زمن الحرب موزّعة بتسلسل زمني وجغرافي على جدرانه، وتعلوها العبارة البوسنية Nikad Zaboraviti أي «لا تنسَ أبداً».
متحف نفق الأمل في سراييفو
بالانتقال من الهرسك إلى البوسنة، في شوارع العاصمة سراييفو، وتحديداً تحت المطار الدولي الأكبر للبلد، يوجد نفق يمتد نحو 800 متر نحو قلب العاصمة. حفر المدنيون والجيش البوسني هذا النفق بعد العام 1992 خلال حصار سراييفو الذي استمر نحو ثلاث سنوات (1992-1995)، وعانى فيه السكان من جميع الأعراق حصاراً عسكريّاً شل الحياة الاقتصادية للعاصمة. شكل النفق شريان حياة إذ ساعد في نقل الغذاء والدواء، كما السلاح، وإخراج الجرحى والمرضى من العاصمة.
أصبح هذا النفق جزءاً من التغيرات التي عاشتها العاصمة ورمزاً للعدالة الانتقالية، إذ تحول جزء منه والمنزل الذي يصل إليه إلى متحف يعرف اليوم باسم «متحف نفق الأمل». يُعرض فيه أرشيف صور، ومقاطع فيديو، ومقتنيات من فترة الحصار، بالإضافة إلى شهادات حية من معاناة سكان العاصمة. لا يقتصر دور المتحف على التوثيق العسكري أو الهندسي، بل يحفظ تجربة إنسانية عميقة تعبر عن صمود المدنيين وإشراك الضحايا والناجين في صياغة الذاكرة الجمعية.
في كل زيارة إلى المتحف، يسمع الزائر قصة جديدة عن ناجٍ مر بالنفق، أو يتعلم مفردة حربية باللغة البوسنية، مما ساعدني أنا الأجنبية على بناء صورة أوضح عن معاناة هؤلاء الأشخاص. وساعدني ذلك، بوصفي سوريةً، على الأمل بأن تتجمع طوائف سوريا، يوماً، في «نفقٍ واحد» تُروَى فيه حكايةُ كيف نجونا جميعاً من حرب واحدة، أخذت منا الكثير، وجعلتنا جميعاً خاسرين.
قد يحمينا التراث المادي، اليوم، من تشويه صورة الأطراف المتنازعة، ويتيح لكل طرف التعبير عن آلامه دون المساس بالآخرين. وفرت المتاحف في البوسنة مساحة للاستماع إلى الطرف الآخر، لا بهدف إثبات صحة رواية أحد الأطراف على حساب الآخر أو إعادة إنتاج الكراهية، بل لبناء فهم مشترك يقوم على الاعتراف بالمعاناة الجمعية والضحايا. من هذه التجربة يستخلص السوريون حاجة حقيقية للانتماء إلى بقعة جغرافية خالية من التساؤلات المستمرة حول من نتشارك معهم الأرض. هذه المتاحف، التي عرضت قيم التضامن والصمود وباتت مقصداً لآلاف الزوار سنوياً، أصبحت مكاناً يواسي آلام الضحايا وشعبهم، إذ يدركون اليوم أن قصصهم أصبحت مسموعة، مقروءة، ومرئية. وفتحت لهم الأفق للتواصل مع الآخر بدل محاولات طمس الذاكرة.
في البوسنة لم يكن الجسر حجراً أُعيد بناؤه فحسب، بل ذاكرة جُمعت شظاياها ورُمّمت. أما في سوريا فما زالت الذاكرة تتكسّر على ضفاف الانقسام. بناء السلام لا يبدأ من توقيع اتفاق، بل من الاعتراف بالألم، ومنح كل طرف مساحة ليحكي قصته دون خوف أو إنكار. وكما حمل جسر موستار أعلام العالم يوماً، قد يأتي اليوم الّذي تحمل فيه سوريا ذاكرةً مشتركة لا تُقصى ولا تُنسى، بل تُروى بكل لغاتها، لتكون بداية جديدة لا تقوم على النسيان بل على الفهم والاعتراف وتسمية الأحداث بأسمائها المقبولة عند كل الأطراف. في البوسنة والهرسك، حين يختصر أجنبي اسم البلد إلى «البوسنة»، يسارع أحد السكان المحلّيين لتذكيره بأهمية ذكر «الهرسك» احتراماً لضحاياها وإدماجاً لكل أقاليم الدولة في المسمى.
لعلنا، نحن السوريين، لا نعاني انقسامَ الاسم، لكننا سنبقى أمام سؤال صعب: هل سنتمكن يوماً من تخليد ذكرى الضحايا من مختلف الأطراف واحترام كراماتهم ومآسيهم، والكف عن تعميم أحكام قطعيّة تَصمُ جماعةً، وتُدين أخرى؟