ليس الطريق إلى دير الزور مجرد مسافة تُقطع، بل تجربة تُهيّئك لتخيّل حجم ما أصاب المدينة على امتداد الحرب، ولحجم ما لحقها من ظلم وتهميش على امتداد عقود. لطريق الواصل بين دمشق ودير الزور، المعروف بين أهلها بـ«طريق الموت»، لا يبدو مجرد خلل في البنية التحتية، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الإهمال.

هذا الطريق، الذي تعود نواته الأولى إلى مسارات قوافل قديمة عبر البادية، ثُبّت بشكله الحديث الضيق خلال فترة الانتداب الفرنسي لأغراض عسكرية وإدارية، ثم تُرك على حاله تقريباً طوال عقود.
ورغم تحوّله إلى الشريان البري الرئيسي الذي يربط شرق سوريا بمركزها، لم يُوسّع أو يُؤهّلْ بما يتناسب مع كثافة الحركة، ما جعله واحداً من أخطر طرق البلاد، ومسرحاً لحوادث لا تنتهي.

مع اندلاع الحرب السورية، اكتسب الطريق بعداً أكثر قسوة، إذ تحوّل في مراحل مختلفة إلى خط إمداد ونقطة استهداف، لترسُخ تسميته الشعبية بوصفه طريقاً لا يحمل إلى دير الزور سوى التعب والمخاطر، يُفضي إلى مدينة دفعت ثمن الصراع فادحاً..
مدينة عاشت جميع فصول المأساة السورية بأقصى تجلياتها من قتل، ودمار، وتنازع نفوذ بين أطراف محلية ودولية، وترك أثره واضحاً على الحجر والبشر معاً.

دير الزور اليوم مدينة مثقلة بالدمار، تحاول إعادة ترتيب حياتها. حين يدخلها الزائر لا يحتاج إلى دليل لفهمِ ما مرّت به. الدمار هنا ليس تفصيلاً عابراً، بل هو المشهد الغالب، إذ تحوّل معظم أحيائها إلى مساحات مهدّمة، ولم يتبقَ من أصل سبعة وعشرين حياً سوى حيّين اثنين فقط يمكن القول إنهما ناجيان نسبياً من الخراب الأسود الذي اجتاح المدينة.
بعد أكثر من عام على زوال النظام السابق، لا تزال آثار التهميش حاضرة بقسوة، فالمحافظة، بأكملها تقريباً، تعيش حالة من الإهمال المستمر. الأحياء المدمرة ما زالت تحتفظ، بين أنقاضها، ببقايا قذائف وذخائر غير منفجرة، تشكّل خطراً دائماً على السكان، في ظل غياب شبه كامل لأي جهود رسمية جدية لإزالتها أو حتى إزالة الركام الذي يغطي الشوارع والمنازل.

وأنت تسير في هذه الأحياء، بين مبانٍ متهالكة وجدران مثقوبة، تفاجئك مشاهد لا يمكن اختزالها بكلمات سهلة، أطفال يخرجون من بين الركام، يركضون، يضحكون أحياناً، ويحاولون اقتناص لحظات فرح صغيرة وسط هذا الخراب الكبير، حضورهم يكشف لك حقيقة أخرى: تحت هذا الدمار، ما زالت هناك حياة.

سرعان ما تكتشف أن عائلات كاملة قررت العودة إلى المدينة، أو البقاء فيها، رغم كل ما أصابها. عائلات أبت أن تهجر المكان نهائياً، فعادت لتقيم في مساحات ضيقة داخل هذا الخراب الواسع. عائلات أصرّت، وبإمكانات محدودة، ترميم أجزاء بسيطة من المنازل، ترميم لا يغيّر المشهد العام ولا يخفي آثار الحرب، لكنه يسمح بالحياة، ولو بالحد الأدنى.

ندخل أحياء لا توجد فيها بنى تحتية، خدمات شبه غائبة، الكهرباء والمياه والطرقات ما زالت في حالة يرثى لها، ومع ذلك، ثمة إصرار واضح على البقاء، إصرار لا يقوم على الخطاب أو الشعارات، بل على ممارسة يومية للحياة وسط الركام.

أكثر ما يلفت النظر في المدينة اليوم أن عودتها البطيئة إلى الحياة لا تقودها خطط رسمية أو مشاريع كبرى، بل جهود أبنائها فقط، رجال ونساء المدينة، الذين عُرفوا تاريخياً بالقوة والشجاعة، يحاولون إعادة بناء ما يمكن بناؤه، حجراً فوق حجر، وذكرى فوق ذكرى، ليست هذه عودة كاملة، ولا تعافياً، لكنها محاولة صادقة للتشبث بالحياة.

دير الزور، لا تبدو مدينة ميتة ولا متعافية، هي مدينة مثقلة بتاريخ من الظلم والحرب، لكنها ما زالت قادرة على إنتاج معنى للحياة، حتى في أكثر ظروفها قسوة. مدينة تقول، بصمت أبنائها وإصرارهم، إن «الدمار واسع لكن الرغبة في البقاء أوسع».
