× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

شهادات مع وقف التنفيذ: هل تشمل العدالة الانتقالية جامعات «الذاتيّة»؟

حكاياتنا - خبز 11-02-2026

بينما تُصاغ الاتفاقات الكبرى في سوريا، يظل مستقبل آلاف الخريجين والخريجات معلقاً. يتتبع هذا المقال أزمة شهادات جامعات شمال وشرق سوريا، بوصفها ملفاً حقوقياً شائكاً يضع «العدالة الانتقالية» أمام اختبار حقيقي: هل الاعتراف بالتعليم جزء من جبر الضرر الجماعي، أم أن جيل الحرب سيُعاقب مرتين؟

في شقّته الصغيرة بإحدى المدن الألمانية، يحتفظ رياض كوري (تسعةٌ وعشرون عاماً) بشهادةٍ جامعيّةٍ حصل عليها العام 2018 من جامعة «روجافا» في القامشلي. كانت تلك الورقة بالنسبة إليه جواز عبور إلى مستقبلٍ أفضل، لكنه اليوم يراها مجرّد وثيقة معلّقة على الحائط بلا قيمة، تعكس حجم الأزمة الشخصية والجماعية. يقول رياض، بصوت مثقّل بالإحباط: «وجود عبارة (غير معترف بها) بجانب اسم شهادتي في سيرتي الذاتية شكّل لديّ إحباطاً كبيراً، وكأنّ التعلّم باللغة الأم بات جريمة، والآن أُحاسب عليها».

يواجه الآلاف من خريجي وخريجات جامعات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا - منذ تأسيسها - عقبةً تتمثّل في عدم الاعتراف الرسمي بشهاداتهم من قبل الحكومة السورية أو أي جهة دولية. ورغم أنّ جذور هذه الأزمة تمتدّ إلى ما قبل سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، فإنّها لا تتعلق فقط بفرص العمل أو التعليم العالي، بل تمتدّ لتغدو إشكالية حقوقية وجماعية ترتبط بـالعدالة الانتقالية والسلم الأهلي في سوريا بعد سنوات النزاع.

قصة رياض ليست فريدة، هناك آلافُ الشباب من شمال وشرق سوريا يجدون أنفسهم في المأزق ذاتِه، بعد سنواتٍ من الدراسة والكدح. المستقبلُ مسدودٌ لأن شهاداتهم/نّ غير معترف بها لا في دمشق ولا في الخارج. هذه الأزمة غير المرئية تكشف عن بُعدٍ إنساني واجتماعي في سياق العدالة الانتقالية في سوريا، إذ يصبح التعليم ذاته جزءاً من معركة الحقوق. 

«لو كانت شهادتي معترفاً بها من قبل الحكومة السورية في دمشق لَمَا كنت أعمل في مهنةٍ بعيدة عن تخصصي الدراسي وطموحاتي. شهادتي غير معترفٍ بها ولا مجال لتعديلها!» يقول رياض الذي اضطر للهجرة إلى ألمانيا العام 2022 مع عائلته، هرباً من واقعٍ محاصر بالقيود التعليمية والمهنية، وبحثاً عن مساحةٍ آمنة لمستقبله ومستقبل عائلته الصغيرة. عدمُ الاعتراف بالشهادة أجبر رياض على اعتماد شهادته الثانوية الصادرة عن الحكومة السورية لتصنيفه في المعاهد المهنية، ما حرمه من متابعة دراسته أو ممارسة تخصصه في التدريس، وهو طموحه الأساسي منذ البداية.

جامعات وُلدت من رحم الحرب

مع بدايات النزاع السوري، برزت الحاجة إلى مؤسسات تعليمية بديلة في مناطق شمال وشرق سوريا، بعد انسحاب قوات النظام السوري السابق من المنطقة وبقاء بعض المربعات الأمنية في مدن كالحسكة والقامشلي.

تأسست الإدارة الذاتية العام 2014، وبدأت منذ العام 2015 تطوير مناهج تعليمية شاملة باللغات المحلية الحاضرة في المنطقة: الكردية والعربية والسريانية، وصولاً إلى تطبيقها في الصفوف العليا، وتأسيس ثلاث جامعات: جامعة «روجافا» في القامشلي، جامعة «كوباني» في مدينة كوباني/عين العرب، وجامعة «الشرق» في الرقة، لتلبية طموحات آلاف الطلبة، وخصوصاً أولئك الراغبين في الدراسة بلغتهم الأم (الكردية) أو الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بجامعات خاضعة للنظام السوري.

يؤكد الدكتور خليل علي العلي، الرئيس المشترك لـ «مجلس جامعات إقليم شمال شرق سوريا»، في تصريح لمعدّ التقرير، أنّ الجامعات بذلت جهوداً متعددة للحصول على اعتراف رسمي ودولي بشهاداتها، من خلال تأسيس هيكليات أكاديمية متكاملة، وتطوير المناهج بما ينسجم مع المعايير الدولية، وبناء شراكات بحثية مع جامعات أوروبية وأميركية. ويشير إلى أنّ هذه الجامعات تعتبر نفسها جزءاً أساسياً من إعادة بناء سوريا الجديدة، وأن التعليم العالي يمثل ركيزةً للعدالة الانتقالية لما له من أثر في بناء وعي مجتمعي جديد، وتعزيز قيم التعايش والديمقراطية والمساواة.

مع ذلك، يوضح العلي، أن العائق الأكبر يتمثل في «غياب اعتراف سياسي بالإدارة الذاتية»، ما انعكس سلباً على الجامعات، رغم الانفتاح على منظمات دولية وزيارات أكاديمية لتعزيز فرص التعاون المستقبلي. ويضيف: «نسعى لتخريج جيل قادر على المشاركة في المصالحة الوطنية وصياغة عقد اجتماعي جديد، لكن الاعتراف بشهاداتهم داخل سوريا وخارجها يبقى تحدياً أساسياً».

إيجاد حلولٍ منصفة لطلبة مدارس وجامعات «الإدارة الذاتية» وحملة شهاداتها، في جوهر عملية العدالة الانتقالية التي تهدف إلى ترميم الثقة بين المجتمع والدولة

في أواخر كانون الثاني/يناير 2026 أُبرم اتفاق بين دمشق، وقوات سوريا الديمقراطية، لكنّ البنود التفصيلية لهذا الاتفاق تبدو مُبهمة حتى اليوم، وبينما ينصرف الاهتمام إلى قضايا مثل الملف العسكري، والمعابر، وحقول النفط، يُجهل مصير آلاف الطلبة الذين سبق أن تخرجوا في جامعات «الذاتيّة»، أو حازوا شهادات من مدارسها. وهنا يظهر البُعد الحقوقي للملف، فحق التعليم، كما نصّ عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 26) واتفاقية حقوق الطفل (المواد 28 - 29)، يرتبط بالاعتراف الرسمي بالشهادات، وإدماج الطلاب ضمن النظام التعليمي والمجتمع المدني بعد انتهاء الحرب.

«أبسط حقوقنا الاعتراف بشهاداتنا»

تعيش ياسمين عباس (22 عاماً) حالة من الترقّب والانتظار. قبل ثلاثة أشهر فقط، احتفلت بتخرّجها في الجامعة التي تخرّج فيها رياض، بعد أربع سنوات من الدراسة بلغتها الأم (الكردية). لكن لحظة الفرح سرعان ما تحوّلت إلى قلق متواصل حول المستقبل، تقول: «نحن من قرّرنا أن نبقى في بلدنا. شهاداتنا تستحق الاعتراف. ثورتنا كانت لنيل حقوقنا، وأبسط حقوقنا اليوم الاعتراف بهويتنا، بلغتنا وبشهاداتنا».

بالنسبة لياسمين، لم يعد الحلم بالسفر أو متابعة الدراسة في الخارج هو الهدف، بل مجرد العثور على وظيفة ثابتة داخل مدينتها. ومع ذلك، تدرك أن الفرص شبه معدومة، وتضيف: «نواجه العديد من المشكلات والتحديات. لا نستطيع إكمال دراستنا أو العمل من خلال هذه الشهادة إلا داخل حدود الإدارة الذاتية. على دمشق أن تعترف بشهادتنا، وعلى الإدارة الذاتية أن تفتح هذا الملف وتصل إلى توافقات تؤدي إلى تعويض الضحايا وجبر الضرر».

تختصر ياسمين هنا إشكالية جيل كامل من الشباب الذين فضّلوا البقاء في وطنهم، لكنهم يشعرون أنهم يدفعون ثمن هذا القرار من مستقبلهم المهني. فهي لا تطالب بامتيازات خاصة، بل باعتراف أساسي يحول دون ذهاب تعب أربع سنوات من الدراسة، سدى.

وفق إحصاءات رسمية كشفها «مجلس الجامعات في إقليم شمال وشرق سوريا»، بلغ عدد خريجي جامعات الإدارة الذاتية أكثر من 5100 طالب وطالبة حتى العام 2025، فيما يدرس حالياً 4216 طالباً وطالبة (قبل التطورات الميدانية الأخيرة)، عدا الطلاب المستجدين لمفاضلة 2025 – 2026، الذين يُتوقّع أن يتجاوز عددهم 3500 طالب وطالبة، بحسب المجلس.

وهكذا، يبدو أن الطلاب المتخرّجين من جامعات شمال وشرق سوريا يشكّلون فئة جديدة من الضحايا (ضحايا غير مباشرين للنزاع السوري) فهم لم يتعرّضوا للعنف الجسدي أو التهجير القسري، لكنهم خسروا حقاً أساسياً، هو الاعتراف بمستقبلهم التعليمي.

وفي سياق العدالة الانتقالية، يُعدّ هذا النوع من القضايا جزءاً من «جبر الضرر الجماعي»، إذ لا يتعلق الأمر بضحايا فرديين، بل بفئات اجتماعية واسعة تأثّرت بسياسات أو ظروف سياسية خارجة عن إرادتها.

«كأنني لم أدرس أصلاً»

ليلى (31 عاماً)، وهو اسم مستعار، عاشت تجربة مشابهة، لكنها سلكت طريقاً مختلفاً. تخرّجت العام 2018 من قسم الأدب الكردي في «جامعة روجافا»، لكنها تصف مدّة دراستها بأنها «سنتان ضائعتان من العمر». تقول بحرقة: «بغضّ النظر عن جمال تجربة الدراسة بلغتي الأم والفخر بها، أشعر وكأنني لم أدرس أصلاً… شهادتي غير معترفٍ بها».

اليوم تستعد ليلى للسفر إلى أوروبا، لكن أكثر ما يشغل بالها ليس إجراءات الطريق ولا مخاطر الهجرة، بل سؤال واحد: هل ستُقبل شهادتها هناك؟ تجيب نفسها: «بحسب متابعتي للموضوع، لا بوادر أمل. ربما لن آخذ شهادتي معي!». ومع ذلك، تمنحها الدراسة بالكردية شيئاً من الصبر: «لو لم تكن بلغتي الأم لكان الأمر أكثر قسوة. على الأقل لدي شعور خاص، لكن هذا لا يعوّض خسارة المستقبل».

تكشف قصة ليلى أن الإحباط لا يقتصر على الداخل السوري، بل يلاحق الطلبة حتى في مسارات الهجرة. فهي ترى أنه «حتى لو حصل الاعتراف بالشهادة بعد سنوات، فإن آلاف الفرص تضيع يومياً بسبب التأخير».

اعتراف مؤجّل يساوي عدالة انتقالية مؤجّلة

في مقابلة مع شبكة روداوو في 5 نيسان/ أبريل 2025م، أكّد وزير التربية والتعليم في الحكومة السورية الانتقالية محمد تركو أن الحكومة المؤقتة ستولِي ملف اعتراف الشهادات الصادرة عن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا اهتماماً، لكنّ الأمر لم ينفّذ بعد. وقال: «هناك حاجة إلى خطة للاعتراف بالشهادات التي حصل عليها الطلاب بين 2011 و2024، لكي يتمكّنوا من دخول جامعة دمشق وجميع الجامعات السورية. لكن، هناك شيء تقني أيضاً، ما هي المواد الموجودة؟ ما هي درجاتهم؟ كي نُعطِيهم وثيقةً تُعادل شهاداتنا».

لا تعني هذه العملية، في سياق العدالة الانتقالية، محاسبة مرتكبي الجرائم أو جبر ضرر الضحايا المباشرين فقط، بل تشمل إصلاح المؤسسات وضمان الحقوق الأساسية مثل التعليم. وهنا يبرز سؤال محوري: كيف يمكن لجيلٍ كامل أن يثق بمرحلة انتقالية إذا كان أول حق يُحرم منه هو الاعتراف بتعلّمه؟

قصصُ رياض، ياسمين، وليلى إلى جانب الإحصاءات الرسمية، تكشف أن أزمة عدم الاعتراف بالشهادات الجامعية تشكّل أزمة جماعية تهدّد مستقبل جيل كامل. فالاعتراف بهذه الشهادات، ودمج الطلاب في النظام التعليمي والمهني، يمثل خطوة أساسيّة نحو سوريا ما بعد الحرب، وتعزيز التنوع الثقافي واللغوي والمصالحة الوطنية، وهو عنصر حاسم لتحقيق العدالة الانتقالية والسلم الأهلي المستدام. في نهاية المطاف،

لا يمكن اختزال القضية في إجراءات تقنية أو معادلات جامعية فحسب، بل هي في جوهر عملية العدالة الانتقالية التي تهدف إلى ترميم الثقة بين المجتمع والدولة. إنّ ترك آلاف الشهادات الجامعية «مع وقف التنفيذ» هو استمرار للنزاع بوسائل ناعمة، وتعطيل لطاقات بشرية تحتاجها سوريا لإعادة الإعمار. وشمول هذه الجامعات بآليات الاعتراف وجبر الضرر الجماعي ليس مجرد ترفٍ سياسي، بل هو مدخل حقيقي لسلم أهلي مستدام، يضمن ألا يُعاقب الطالب السوري مرتين: مرةً بالحرب، ومرةً بعدم الاعتراف بمستقبله.

يُنشر هذا المقال في إطار تعاونٍ بين «صوت سوري» و«شبكة الصحفيات السوريات» يتمحور حول العدالة الانتقالية في سوريا

العدالة_الانتقالية_في_سوريا السلم_الأهلي_في_سوريا جامعات_الإدارة_الذاتية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0