فتحت الشهور الأخيرة جِراح السوريين والسوريات الذين تنفّسوا الصعداء بعد سنوات القهر، وبدأ كلٌّ يرثي فقيده. غير أنّ التجربة السورية لا تشبه غيرها من تجارب سقوط الأنظمة، ولم تأخذ مساراً طبيعياً ممّا يُفترض أن يحدث تَبعاً لها. فبدلاً من بدء طريق واضح نحو عدالة انتقالية، ازدادت حدّة العنف، وتصاعد خطاب الكراهية، وخُلقت جراح جديدة لا يبدو أنها ستندمل قريباً.
مع ذلك، يبقى لكلّ نفق مظلم نهاية يتسلّل منها النور، ولكل موت قيامة وبداية جديدة. وليس أقدر على مرافقتنا في هذا العبور من المرأة السورية.
في حديثي مع العديد من السوريات، وفي رؤيتي ومتابعتي لأعمالهن، أجدهنّ في الصفوف الأولى دائماً. وعلى عكس الصورة النمطية التي تُلصَق بهنّ بوصفهن عاطفيات، تُثبت المرأة السورية في كل محطة أنها صوت العقل والضامنة للمستقبل.
المصالحة بعيون الضحايا
تستذكر رهام عبود فقدانَ أخيها في تفجير سيارة مفخخة بمنطقة السومرية، في دمشق، العام 2013، حين كان ينتظر «السيرفيس» للذهاب إلى جامعته. تقول إنها لا تستطيع مسامحة قاتل أخيها، فقد حُرمَت منه ظلماً وهو مدني لا ذنب له. ومع ذلك، تؤكد عبود أنها لو امتلكت قرار إجراء المصالحة بين الأطراف السورية لأقدمت عليها ما دامت تصبّ في مصلحة الشعب وتسهم في وقف القتل وحقن الدماء. وتشير إلى أن السلم الأهلي يتحقق حين تتوحد الأطراف والطوائف كافة، من دون أن يتعارض ذلك مع المحاسبة، فالمجرم يجب أن يُحاسَب وفق القانون. وتطالب بضم اسم أخيها إلى قوائم الشهداء ليتمكّن ذووه من الحصول على حقوقهم، وبمحاكمة كل من شارك في التخطيط للتفجير الذي أودى بحياة مدنيين أبرياء.
«حين تختار أمٌّ فقدت ابنها طريق السلم، فهي لا تضعف… بل تؤسس لعدالة أعمق»
من جانبها، تروي أم ناصر قصة فقدان أخيها الذي قُتل على يد عناصر من جيش نظام الأسد في صحنايا العام 2012، بعد أن أوقفوه على حاجز ووجّهوا إليه شتائم وإهانات لم يحتملها، فدفع الضابط وهرب، ليُلاحق ويُقتل. تقول أم ناصر: «لا يمكن لأحد أن يستهين بدم من يخصّه. لن أسامح، لكنني لن آخذ ثأري بيدي، فهناك دولة، وإن قصّرت فالله موجود».
لو تُرك لأم ناصر قرار المصالحة بين الأطراف المتحاربة لاختارت «ما يسمح للسوريين بأن يعيشوا بسلام، ويؤمّنوا أنفسهم، ويحبّ بعضهم بعضاً، بعيداً عن الطائفية، فـلا أحد يحب الحرب والقتل»، تقول. وتشير إلى أن السلم الأهلي يصبح ممكناً عندما يكون الشعب واعياً ويبتعد عن الكراهية، وعندما تُشكَّل حكومة تمثّل جميع المكوّنات وتُصغي لمختلف الأطراف. وتؤكد أنه لا يوجد سلم أهلي من دون عدالة تُعيد الحقوق إلى أصحابها، وإلا تفجّرت الفتنة وتجدد الصراع، خصوصاً مع انتشار السلاح المنفلت.
المرأة ودور الترميم الاجتماعي
توضح الاختصاصية النفسية رانيا مهنا أن «ميل النساء إلى المصالحة ليس أمراً عاطفياً أو غريزياً فحسب، بل هو أعمق من ذلك». في السياق السوري، وفي المجتمعات التي عانت صراعات طويلة، كما تعتقد مهنّا، تتداخل عوامل عدّة تُفسّر هذا الميل، أبرزها التجربة المعيشية المباشرة، فالنساء هنّ الأكثر تضرراً من فقد الأبناء والأزواج والإخوة، ومن تهجير العائلة، ما يجعل المصالحة في كثير من الأحيان خياراً واقعياً للبقاء، لأن استمرار الكراهية يعني استمرار الفقد والألم.
تضيف: «تاريخياً، في المجتمع السوري، كانت المرأة ضامنة للتماسك الاجتماعي، سواء في العائلة أو الحي أو القرية. هي من تعيد العلاقات، وترمّم الخلافات، وتهدّئ النزاعات الصغيرة، لأن دورها الرمزي والاجتماعي مرتبط بإعادة الوصل».
«مشاركة النساء في القرار ليست تمثيلاً رمزياً، بل هي شرط لترميم المجتمع»
تشير مهنا إلى أن طبيعة المرأة النفسية تميل إلى التعبير العاطفي والمشاركة الوجدانية، ما يجعلها تقترب من الآخر حتى بعد الأذى، ليس ضعفاً، بل لأن التواصل بالنسبة إليها وسيلة لوقف النزيف المجتمعي وفتح باب العدالة التدريجية. وتشرح أن وصف المرأة بـ «العاطفية» ينطوي على مغالطة فكرية، لأنها «قادرة على موازنة العقل بالعاطفة، وبذلك تتخذ قراراً أكثر عقلانية يدعو إلى السلم والتعايش، ولا يؤجّج الفتنة والصراعات».
وتضيف: «المرأة السورية أثبتت خلال الحرب أنها قادرة على إدارة منزل، ومخيم، ومبادرة، ومؤسسة، غالباً دون دعم. لكن إصلاح البلد يتطلّب مشاركة النساء في القرار السياسي الحقيقي، لا تمثيلاً رمزياً فقط. فضلاً عن إدماج رؤيتهن في العدالة الانتقالية، لأن لديهن حسّاً أقوى بفكرة الترميم الاجتماعي بدلاً من الإقصاء».
تعتقد مهنا أن النساء يمكن أن يرفعن «الأخلاقية السياسية» لمسار السلم، شرط أن ترافقه عدالة مؤسسية واضحة، كي لا تتحول المصالحة إلى تمييع للمحاسبة. فـ«المصالحة لا تُعدّ ضعفاً إذا استندت إلى الاعتراف بالجرم، وتضمّنت المساءلة أو التعويض. هذه خطوات أساسية إلى جانب إعادة بناء الثقة المجتمعية، لا نسيان الماضي».
برأي مهنّا، حين تختار أمٌّ فقدت ابنها أن تسامح القاتل بعد اعترافه ومشاركته في التعويض أو كشف الحقيقة، «لا تكون ضعيفة، بل تبني أرضاً جديدة للعدالة الإنسانية. أما حين يُطلب منها النسيان والصمت باسم السلم، تصبح المصالحة إهانة مضاعفة. مخلّفات الماضي من السكوت والصمت تفرز فوضى واضطرابات نفسية واجتماعية وثقافية مرعبة، وأراها عن كثب في عملي العيادي منذ عشر سنوات حتى الآن».
المصالحة المشروطة بالمحاسبة
حول كيفية بناء مسار للعدالة الانتقالية، يؤكد المحامي إيهاب عبد ربّه أن البلاد تحتاج إلى قطع مع الماضي السيّئ. وأن المحاسبة جزء أساسي من العدالة الانتقالية في سوريا. يقول: «من المهم إصدار قوانين واضحة وتأهيل أجهزة أمنية مدرّبة بما يكفي للتعامل مع الناس بطريقة لائقة، إلى جانب فتح قنوات للحوار الاجتماعي. نحن بحاجة إلى مؤتمر حوار وطني حقيقي يجلس فيه السوريون ويتحاورون معاً».
يضيف: «عندما نقول: عدالة انتقالية، يجب أن يفهم القاتل أنه سيُحاسَب، وأن يفهم ذوو الضحايا أن دماء أبنائهم لن تذهب هدراً. من الممكن أن يسامحوا، لكن يجب أن تكون هناك آلية واضحة لهذا الأمر».
يعتقد عبد ربه أن الفرصة متاحة لحدوث مصالحة في سوريا، ولكن بطريقة تجعل الإنسان يشعر أنه «أخذ اعتباره». فعندما «يرى ذوو الضحايا أن سوريا أصبحت دولة آمنة تحفظ حقوق أبنائها، سيتجهون نحو المصالحة والمسامحة، لأنهم سيشعرون بتحقق ما كانوا ينتظرونه».
من وجهة نظره، النساء «هنّ الأجدر بقيادة أي موقع، لأنهنّ أقل فساداً وأكثر تركيزاً»، مشيراً إلى أنهنّ لن يكنّ عاطفيات، بل أكثر ميلاً للتسامح، وأن ذوات الضحايا هنّ صاحبات الحق، وبالتالي رأيهنّ جوهري.
يُذكر عبد ربه بأن كثيراً من الملفات الراهنة «لم تُحل بعد، فلا أزمة السويداء عولجت، ولا جرح الساحل الذي تعمّق بشكل كبير». ويرى أن «خطوات السلطة الحالية غير سليمة، مع وجود تقصير واضح ونقص في الكوادر، إضافة إلى الخوف من الفشل في عملية العدالة الانتقالية».
قد لا تكون المصالحة طريقاً سهلاً، وربما لا تفضي إلى سوريا المستقرة الآمنة بين يومٍ وليلة. لكن المهم أن نبدأ، وقد تكون البداية الصحيحة بأيدي النساء السوريات اللواتي أثبتن أنهن الأقدر على حمل الذاكرة والألم معاً، وتحويل الفقد إلى دعوة للحياة. في بلد أثقله النزيف، قد تكون خطواتهن الهادئة هي البداية الممكنة لعدالة لا تنكر وجع أحد.