× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

حزنٌ مجهول المصير: عندما يصبح الحداد في سوريا فعلاً محظوراً

حكاياتنا - خبز 16-02-2026

في سوريا، لم يكن الفقدُ وحده هو المأساة، بل يُضاف إليه «تسييس» الدموع وصناعة الصمت. وبينما تحاول المسارات السياسية القفز فوق الركام، يبقى «الحزن المكمّم» لآلاف السوريين والسوريات العائق الأكبر أمام أي عبور حقيقي. العدالة الانتقالية التي لا تبدأ بالاعتراف بحق الجميع في الحداد العلني، ليست سوى استمرارٍ للجريمة بوسائل أخرى.

كانت سارة تعرفُ الحزنَ عن قرب، لكنها لم تكن تتخيّل أنه قد يصبح رفيقاً صامتاً وظلاً لا يُرى. جلست تروي لي كيف احتضنتها صديقتُها المقرّبة لسنواتٍ مخفّفةً ألمَ فقدِ شقيقها في تفجير داخل مدينةٍ كانت تحت سيطرة النظام. كانت لها سنداً عجزت عنه عائلتها، منحتها الصمت حين احتاجته، والكلمة التي كانت ضماداً يحرسُ مسار الألم. لتكتشف، بعد أحد عشر عاماً من الكتمان، أنّ المرأة نفسها، التي كانت تواسيها بتوازُنٍ نادر واحتواءٍ صادق، كانت تخفي بدورها ألماً مماثلاً: أخاً مفقوداً، وأباً معتقلاً، وذاكرةً محظورة.

ترمزُ هذه القصّة إلى آلاف الحكايات التي عاشت طويلاً في الظل، حيث كان الحزن مباحاً للبعض، ومحظوراً على البعض الآخر.

يعرفُ كلُّ سوريّ/ـة، شخصاً واحداً على الأقل، لم يستطع التصريح بحزنه لسنوات. قد يكون ممّن لم تُسعِفهم حالتهم المادية وظروف الحياة بمغادرة مناطق هزّت عائلاتهم على نحوٍ ما: أبٌ معتقَل، أخت مجهولة المصير، أو زوجٌ مُغيَّب قسراً. لكنّ الأقسى من كلّ ذلك أنّهم حُرموا حقّ البوح، حقّ المعاناة والحزن ومشاركة الألم، فحملوا قضيّتهم داخلهم كأنها تابوتٌ معلّقٌ بأرواحهم، ليتمكّنوا من مواصلة الحياة، وإن بالحد الأدنى.

لا تقتصر هذه الظاهرة على مناطق سيطرة النظام السابق، أو على الضحايا السياسيين وحدهم؛ فالحزن المكبوت امتدّ إلى مختلف أرجاء سوريا، وحتى بين السوريين والسوريات في الشتات.

إضافةً إلى ذلك، يعاني كثيرٌ من الناجين «متلازمة الناجي». ذلك الشعور الخفيّ بالذنب أو بفقدان الاستحقاق، الذي يدفعه إلى التقليل من قيمة الأحزان الشخصية أمام هول المآسي التي شهدها من حولهم. وهكذا يتحوّل الحزن إلى حالةٍ «مكمّمة»، حتى في غياب أي تهديد مباشر، لأنّ الناس يشعرون أنّ معاناتهم الفردية ليست جديرة بالبوح وسط الألم الجماعي الذي يحيط بهم.

تفتح هذه الأمثلة، بكلّ رمزيتها الباب أمام نقاشٍ أعمق: لماذا اضطر مئات الآلاف من السوريين والسوريات إلى كبت أحزانهم؟ وهل يمكننا استعادة حقّ الحداد والاعتراف لمن أُجبِروا على دفن ذاكرتهم؟ وكيف يمكن إدراج هذه المسألة في مشروع العدالة الانتقالية إذا أردنا له أن يكون منصفاً وشاملاً حقاً؟

الحزن بوصفه «جريمة» مضافة

في السياق السوري، لم يكن موتُ أحدِ الأحبّة كافياً ليُعترَف به أو يُنصَف، فطريقة الموت، والانتماء السياسي، ومكان الحادث، غالباً ما كانت تحدّد مَن يُمنَح حقّ الحداد والحزن العلني، وأحياناً حتى حقّ الدفن، ومن يُحرَم منه.

تحوّل الحداد إلى فضاءٍ خاضعٍ لسلطة مَن يملك القدرة أو النفوذ على تحديد «مَن يُسمَع» و«مَن يُنسى».

إنها ظاهرة متكاملة فُرضت على كُثرٍ، كبحٌ قسريّ للذكريات، وضغطٌ على الضحايا وذويهم ليمارسوا الصمت، وغيابُ القبر وحالةِ العزاءِ كاملةً في بعض الأحيان، وتحويلُ الفقد إلى جُرمٍ في زمنٍ يُقاس فيه حتى حقّ المعاناة بخطره السياسي. فالميّت أو الغائب، بوصفه رمزاً لقضيّةٍ ما، قد يكون أخطرَ من الأحياء الصامتين.

ومن هنا، حين نطرح مسار العدالة الانتقالية في سورية، علينا أن نسأل: هل نطالب بالمساءلة القانونية فقط، أم نطالب بالاعتراف الإنساني أيضاً؟ أليس الحقّ في أن يُعلَن الحزن ويُسمَع، حقّاً جوهرياً للضحايا وذويهم؟

تحديات الاعتراف بالذاكرة

الاعتراف بالذاكرة الجماعية في سوريا لن يكون أمراً يسيراً، فطريقُه مليءٌ بالتعقيدات السياسية والاجتماعية والمؤسساتية. 

أول ما يواجه هذا المسار هو الانقسام المجتمعي العميق. يكفي أن يُطرح سؤالٌ بسيطٌ مثل «من يستحق أن يُسمَع؟» أو «من سيُقدّم الاعتذار له/ـا»؟ حتى تنبعث الصراعات القديمة حول الانتماءات والهُويّات الضيقة.

عبّر أحدُ المشاركين في جلسات الحوار المجتمعي التي نظّمها المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ) عن هذه المعضلة بقوله: «لا يكفي أن نطالب الناس بأن يتكلموا عن الألم، يجب أن نخلق بيئة تسمح بذلك من دون أن تُعمّق الانقسامات».

إلى جانب ذلك، تظهر إشكالية مؤسسات العدالة الانتقالية الناشئة، التي وُلدت بصلاحيات محدودة لا تشمل جميع أطراف النزاع السوريّ. ما يثير انتقاداتٍ وتساؤلاتٍ كبيرة حول من يُعتبر ضحيةً ومن يُستثنى من دائرة الاعتراف. فضلاً عن غياب المساءلة المتكاملة، فالقضايا القانونية المقدّمة حتى الآن ركّزت على نوعٍ واحد من الجرائم والضحايا، في حين بقيت الانتهاكات التي ارتكبتها أطرافٌ أخرى، دون مساءلة حقيقية أو اعترافٍ علنيٍّ بأثرها، مما يعمّق شعورَ الظلم لدى شرائح واسعة من السوريين. 

أما التوثيق والذاكرة الجماعية فيواجهان، بدورهما، تحدياتٍ ضخمة. فبرغم الجهود التي تبذلها منظمات مثل الشّبكة السّوريّة لحقوق الإنسان (SNHR) في جمع بياناتٍ عن الضحايا والمفقودين، لا تزال آلاف القصص مجهولةً لأسبابٍ كثيرة. كأن يعيش أصحابها في مناطق يصعب الوصول إليها. أو لأنهم حتى اليوم يخافون من التحدث. وحتى الأبحاث الأكاديمية، التي تحاول تقدير عدد الضحايا باستخدام منهجيات إحصائية متقدمة، لم تتمكّن من ملء فجوة الصمت والإنكار والخوف.

التعافي لا يبدأ بطلب العفو المبهم، بل بالاعتراف الذي يمنحُ لكل وجعٍ اسماً ولكل غيابٍ ذاكرةً تُروى

تبقى إعادة بناء الثقة والعمل على السلم الأهلي واحدةً من أعقد المهمات. لا يمكن مطالبة الناس بالتسامح وتقبّل الآخر قبل أن يشعروا بأن العدالة حقيقية، وأن الآخر ليس كتلةً واحدةً صلبة، بل أشخاصاً متباينين، وأنّ مَن ضغطَ الزناد كان مجرماً واحداً وليس طائفةً أو قريةً بأكملها. لا يمكن للضحايا أن يفكّروا بالعيش المشترك قبل أن يتأكدوا أنّ أصواتهم لن تُستغَلّ أو تُسكَت من جديد. فالتعافي لا يبدأ بطلب العفو المبهم، بل بالاعتراف. الاعتراف الّذي يمنحُ لكلّ وجعٍ اسماً ولكلّ غيابٍ ذاكرةً تُروى.

نحو عدالة تُتقن «الإصغاء»

في ربيع 2025، أُعلن عن إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم الرئاسي رقم /20/. غير أنّ صيغته بحد ذاتها، حملت في طياتها تناقضاً، إذ حُصرت مهام الهيئة في التحقيق بـ «انتهاكات النظام السابق» فقط، مع تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها أطرافٌ أخرى. بدا الأمر وكأنّ العدالة تُصاغ بلغة المنتصر، لا بلغة الاعتراف المتبادل الذي لا يبدو ممكناً في ظلّ ضلوع أفرادٍ محوريين من سلطة اليوم الانتقاليّة في انتهاكاتٍ موثّقة وجسيمة.

في موازاة ذلك، تحاول منظمات محلية ودولية - مثل المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ) والشبكة السورية لحقوق الإنسان - أن تفتح مساحاتٍ صغيرةً للكلام. تُنظم جلساتِ حوارٍ في المدن والبلدات، حيث يتحدّث الناس للمرة الأولى عن المفقودين والخوف، وعن الذاكرة الممنوعة. هذه اللقاءات تشبه تنفّساً جماعياً بعد سنوات من الكتمان، لكن ما زالت محاطةً بالخطر، كالخوف من الملاحقة، الرقابة، الانقسام أو النبذ المجتمعي، إضافةً إلى ما يرافق الجرائم المتعلّقة بالنساء من عوائق اجتماعية وعائلية ترتبط بموروثات معيّنة تُقصي الضحيّة وتجعلها ضحيّةً مرتين. وبرغم ذلك فإنّ هذه المحاولات تزرع بذوراً أولى لفكرةٍ كبرى: أن نسمح للحزن بكلّ أشكاله أن يُروى لا أن يُنكر.

ما تحتاجه سوريا اليوم ليس فقط مؤسساتٍ قانونيةً، بل مساحاتٍ إنسانيةً وبُنيةً اجتماعيةً تحتضن الاعتراف، بحيث تكون العدالة قادرةً على «الإصغاء» لا على «التصنيف»، وأن تتيح للضحايا - مهما كان الطرف الذي جعلهم ضحايا - أن يظهروا بصفتهم أشخاصاً، لا كأرقام. أن تُعاد كتابة الأسماء التي مُسحت من الجدران إلى ذاكرة البلد، وأن يتحول تكريمُ الذكرى من شأنٍ عائليٍّ إلى فعلٍ عام.

قد يستسخف البعض القول إنّ هذه العملية يمكن أن تبدأ بخطوات بسيطة، كمنصّاتٍ حرّة للسرد وشهاداتٍ تُجمّع من مختلف المناطق، ولجنة تُعنى بالاعتراف والذاكرة والحوار لا بالمحاسبة فقط، ونظامٍ تعليميٍّ آمنٍ للجميع، يزرع في الأجيال المقبلة قيمة التذّكر لا الثأر، دون أن نتجاهل تعويضاتٍ حقيقيّة تحفظ للضحايا كرامتهم ومكانتهم في الضمير العام. لكنّ هذا «السّخف» في التطلّع إلى واقعٍ سوريٍّ أفضل، هو ما يدفعنا نحن السوريين والسوريات إلى الاستمرار في الانغماس في الشأن العام، ومحاولات السعي اليوميّ من أجل بلدٍ، لديه أحزانه، على أن تكون – على الأقل - معلنةً، مسموعةً، ومفهومةً. فهذه هي الطريقة الوحيدة للتوقّف عن التشبّث بالمظلوميّات الطائفيّة المتفرّقة، والتماس المظلوميّة السوريّة المشتركة، في الفقد، والموت، والحرب وآثارها التي تتردّد عبر الأجيال.

ليست العدالة هنا نصّاً قانونياً فقط، بل هي أيضاً فعلُ إصغاءٍ جماعيٍّ ضروريّ. تصالحٌ مع الحزن المكتوم، وحدادٌ علنيٌّ مستحقّ. وهو لا يعني، مطلقاً «تبويس شوارب» المجرمين أو مصافحتهم، ولا بالضرورة إهانتهم الفردية بلا إنسانية، بل منظومة اجتماعية وقانونية متكاملة فوق الجميع.

هل يستطيع الحُزن أخيراً أن يأخذ كلّ أسمائه؟

القصة الرمزية التي افتتحتُ بها هذا المقال ليست سوى دعوةٍ لنسأل: كم من حزنٍ لم يُعتَرَف به؟ وكم من حزنٍ لن يُعترفَ به غداً؟ كم من وجعٍ انتظر اللحظة التي يُقال له فيها: «لك الحقّ في أن تُروى قصتك»؟، وكم من وجعٍ سينتظر أكثر في المستقبل؟

لن تبدأ العدالة الانتقالية الحقيقية، في سوريا، حين تُقدَّم القضايا إلى المحاكم فحسب، بل حين يُسمَح لمن فقدَ/ت بإيقاف الزمنَ، لينعى مَن خسره، ويُعترَف به/ـا - لا كرقمٍ، بل كوجهٍ وإنسانٍ وملامح. عندها فقط قد نصل إلى سوريا لا تخلو من الأحزان، لكنها أحزانٌ علنيّةٌ ليست مجهولة المصير؛ أحزانٌ يمكن أن تُروى، وتتحوّلَ إلى ذاكرةٍ حيّة، يُسمَع فيها لكلّ ألمٍ صدى، ولكلّ غيابٍ صوت.

يُنشر هذا المقال في إطار تعاونٍ بين «صوت سوري» و«شبكة الصحفيات السوريات» يتمحور حول العدالة الانتقالية في سوريا

العدالة_الانتقالية_في_سوريا السلم_الأهلي_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0